عبد الله السبع .. قمرٌ من أقمار الزمان

بقلم/ احمد إسماعيل

كيف يبدو الحديث عن أُناسٍ غادرونا وتركونا نتخبّط في هذا الواقع الذي أنسانا حياة الحياة وروح الحياة؟.. كيف يكون الحديث عنْ منْ مَلَكُوا قلوبنا وشغفوها حبّاً بأخلاقهم وعظمتهم وتضحياتهم وعنفوانهم وصدقهم ووفائهم..

هم فهموا الحياة على حقيقتها وتركوها مُغادرين نحو السّماء تتلألأ أرواحهم مع نجومها ليُضيئوا قلوب الحيارى وطريقهم نحو الحرية والخلاص، فنحن لم نفهم هذه الحياة كما فهمها هؤلاء العظام الذين نظروا للواقع وللحياة الدنيوية على أنها حياة جيفة وملعونة ولا تستحق التشبث بها مهما ملكت من متاع وزينة وترف!..

نحن لم نفهم هذه الحياة كما فهمها شهيدنا وحبيب قلوبنا "أبو مصعب" الذي نعيش ذكراه هذه الأيام، حيُث أنّه رفض الاستسلام ورفض الخنوع رغم أنّ كلّ شيء كان مُهيّئ له إلاّ أنه آثر التحدي والصمود والتضحية والشهادة على كلّ هذا المتاع، لأنّه فهم بأنّ حياة مغموسة بالذلّ لا يُمكن أنْ تسكن فيها روحه الطاهرة!..

فهم الحياة الآخرة وسار نحوها بخطىً واثقة لا زيغ فيها ولا رجوع، فمنْ مَلَكَ روحاً كروح "أبو مصعب" لا يمكن له أنْ يبحث عن المتاع وعن البذخ والترف لأنّه وقتها سيتمرغ في هذه الدنيا التي رفضها شهيدنا وغادر نحو الأجمل والأطهر..

ترجّل السبع بخطى الواثق نحو الله ونحو الطهارة وكان أصيلاً في خطواته.. ولم يلتفت إلى دنيا مليئة بالقهر والجبن والبذخ رغم أنّه كان باستطاعته أنْ يعود إليها بكلّ أريحيّة!.. ولكن كانت الآية العظيمة تتمثل في حياته وقلبه وروحه ووجدانه (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى).. كان يخطو خطواته المباركة ويحمل في قلبه شوقاً للقاء ربه.. حاملاً سيف الحقّ وعاشقاً للحياة الأجمل والأروع والأنقى..

منْ مثلك يا سيّدي؟.. فلا تُشبه إلاّ الصادقون كأمثال طوالبة وبراهمة والزطمة والكثير الكثير الذين تركوا الدنيا ورحلوا نحو البقاء والصفاء والأجمل..

نعشقك سيّدي كعشقنا للسّماء.. نُعانق روحك ونضمّها بين ثنايا أرواحنا لتمتزج بطهركم وصبركم وعنفوانكم وعطائكم..

نعشقك سيّدي كعشقنا للأرض المباركة.. فيختلط دمنا بدمك علّنا نستقي منه روح التضحية والفناء الذي مثلتموها بمواجهتكم وصمودكم وشهادتكم..

نعشقك سيّدي وأنت الذي ما زلت فينا لا تغادرنا رغم قسوة الواقع ومرارة الحياة!.. فبيت حانون ما عادت كما هي!.. والشجاعية اختلط كلّ شيء ببعض حتى لا يكاد أحدٌ بمعرفة سكناه ومبيته!.. وخانيونس امتزج الدم بالدم وكتب على الجدران هنا غزة وهنا فلسطين وهنا الحياة التي توصلنا للحياة الأبدية.. ورفح نُغني لها باسمك سيّدي علّ روحك تطوف في سمائها لتُغني لنا بلحن الشهادة ولحن الوفاء والانتماء..

أيّ شهيد أنت أبا مصعب؟.. وأيّ طهارة أنت يا روح الرّوح؟.. وأيّ نقاء وصدق يسكنك وأنت الذي ودّع ابنه قبل أيامٍ منْ مغادرتك للحياة الفانية لتتجه نحو الحياة الباقية؟!..

حاصروك سيّدي لأنّهم يعرفون طهارتك وانتمائك.. حاصروك لأنّهم جبناء لا يعرفون المواجهة المباشرة مع عنفوانك.. حاصروك لأنّهم علموا علم اليقين بأنّك ليس من الذين يبكون على الأطلال ويمضي مستسلماً.. بل أدركوا أنّك باستشهاد ابنك مصعب قد أوقدوا نار الحق والحقيقة بداخلك وسوف تتجه نحوهم بكلّ عنفوان وبطولة، لذلك حاصروك وخابوا فقد كنت مثالاً للبطولة والفداء..

فأنت الذي حاصرتهم بدمك الزكيّ.. وبصمودك وعنفوانك وتحدّيك لجبروتهم وآلتهم المجنونة!.. لقد كنت شامخاً لا تعرف الهزيمة ولا الاستسلام رغم كلّ النّداءات التي وُجهت إليك ورغم كلّ المحاولات من أصدقائك لإخراجك سالماً إلاّ أنّك رفضت كلّ ذلك ولسان حالك يقول لهم ألم تقرؤوا قول الله عزّ وجل (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)..

كأنّك تصرخ فيهم بأنّني أعشق لقاء الله وأنتظره منذ صغري ومنذ طفولتي!.. وكأنّك تقول لهؤلاء الجبناء الذين حاصروك ليكسروا إرادتك وخابوا بأنّني أبحث عن الشهادة وعن حياة الآخرة بدلاً من حياة الذلّ والانكسار..

ما أروعك سيّدي وما أجملك.. بكيناك حينها ولم يكنْ بكائنا على رحيلك ولكنْ بكينا أنفسنا لأنّنا ما زلنا على هذه الدّنيا نلهث وراءها ولم نفهم ما سَكَنَكَ من شوقٍ وعشقٍ لِمَا ذهبت إليه!..

نحن اليوم لا نرثيك، فمهما تحدثنا عنك سيّدي فلم ولنْ نُوفيك الحق الحقيقي لحقيقتك.. مهما كتبنا لنْ نُعطيك حقك الذي عرفناه عنك لأنّ ألسنتنا مُلجمة بالواقع ومرارة الحياة!..
في ذكراك سيّدي لنْ نترك وصيتك ولنْ نخذلك وسنظلّ كما كنت تعرفنا، وسوف يكون اللقاء بإذن الله مهما كان نوع اللقاء.. لك منّا سيّدي خالص الحبّ والوفاء ولنْ ننساك ما حيينا..

disqus comments here