عبد الله السبع .. نموذج للصدق في الوعد.. والتضحية والوفاء.. وللجهاد والمقاومة

بقلم الشيخ / عبد الله الشامي

حثَّ الله سبحانه المؤمنين على التسابق إلى الجنة بصيغة الأمر ﴿وسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض…﴾ ومرة أخرى بقوله ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾ وجَسَّد أصحاب رسول الله هذا الأمر سلوكاً عملياً في حياتهم حيث كانوا يتسابقون إلى تنفيذ أوامر وطلبات رسول الله حتى ولو كان فيها القتل المُحقق، وبعضهم كان يتسابق مع أبنائه في الاستجابة لنداء الله ورسوله والقيام بواجب الجهاد، مما جعلهم جميعاً قدوة للأمة اللاحقة بهم والسائرة على نهجهم.

واليوم يتجسد هذا الفعل في حياة المؤمنين الأطهار وهم يستجيبون لأمر الله وأمر رسوله بمجاهدة الأعداء والكفار ومغتصبي الديار والمفسدين في الأرض، ونحن نقف أمام نموذج يستحق منا الحديث عنه، لأنه نموذج للصدق في العهد والوعد، نموذج للطهارة والنقاء، نموذج في التضحية والوفاء، نموذج في الصبر والجَلَد، نموذج للقوة والصلابة، نموذج لعلو الهامة والإرادة، نموذج للجهاد والمقاومة، نموذج للتصدي للاعوجاج والانحراف.

إنه نموذج عبد الله محمد السبع (أبو مصعب)، الذي ارتقى شهيداً على أرض الرباط متصدياً لآليات الاحتلال التي اجتاحت قريته قاصدةً بيته، فتصدى لها ببسالة بمفرده ونيابةً عن الأمة جمعاء، رافضاً الدنيا بما حوت، مُقدماً نفسه وبيته في سبيل الله ليُجسِّد حقيقة الجهاد بالنفس والمال ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾، ويَنذُرُ أبناءه للجهاد وفي سبيل الله، فيسمي أبناءه (مصعب ومقاتل ومجاهد وشهيد ورضي الله)، فيسبقه مصعب للشهادة بيومين ويلحق به الأب صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبرٍ مرابطاً على ثرى فلسطين الحبيبة، وهو يعرف مسبقاً أن الدبابات والجرافات ستدوس منزله على من فيه، وهو يعرف مسبقاً أن الطائرات الصهيونية ستقصف المنزل على رؤوس من فيه، ويقبل التحدي، برشاشه الصغير وبعض القنابل اليدوية وحزام ناسف على وسطه، ويشتبك مع الاحتلال أكثر من خمس ساعات متواصلة حتى ينُجز الله له ما وعد به فيختاره شهيداً بإذن الله، وهذه ليس المرة الأولى التي يشتبك فيها مع الاحتلال، فقد اشتبك معهم مرات عديدة في أقبية التحقيق وكان أيضاً وحيداً، ولكنه كان صلباً عنيداً، فانتصر عليهم مرات ومرات فلم ينتزعوا منه أي اعتراف يُدين نفسه أو يدين الآخرين، رغم شراسة التحقيق وإجرام المحققين، حتى أنهم من فشلهم وهزيمتهم وعجزهم أمام إرادته شجوا رأسه بضربه في "المغسلة".

أبا مصعب "عبد الله" كان يتسابق هو وولده مصعب على الجهاد والاستشهاد، مصعب في العشرين من العمر ووالده في الثانية والخمسين، فيسبقه ولده إلى الشهادة بيومين فقط، فيفرح أبو مصعب بشهادة مصعب، ويضغط على قلبه لكي لا تند عنه زفره ألم الفراق، حتى لا تزاحم فرحة الشهادة، ويستقبل المهنئين بشهادة ولده برجولة معهودة عليه، لكنه لم يمهل مهنئيه كي يكملوا مشوارهم بالتهنئة فيقطع عليهم اليوم الثالث ليهنئوا مَنْ بَعده باستشهاده، بطريقة مشرفه غير مسبوقة، في قطاع غزة، كيف لا وهو ينتمي إلى حركة الجهاد الإسلامي السبَّاقة في كل شيء وهو القائد فيها وواكب لحظات انطلاقها لحظة بلحظة، وها هو يختم صحيفة أعماله على الأرض بعمل بطولي منقطع النظير، يقدم نفسه وبيته في سبيل الله، معلماً الأمة دروب عزتها وراسماً لها حدود خيارها الأوحد خيار الجهاد والاستشهاد. رحم الله أبا مصعب وولده مصعب وتقبلهما مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين و﴿حسن أولئك رفيقاً﴾.

disqus comments here