"للشقاقي" .. عشق وشوق ووفاء

للعظماء دوماً ذكريات.. لا يُمكن أن تُنسى مهما حاول البعض طمسها.. وللذكريات حب ينبع من أعماق القلوب، لِمن رسموا خيوط حكاياتها.. وشكّلوا فصول رواياتها، فكانوا أبطالاً بحق، ولا يستطيع أحد أن يقف مُجابهاً لبطولاتهم، ولا أن يفك طلامس سطور هذه الحكايات المليئة بالعنف والثورة والحب.. فتحي الشقاقي.. كان عملاق هذه الصفحات المُشرقة، المسكونة بالهمّ لقضية ووطن وذكريات .

فتحي الشقاقي.. هذا الاسم الذي لا يجوز أن يُنسى، ولا يجوز لِمن عشقوا اسمه المبارك أن يحيدوا عن هذا الهمّ الذي سكن قلبه وعقله ووجدانه.. فتحي الشقاقي.. هذا الاسم الذي ملأ الوطن بالحب والخير، وعاش لغيره، ونسي ذاته وحياته من أجل أن تعيش الأمة بكرامة وعزة وإباء.. فيجوب شوارع الوطن المبارك والمنكوب، يُبشّر بجيل قرآني قادم من عُمق الجراح، ومن وسط هذا السواد القاتم، الذي ساد كل أرجاء المعمورة، وليزرع الأمل في نفوس الناس، كل الناس، وليجعل من شجر الزيتون مَذاقاً وزاداً للانطلاق نحو الثورة والعشق لهذا الوطن الحبيب.

فكان خبز الفقراء المجبون بالآلام والأوجاع طعامه اليومي، ليشارك المقهورين والمسحوقين لقمة عيشهم الطيبة، المسكونة بأهازيج الأجداد، حيث نشيد البلاد يكسو وجوههم، وتُبرق عيونهم بكلماته المنقوشة بحروف الوطن.. فتحي الشقاقي.. مَن منّا لا يتذكر هذا الأب الكبير، الذي حضن الوطن بكامله في بؤبؤ عينيه، وجاب مدنه وقراه وشوارعه في كل أوقاته، حاملاً الإسلام همّاً، ودار به في كل الأرجاء، ليبشر بميلاد فجر جديد..

وانطلق كما البرق في ليلة عاصفة، تحمل في طياتها رياح البُشريات، صارخاً غير مستكين، أن فلسطين .. كل فلسطين.. من نهرها.. إلى بحرها.. هي قضية الأمة الإسلامية، ولا تنازل عنها.. وأن فلسطين بتاريخها، وأشجارها، وأنهارها، وأبحارها هي مركز الصراع الكوني، حيث أنها لا تقبل القسمة، حتى لو قدّمنا أرواحنا جميعاً فداء حفنة تراب من قداستها.. مَن منّا لا يتذكر هذا الاسم الطاهر وهو يحمل للناس بُشرى الإسلام القادم .. ويُبشر بجيل كالجيل الأول .

فكان ميلاد خروجه من صرخة الحسين المُقدسة، والتي كانت امتداداً مقدساً لزعيم الأمة، والثائر الأول .. مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان الشطر الأول من اسمه فتحاً مبيناً .. فتحي الشقاقي .. هذا الرجل الذي لا يُمكن لفلسطين كل فلسطين أن تنساه .. ولا يُمكن لجدران الأقصى والقسام أن يغيب عنها.. فهو منقوش في ترابها.. في مائها.. في أعمدتها.. تبكيه كل يوم على فراقه الذي أوجع الوطن بكامله.. يا أيها الشقاقي.. يا عزّ هذه الأمة، ومُجدد مَجدَها.. ما زالت صرخاتك نسمع صَداها في ربوع الوطن، وكأنّ فيها ملح العشّاق يُداوي جراحهم التي أدمت قلب الوطن، ما زالت صرخاتك موصولة بقمر السماء، تُضيء لنا طريقنا، ليُنير بجماله كلّ أرجاء الوطن، ولن تزول بإذن الله، وسنحفظها في ذاكرتنا، ونعلمها للأجيال القادمة، فهي نبراس حياتنا، وزادنا في صراعنا مع عدونا الذي احتل أرضنا بل كلّ الوطن..

