الشهيد المجاهد: محمد موسى أبو عيشة

الشهيد المجاهد: محمد موسى أبو عيشة

تاريخ الميلاد: الجمعة 02 سبتمبر 1988

الحالة الإجتماعية: متزوج

المحافظة: الوسطى

تاريخ الإستشهاد: الثلاثاء 20 نوفمبر 2012

الشهيد المجاهد "محمد موسى أبو عيشة": زُف إلى الحور العين بعد زواجه بشهرين

الاعلام الحربي _ خاص

ذاك الشاب الصادق الصدوق عاشق الشهادة والشهداء، الوفي والمخلص في جهاده، وعمله ومهامه وحبه للدين والوطن، والذي كنت تراه في كل مكان يتعلق بحركة الجهاد الاسلامي وفي كل المجالات حتى جنازات الشهداء كافة، صاحب اللحية الجميلة والابتسامة العريضة، إنه "محمد موسى ابو عيشة" الذي عشق الشهادة في سبيل الله عز وجل، وعمل من أجلها فالتزم دينيا وكان لا يهاب الموت في سبيل الله لنصرة شعب مبتلى، فكانت لا تؤثر فيه الشدائد والمحن، وكان كل عمله خالصاً لوجه ربه الأعلى، فقدم روحه رخيصة في سبيله وحرص دوماً على رضاه للفوز بجنته.

فما زالت تفاصيل استشهاد "محمد أبو عيشة" ملتصقة بذاكرة والده الذي استقبلها برباطة جأش وعزيمة قوية وثبات كبير، إلا أنه لم ولن ينسى تلك اللحظة التي غاب فيها نجله إلى غير رجعة بجوار رب العزة، بعد أن اغتالته طائرات العدو الصهيوني في معركة السماء الزرقاء، تاركا خلفه ذكرى عطرة وعملا إعلاميا مشرفا.

وللخوض في تفاصيل حياته وقصة استشهاده كان لـ"الاعلام الحربي" هذا اللقاء مع أسرته وأصدقائه في العمل، إذ بدأ والده الخمسيني يروي تلك اللحظات العصيبة قائلاً: " كنت عائدا من صلاة العشاء، فقابلت محمد في طريقي برفقة صديق له، فطلبت منه أن يبقى بجوار المنزل ولا يذهب بعيدا لأن السماء ملبدة بالطائرات التي تحلق بصورة متواصلة وتقوم بالقصف بين الحين والآخر،  فأجابني "لا تقلق سأعود بعد وقت قصير".

وأضاف وهو تسيطر عليه علامات الحزن والألم: بعد أن غادرني بوقت قصير سمعت صوت انفجار قوي، توقعت أن يكون هذا القصف استهدف ابني محمدا، فهرولت مسرعا إلى المكان، ليتحول التوقع إلى واقع، بعد أن رأيته مدرجا بالدماء ومصابا إصابات بالغة الخطورة برفقة صديقه الشهيد المجاهد حسن الأستاذ، وقد أحاط بهما عدد كببر من المواطنين".

الصبر والسكينة

وتابع الوالد حديثه قائلا: بدأت أعالج الأمر بكل ثبات وحكمة، إذ ألقى الله في قلبي الصبر والسكينة، حيث بدأت ألقنه الشهادتين وكلي رضا عن ذلك، حتى نطقهما بصوت هادئ ومطمئن وهذا عزائي الوحيد الذي ربط على قلبي وثبتني في تلك اللحظة الصعبة، حتى حضرت سيارة الإسعاف بعد دقائق معدودة ارتقى إلى ربه شهيدا".

وحرص الوالد قبل أن يفارق ابنه الشهيد الحياة بالدعاء له بأن يرزقه الله الجنة وأن يسامحه الله مرددا عبارة "مش خسارة في الوطن، وفلسطين تريد المزيد من الشهداء"، موصيا إياه بأن ينقل سلامه إلى أخيه "عماد" المجاهد بسرايا القدس والذي استشهد أثناء تنفيذه عملية استشهادية في مستوطنة "تل قطيف" بمدينة دير البلح عام 2002.

