قصصاً مضيئة من حياة "الشقاقي" لم تروى بعد

في حياة كل منا ذكريات لأحبة خطفوا الفؤاد بطيبهم وبعبق أصلهم فنطرز بمواقفهم وقصصهم حكاية وطن لعز الدين الفارس.

هكذا اسمه، فهو عز مقرون بالدين تعانقه الفروسية العربية الأصيلة .

ساقتني نفسي للبحث عن حياته وأثناء طريقي كنت أحاول أن أتلمس صورة تتلون حولها ملامحه الندية فما أدركه قطعا هو أن كل قائد عظيم تكون له مواقف حين نعلمها نتوقف عندها، وما كنت أعلم أني سأتوقف كثيرا بل وكثيرا جدا عند كل مواقف الدكتور المعلم فتحي الشقاقي.

استقبلتني شقيقته "أم حازم الصوفي" والتي تصغره بستة أعوام، وما إن ذكرت لها اسم الدكتور فتحي الشقاقي حتى راحت بخيالها نحو تلك الأيام الخوالي والتي جمعتها به في منزل واحد يقتسمون معا رغيف الخبز المدوّر والمعجون بحب صادق الوجدان .

قالت بعد أن ألقت نظرة على صورته والتي اتخذتها واجهة لجوالها كي يلازمها كل حين: فتحي هو الشقيق الأكبر لنا، حيث ولد عام 1951م في ظروف معيشية بسيطة وفي بيت ذي بذور إيمانية تؤهله أن يبني منهجا وصرحا إسلاميا عظيما.

وتكمل بالقول: منذ أن وعيت على هذه الحياة وأنا أرى فيه معالم الرجولة والعزة، حتى أثناء صغر سنه، وما زاد بروزها هو وفاة والدتي، فما كنت أعلم وأنا ابنة ست أعوام معنى أن نفقد عزيزا ونبكي عليه ولم نره إلا في عيون فتحي، يأخذنا حوله، وبات لنا الأم والأب والأخ الذي يقوم بكافة الأعباء المنزلية .

لحظة صمت أوقفتها، فأيقنت بأنها تذكرت موقفا لا يُنسي بالرغم من السنوات التي طواها الزمان, سألتها عما أوقفها وعن سر الابتسامة التي رسمت على ثغرها فقالت: ذات يوم وأنا بالصف الخامس الابتدائي، تغيبت عن المدرسة كي أنجز كافة أعمال المنزل، وأثناء جلوسي على صحن العجين، جاءني فتحي، وقد كان عائدا من عمله في بيرزيت، فنظر إلى يداي نظرة حزن، ثم سألني ما هذا يا آمنة ؟ ولماذا لم تذهبي إلي المدرسة وتحضري دروسك وتلعبي مع أقرانك في الفصل؟ فأخبرته بأننا نحتاج إلى الخبز لإطعام إخوتي الصغار، وهنا طلب مني أن أترك العجين، فبدَّل ملابسه وارتدى "بجامة"، ثم جلس مكاني وعجنه بدلا مني فأي رجلا أنت يا أخي؟

وتكمل متحدثة عن بعض مواقف الشهيد الشقاقي: كان يتفقدنا جميعا ويستمع إلينا ويمازحنا، ففي أحد الأيام كانت شقيقتي ليلى مريضة، وحينما علم بذلك أحضر لها المرامية، وبقي بجانبها إلى أن تعافت، فذهب ونام، وما هي إلا لحظات حتى كان واقفا بجانبها ليطمئن عليها، فحنانه كان يغمرنا جميعا".

وتكمل: في هذه الأثناء كان فتحي يدرس في مصر بعد أن درس الثانوية العامة مرة أخرى وحصل على معدل 94 –علمي- يؤهله لدراسة الطب في جامعة الزقازيق بالقاهرة، وفي هذه الفترة بدأ نشاطه يبرز، فحمل هم القضية الفلسطينية وجعل شعارا لرفاقه: من يرغب بالسير قُدما في حمل هم الوطن عليه أن يتسلح بكتاب الله وسنة نبيه، لأن النصر لا يـأتي إلا من عند الله عزوجل" .