يا أيها الشقاقي المبارك.. هذا يومكَ.. فاصرخ في وجه الساسة الذين يصافحون قاتليكَ.. وابصق ألف بصقة وبصقة على وجوه كالحة لا تأبه بما أصابكَ.. يا أيها الشقاقي.. على أعتاب ذكرى حياتك الأبدية، سوف تتحطم كل مؤامراتهم، وتنكشف حقائقهم.. فهذا وقت المكاشفة الربانية لكل مجرم وخائن.. هذا وقتٌ لكشف اللثام عن وجوه اللئام، حتى تتضح الصورة أفضل لكل ضحايا هذا الوطن المقاوم.

يا أيها الشقاقي.. هذا يومك يأتي ليبث فينا كلّ معاني الثورة، وليحثنا على أن نبقى متمسكين بهذه الأرض المباركة، غير آبهين بكل ما يدور من حديث حول سلام مزعوم لا يقوم إلا على القهر والاستبداد والطغيان، ولا على ما يدور من حديث حول هدنة مسخة طويلة الأمد، لا تقوم إلا على أشلاء الشهداء الذين ضحوا بكل غالٍ ونفيس من أجل أمتهم ووطنهم المذبوح وعقيدتهم وشعبهم.. يا أيها الشقاقي.

يا جرح فلسطين المتجدد.. نقرأ الفاتحة في كل ليلة لتصل إلى روحك الثائرة، ولا يسمعها قلبٌ متبلد..!! نخلد للنوم في هدوء صامت ومخيف.. ونستيقظ لنشاهد عجائب الخريف.. دمٌ في الطرقات.. وجثثٌ في الحواري وكل المفترقات.. يا أيها الشقاقي.. يا عزّ المجاهدين الصادقين.. نصرخ في وجه الطغاة، وصرختنا ممزوجة بآلام الأطفال والنساء والآهات.. فيا أيها الشقاقي بدمك النازف.. قُم واربط الجُرح وقاوم.

ودع تفهاء القوم وشأنهم، فمنهم من تخلى ومنهم من يُساوم.. يا أيها الجبناء يا أيها السُفهاء.. هذا يوم الشقاقي آتٍ آتٍ.. فاغربوا عن وجوهنا، فالوطن للذي يعشق السلاح ولا زال يُقاوم.. فالشعب لن يرحمكم، ولن يُهادن، ولن يُفرط ولن يُساوم.. يا أيها الشقاقي.. لكَ ألف تحية وسلام.. ممن عشقوكَ وسهروا الليالي يبكوكَ.. هذا عهدٌ قطعناه على أنفسنا ألاّ نخذلكَ.. وسنحفظكَ في بؤبؤ عيوننا.. ونجاهر بعزكَ رغم محاولات الطمس.. وستظل شامخاً شموخ الجبال، وسننقش حروف اسمك في عقولنا كما الوطن المبارك، ولن ننساكَ..

فأنتَ عزّنا وأنتَ مجدنا.. وعلى أعتاب ذكرياتك سوف ندحر المحتل ونُعلن براءتنا من كل من يهادن، ولن نستسلم ولن نساوم.. يا أيها الشقاقي.. اليوم فلسطين كلها تحتفل بمجدك الذي صنعته للأمة كل الأمة.. وتستنشق مسك طهارتك التي لا يمكن أن تنتهي.. فيا حُبّنا.. يا عشقنا.. نلتقي بذكراك لنجدد العهد على أن لا ننساك مهما فعل السّاسة اللا كبار.. ومهما خان الخائنون لهمّك المقدس.. وسنحمي مشروعكَ بدمائنا وأشلائنا.. وسندحر كل مخططاتهم الخبيثة التي تهدف إلى مزيد من ضياع وطننا في عقولنا وقلوبنا وفي أجيالنا القادمة.. وسنواصل مشوارنا متمسكين بحبل الله.. مستبصرين بسيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.. مستأنسين بالذين حملوا الراية ومضوا.. يدافعون عن كرامة الأمة، لا يأبهون بطاغوتية المستكبرين وظلمهم.. وستبقى يا عشق الفقراء خالداً في حكايا أطفالنا، وحواديت أجدادنا، رمزاًً وعنواناً للفخر والمجد.. تزرع فينا روح العزة والكرامة التي ضاعت في دنيا الناس.. ففي ذكراك .. لا بد وأن يكون لنا لقاء.

disqus comments here