علاقات طيبة

وبيّن والد الشهيد أن ابنه كانت تربطه علاقات طيبة بجميع أفراد الأسرة، فكان نعم الأخ الحنون والعطوف على إخوانه، ومطيعا لوالديه محبا للأطفال، ومؤمنا بالله متدينا، مواظبا على الصلوات الخمس،يتميز بصفات إنسانية رائعة، وهذا ما جعل جنازته كعرس من أعراس الشهادة، إذ حظيت بمشاركة كبيرة وواسعة على الرغم من أجواء الحرب المخيفة في تلك الفترة.

وعاد "أبو محمد" مستذكرا طفولة ابنه الشهيد قائلا: كان كل من يقابله في صغره يستغرب من طريقته وأسلوبه في الكلام والحوار بالرغم من حداثة سنه، فكان يتمتع بصفات الذكاء والفطنة وسرعة الملاحظة والإدراك، الأمر الذي ميزه عن بقية أقرانه من الأطفال الذين بعمره".

تميز محمد بالهدوء والأدب والأخلاق العالية منذ كان طفلاً صغيراً، فدخل المرحلة الابتدائية والإعدادية بمدارس وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين بمدينة دير البلح ثم انتقل للمرحلة الثانوية بمدرسة الصناعية بالمدينة وكان متفوقاً بدراسته حيث تخرج من المرحلة الثانوية العامة والتحق بكلية المجتمع التابعة للجامعة الاسلامية، ودرس تصميم مواقع انترنت وأنهى دراسته وتزوج عام 2012 قبل استشهاده بشهرين تقريباً حيث انه ترك طفلة في بطن امه يتيماً بسبب غطرسة العدو الصهيوني وسيبصر طفلة او طفلته النور ولم يشعر بحنان الاب بفعل هذا العدو الغاصب والذي لا يعرف معنى الانسانية سوى لغة القتل لأبناء شعبنا .

وتميز كذلك أبا عماد بالذكاء والاعتزاز بالنفس، وملتزم أخلاقياً ودينياً حيت انه نشأ في بيئة محافظة ملتزمة متمسكة بالدين والأخلاق الحميدة، تربى شهيدنا في وسط مماثل لباقي أوساط شعبه أحس بهمومهم ومعاناتهم وطموحاتهم العريضة، إتصف الشهيد بالهدوء والصمت الالتزام، وكان وفياً لوعده محافظاً على كلمته وكان شجاعاً مقداماً  وكان طموحاً خلوقاً، وكان يحب الإبداع في شتى مجالات عملة الجهادي سواء عسكرياً أو حركياً .

ما زال عريسا

وأكثر ما يؤلمنا ويزيد هذه الفاجعة مرارة وقسوة، أنه مازال عريسا، إذ لم يمض على زواجه سوى شهرين فقط، ليزف مرتين، الأولى إلى زوجته والثانية إلى حور العين في جنة الرحمن، وفق تعبير والده-نحسبه ولا نزكي على الله أحدا-.

ولفت إلى أنه كان يحب الإعلام منذ صغره واختار دراسة هذا المجال والعمل به من أجل إيصال الصوت الفلسطيني وإعلائه أمام الغطرسة والعنصرية الصهيونية التي تمارسها بدون رقيب وحسيب، فأخذ على عاتقه هذه المسؤولية وسخر كل ما يملك من طاقات لهذا العمل معتبرا نفسه فارسا من فرسان الحقيقة.

بزوغ الفجر

وولد الشهيد المجاهد محمد موسى أبو عيشة يوم الثاني من سبتمبر لعام 1988. ونشأ وترعرع في أسرة فلسطينية متواضعة قائمة على حب الله وطاعة رسوله تقطن في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تتكون من خمسة أشقاء وشقيقتين، بالإضافة إلى الوالد والوالدة، واستشهد جراء غارة صهيونية حاقدة في العشرين من نوفمبر لعام 2012.

صدمة وفاجعة

أما الأم فقد تلقت الخبر بصدمة كبيرة لم تستطع أن تتحملها، حتى بدأ صراخها يدوي في كل أرجاء المكان ودموع القهر والألم تنهمر من مقلتيها، حيث التفت حولها نساء الحي متسائلين عن ما جرى، فكانت الفاجعة الكبرى باستشهاد ابنها محمد من قبل طائرات الغدر الصهيونية، ليتحول المشهد لأصعب ما تصفه الكلمات وتجسده الصور.