وتقول: وذات يوم جهزت له حقيبته ليعود إلى، مصر وما هي إلا ساعات حتى عاد لنا، فسألته عن السبب، فأخبرني بمقتل السادات، وأن الأوضاع غير مستقرة في مصر، وبعد فترة وأثناء وجودي في منزل جيراننا جاءني شخص وأخبرني أن اليهود الصهاينة حاصروا منزلنا واعتقلوا فتحي".

واستطردت بالقول: لم يكمل جارنا حتى انطلقت إلى دارنا في منطقة الشابورة ودموعي تنهمر، وحينما وصلت وجدت الشارع خاليا إلا من دبابات العدو التي اجتاحت المكان وخطفت روحي معها، فأوقفني بعض الجنود وسألوني عن طريقي فأخبرتهم بتعنت أني ذاهبة إلى منزلنا فأفسح لي، وبعد لحظات وصلت إلى دارنا ودخلت، وكانت حقيبته كما تركها، فرأيته مكبّلا بالقيود, سألوه عن حجرته، فدلَّهم علي حجرة إخوتي وطلب مني أن أحضر له ماء، ففهمت أنه يقصد أن أخبئ حقيبته، فدخلت الحجرة بحُجَّة أن الجو حار وأني أريد أن أبدل ملابسي وبسرعة بحثت في حاجياته وبلعت كافة الأوراق التي كانت بالحقيبة من دون أن أعلم ما بداخلها وبعد ذلك اقتادوه إلي المعتقل وسُجٍن فيه 11 شهرا، وكُنًّا نزوره أسبوعيا، بعدها تم الإفراج عنه، وما هي إلا أيام حتى اعتقل في غزة ثلاث سنوات بسجن السرايا، وبرغم ذلك لم يقطع السؤال عنا".

وتسترسل في الحديث عن بعض من مواقف حياة الشهيد الشقاقي: في يوم جاء زوجي لخطبتي، ولم أكن أرغب بالزواج، فاستشرت فتحي، فطلب مني أن أرسل الخاطب ليراه ويتحدث معه، وقال لي يا آمنة ابحثي عن دينه فإن وجدته فلا تبحثي عن شيء آخر".

وبعد الإفراج عنه-تضيف آمنة-عمل في مشفي العيون، وكان يعالج المرضى بالمجان، وفي أحد الأيام جاء جارنا المسن، فنظرت عليه من أعلى المنزل، وقالوا لي بأن هنالك مريضا، فقلت لهم اصعدوا به، وذهبت كي أُخبر فتحي بوجوده، فنظر ووجد في الأسفل حمالة، فغضب وحمل المريض علي عجلٍ وعالجه في بيته وبقي بجانبه حتى تعافى".

وعن لحظة استشهاده تقول شقيقة الشهيد الشقاقي: كنت أساعد ابنة عمي، فشعرت بغصة آلمتني, تركتها وذهبت إلى شقتي، وفي اليوم التالي جاءت إليّ وكانت تعلم باستشهاده، فنظرت إلى الشرفة ورأيت حركة غريبة بجانب بيت أهلي، نزلت مسرعة بلا وعي وعلمت من تلقاء نفسي أن فتحي أصابه شيء، إلا أن الله تبثني ولم أبك، وقلت لهم فتحي مات؟ فأومأ أخي عبد العزيز برأسه، ودخلت إلى الدار وأنا صابرة، فجاءني أحد الصحافيين وسألني: هل سيأتي أحد أفضل منه، فقلت بقوة: لا لن يأتي، فهو المعلم والقائد، بل هو الأب والأخ وقبل هذا كله هو الإنسان".

" وهكذا انتهى عيض من فيض مذكرات لا تنتهي، ففتحي الشقاقي علم يفيض بعطائه حبا لكل من عايشه وعاشره وتلمَّس بعضا من قوته وصموده.. هكذا هم القادة".

disqus comments here