وسرعان ما اغرورقت عيون الأم المكلومة بالدموع بعدما بدأت تستعيد اللحظات التي تستذكر فيها خبر استشهاد ابنها عندما بدأت حديثها قائلة:"علمت بالخبر المفجع بعد اتصال والده بأخيه حاتم المتواجد في المنزل ليخبره بما حدث فعرفت رغم محاولتهم الإخفاء عني ذلك، فنزلت إلى الشارع مسرعة لرؤيته على الرغم من محاولة البعض منعي من ذلك، إلا أنني رأيته ملقى على الأرض أشلاء مقطعة".

وتابعت "أم محمد" بعد أن التقطت أنفاسها للحظات لتواصل بكلمات متقطعة: بعدها لم أتمكن من امتلاك نفسي حتي سقطت على الأرض فاقدة للوعي لأستيقظ وسيارة الإسعاف تغادر المكان إلى المستشفى، ولم أستطع الانتظار فذهبت للمستشفى وهناك سمعت الخبر الذي صدمني وأدخلني في حالة بكاء لا تنتهي".

انفرط عقد دموع والده الشهيد وتحشرج صوتها من شدة البكاء لتتوقف عن الكلام ثم تعود وتتابع" بعدها شعرت بأن روحي خرجت من جسدي لحظة استشهاده، فلم أكن أبدا أتوقع أن يغيب ابني عن الحياة وبشكل أبدي، فقبل استشهاده بدقائق قليلة كان بيننا يجلس معنا ويتناول طعام العشاء برفقة أشقائه.

كلمات أخيرة

ودأبت الأم خلال أيام الحرب الأخيرة على نصح ابنها الشهيد الالتزام في المنزل حتي لا تنال منه الطائرات الصهيونية الغاشمة، إلا أن القدر عاجله وكان أقوى من كلماتها ليخرج ويلقى مصيره بقدميه، حيث كانت كلماته الأخيرة لوالدته" إننا سننتصر على الاحتلال في هذه المعركة"، فكان واثقا من تحقيق النصر والتمكين ليرحل عن عالمنا قبل أن يتنسم عبير فرحة النصر المؤزر على الاحتلال بيوم واحد فقط من إعلان التهدئة.

وأشارت الأم الصابرة والمحتسبة إلى أنهم لم يكادوا يفرحوا بزفافه، ولم يهنأ بتكوين أسرة وإنجاب أطفال يلعبون ويلهون حوله حتى طاوله القصف الصهيوني، متسائلة ما ذنب الفلسطينيين يقتلون هكذا بدون أن يقترفوا أي جريمة سوى أنهم فلسطينيون؟.

والشهيد "محمد أبو عيشة" فارس القلم والكلمة وحامل لواء الحق والمقاومة، كان يعمل مديرا تنفيذيا لإذاعة القدس التعليمية في مدينة غزة منذ افتتاحها عام 2010 وأحد مؤسسيها الأوائل، والذي أراد العدو باغتياله كتم الصوت وإخفاء الحقيقة.

أما زوجته فلم تستطع التحدث لنا لأنها لم تستفيق بعد من هول الصدمة والفاجعة التي ألمت بها ولم تصدق ما حدث برحيل زوجها، لتخبرنا العائلة بأنها تحمل في أحشائها جنينا لزوجها مما خفف من وقع الفاجعة عليها، إلا أنها تتألم لأن زوجها لن يتمكن من رؤية هذا الطفل الذي ينتظره منذ اللحظة الأولي للزواج وطالما حلم بأن يداعبه كغيره من الآباء.

ترك فراغا كبيراً

ومن جهته تحدث صديقه وزميله في إذاعة القدس التعليمية محمد أبو سلامة عن عمق العلاقة التي كانت تربط الشهيد "محمد" مع زملائه في العمل قائلا: كان يتعامل معنا كفريق واحد يجمعنا الود والإخلاص والترابط، فكان متحركا وفاعلا، عرف عنه صدقه في التعامل وطيبته ومساعدته للآخرين وديمومة الابتسامة".

وأضاف أبو سلامة في حديثه: فقدان محمد ترك فراغا كبير بيننا، وفقدنا شخصية تمتلك شجاعا كانت تزيدنا إصرارا على العمل، لكن عزائنا الوحيد أنه نال شرف الشهادة التي طالما حلم بها، مما جعل ذلك يزيد من صبرنا وتحملنا لألم الفراق ولوعة الاشتياق"، مشيرا إلى أن المجال الإعلامي خسر شخصا طالما حرص على إعلاء الكلمة والصوت وسهر دوما من أجل نقل الحقيقة وكشف جرائم العدو الصهيوني أمام العالم.

ولفت إلى أن الشهيد كان محبا لعمله لأبعد الحدود حتى أنه كان يمكث في الإذاعة لأوقات طويلة تزيد عن الفترات المحددة له دون كلل أو ملل، وكان دائما يكافح للارتقاء بالعمل والنهوض به، منوها إلى أنه خلال فترة العدوان الصهيوني على غزة لم يذق طعما للنوم فكان رحمه الله دائم التواصل مع الزملاء ومدهم بالأخبار والتفاصيل.

رحل جسد الشهيد المجاهد "محمد" من الدنيا تاركاً ورائه طفلا ينتظر الخروج لعالم سيحرم فيه من عطف الأب، كذلك سيرة طيبة وذكرى جميلة تحمل بشريات النصر، وصورا ربما تكون عزاء طفله الوحيد ليتعرف بها على ملامح والده الذي صعدت روحه إلى السماء في معركة السماء الزرقاء.

الرابطة الإسلامية

تأثر الشهيد محمد باستشهاد أخيه "عماد ابو عيشة" احد مجاهدي السرايا في عملية استشهادية بطولية عام 2002م حيث قرر بعدها السير على خطاه، حيث عمل الشهيد في الإطار الطلابي التابع لحركة الجهاد الاسلامي الرابطة الاسلامية، مع بداية عام 2003، فشارك في المسيرات والندوات والمهرجانات التي كانت تنظمها الحركة، إضافة إلى مشاركته في تنظيم المسيرات التي تخرج من المسجد والمشاركة في أعراس الشهادة بالمدينة، وبعد وقت اثبت جدارته وانجازاته رغم صغر سنه حيث تلقى عدة مناصب في الرابطة من امير مدينة دير البلح، حتى أن وصل إلى مسئول الرابطة بالمحافظة الوسطى، ومع الزمن أثبت أبا عماد بجهده الدءوب والمميز انه على قدر مسؤولية عالية ، وبعدها انتقل الي العمل في إذاعة القدس التعليمية التابعة للرابطة ليكون المدير الاداري لها.

درب الجهاد

انضم الشهيد المجاهد محمد ابو عيشة إلى صفوف سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الاسلامي عام 2006، وذلك عن طريق تعلقه بالشهداء والمساجد وحب الجهاد في سبيل الله ونشاطه الدءوب والمتواصل في حركة الجهاد الاسلامي، حيث تميز بالسرية والكتمان في العمل العسكري فكان يشارك إخوانه في الرباط، وتلقى عدة دورات عسكرية أكاديمية وميدانية متقدمة، وقد شارك في العديد من الأعمال العسكرية ضد العدو الصهيوني.

وشارك أبا عماد في عدة كمائن للعدو الصهيوني شرق مدينة دير البلح، وفي إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون على موقعي ميغن وكوسوفيم العسكريين، والرصد والاستطلاع ،وشارك الشهيد المجاهد في اطلاق قذائف مضادة للدروع على ثكنات العدو، والتصدي للتوغلات الصهيونية شرق المدينة، كذلك كان للشهيد الشرف والجهد الكبير في المشاركة في عملية السماء الزرقاء الصاروخية بضرب المدن الصهيونية بصواريخ الجراد والقدس.

رحيل المجاهد

بعد صلاة العشاء مباشرة يوم الثلاثاء 20/11/2012، خرج الشهيد من منزله برفقة الشهيد المجاهد "حسن الأستاذ" وبعد ثلاثة دقائق من خروجهم، أطلقت طائرة استطلاع صهيونية غادرة صاروخ باتجاههم وهم يسيرون على الإقدام في شارع البركة بمدينة دير البلح وسط القطاع، أدى لارتقائهما شهداء الى علياء المجد والخلود، بعد مسيرة طويلة من التضحية والفداء . وبعد أن اصيب محمد بشظايا الصاروخ الحاقد، ونزفت دمائه من جميع أنحاء جسده نطق الشهادتين بكل هدوء بعد أن لقنه إياها والده الصابر المحتسب، والذي وصل اليه بعد استهدافه لقربه للمكان.

الشهيد المجاهد: محمد موسى أبو عيشة