عملية "العفولة" البطولية

الإعلام الحربي _ خاص

كم هو شرف عظيم أن يقف الإنسان مودعاً بكلمات قليلة مواكب الشهداء على طريق فلسطين والجهاد… وكم هو محزن أيضاً وبنفس القدر أن يقف الفلسطينيون وحدهم مودعين… ووحدهم الشهداء ووحدهم المودعين.. وحدهم في المخيمات ووحدهم في المواقع.. ووحدهم في فلسطين.. ووحدهم خارج فلسطين.. ووحدهم الذين يصمدون في وجه الزحف.. ووحدهم الذين يستشهدون دفاعاً عن الجدار الأخير للأمة.. ووحدهم الذين يرابطون ويصمدون ويذبحون.. فيا وحدنا..!! أيها الشهداء… بالأمس كنتم بيننا واليوم ترحلون وإخوانكم عنا.. ورسالتكم الأخيرة هي دمكم… كما كل الشهداء… وتنتظرون جوابنا دمنا.. هي فلسطين.. القدس.. والقدس جوهر التاريخ والتحدي.. كما الشهيد جوهر التاريخ… مصطفي وعبد الكريم.. رحلتم عنا بالأمس وفي كل المواقع.. الآن يتوحد عنوانكم .. رغماً عن كل قوانين الأرض.. أنتم أيها الشهداء البواسل والفرسان الأطهار سرنا.. وأنتم فرحنا الآن..أيها الأخوة الشهداء ترحلون عنا ولا ندري من سيرحل بعدكم.. فدمنا مفتوح على كل الجبهات.. فها هو العدو يلاحقنا واحداً تلو الآخر في شوارع وأزقة وكهوف وطننا المبارك.. ها هو يفتش ما بين جلدنا ولحمنا بحثاً عن مقاوم.. وها هو يختال مغروراً في أرضنا وسمائنا وبحرنا، فليس من عوائق تمنعه من الوصول لمخادع نومنا من المحيط إلى الخليج.. ولكن نطمئنكم أننا سنبقى نقاوم ولن ننكسر ..إنها روح الإسلام التي لن تنكسر.. روح الإسلام الخالدة.

العملية النوعية
فقد أعلنت سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح عن تنفيذ أول عملية نوعية استشهادية في عمق الكيان الصهيوني على الرغم من الحصار والطوق العسكري والإجراءات الأمنية المشددة التي تخضع لها محافظة جنين والتي وصفتها المصادر الصهيونية بأنها عاصمة الاستشهاديين الذين حطموا نظرية الأمن الشارونية.

في بيان مشترك قالت السرايا والكتائب أنه تأكيدا على وحدة الدم والنضال والجهاد الفلسطيني نفذنا العملية الاستشهادية البطولية المشتركة المزدوجة في قلب مدينة العفولة عبر هجوم مسلح شنه الاستشهاديان مصطفى فيصل أبو سرية 19 عاما من مخيم جنين وهو العضو في سرايا القدس وعبد الكريم عمر أبو ناعسة 20 عاما من مخيم جنين وهو عضو في كتائب شهداء الأقصى. وكان التلفزيون الصهيوني قطع برامجه المعتادة في حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف من ظهر الثلاثاء - بعد دقائق من بدء العملية- ليعترف أن فلسطينيين هاجما محطة الباصات المركزية في مدينة العفولة وفتحا نيران أسلحتهما الرشاشة باتجاه جنود الإحتلال والمستوطنين مما أدى لمقتل وإصابة عشرات الصهاينة، واعترفت المصادر الصهيونية أن المسلحين استمرا في إطلاق النار ورفضا الاستسلام رغم الحصار المشدد الذي فرض على المنطقة وواصلا الاشتباك مع أفراد الشرطة والجيش حتى لفظا أنفاسهما الأخيرة.

وفيما كانت أجهزة الأمن الصهيونية تعيش حالة الذهول والغضب والاستنفار بعد نجاح مجاهدي السرايا والكتائب في تنفيذ تهديداتهما والوصول لأكثر المناطق تحصينا وخضوعا للإجراءات الأمنية فإن بيان السرايا والكتائب أكد أن هذه العملية البطولية تأتي ردا على اغتيال الشهيد القائد إياد حردان قائد الجناح العسكري لحركة الجهاد وجميع عمليات الاغتيال التي استهدفت قادة وكوادر ومناضلي شعبنا وردا على مجزرة خانيونس التي راح ضحيتها خمسة شهداء أطفال وكل الجرائم التي يرتكبها العدو المجرم بحق أبناء شعبنا ومجاهديه.

وشدد البيان على أن هذه العملية المشتركة لن تكون الأولى ولا الأخيرة بل هي أول الغيث على طريق وحدة النضال والجهاد الفلسطيني والعمليات النوعية التي سنحول بها حياة الصهاينة القتلة إلى جحيم حتى يرحلوا عن أرضنا مذمومين مدحورين. وأضاف أننا نؤكد لقادة العدو المجرم أن شعبنا الفلسطيني البطل قادر على الدفاع عن نفسه وأن أيدي المجاهدين طويلة وتستطيع أن تصل إلى قلب عمق الأمن الصهيوني برغم كل الحواجز والإجراءات الأمنية والعسكرية.

ردود فعل
ووسط حالة الفرح الشعبي الكبير بتنفيذ عمل جهادي مشترك اعتبر شريف طحاينة من قادة الجهاد الإسلامي العملية تتويجا لروح الوحدة الوطنية التي جسدتها الانتفاضة وهي تؤكد للعدو ان جميع محاولاته لإجهاض الانتفاضة المباركة بالقتل والاغتيال والعدوان والحصار وبمحاولات إثارة الفتن والخلافات لن تزيد هذا الشعب وقواه الحية المجاهدة الا تماسكا ووحدة، وان شعبنا قادر على ابتداع أشكال جديدة من المقاومة والجهاد الطريق الحقيقي الوحيد لانتزاع الحقوق، أما جمال حويل في الضفة فقال يوميا يؤكد شعبنا عبر جميع أشكال المقاومة الميدانية والكفاحية المتميزة ان ملحمة الانتفاضة ستمضي قدما بوحدة وطنية رائدة ومتميزة وبالتالي على العدو ان يتوقع دوما تصعيدا وتطويرا في الأداء والعمل النضالي أمام تصعيده الدموي.

وصية الشهيدين
التهديدات الصهيونية بالانتقام من عش الدبابير ومصنع المنتحرين كما أعلن موفاز في أول ردة فعل على العملية وتحليق الطائرات الصهيونية في سماء مخيم جنين لم تمنع أهالي المخيم الذي خرج منه 10 استشهاديين من التوافد إلى منزلي ذوي الشهيدين لمؤازرتهم والتضامن معهم. وقد ارتسمت الفرحة على الوجوه تلبية لوصية الشهيدين اللذين ظهرا معا في كاسيت فيديو وهما يؤديان الصلاة قبل الانطلاق للعملية ثم تعانقا قبل أن يسجلا وصيتهما الأخيرة وعيونهما ترنو لرايتي الجهاد والكتائب وصورة القائدين الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي والشهيد خليل الوزير أبو جهاد، فاستهلت وصيتهما بتلاوة عطرة من الذكر الكريم وبعد النطق بالشهادتين قال أبو سرية (نحن الاستشهاديان عبد الكريم ابو ناعسة ومصطفى ابو سرية إبنا كتائب شهداء الأقصى وسرايا القدس بعد الاتكال على الله تعالى وهبنا أرواحنا رخيصة في سبيل الله والانتقام لأرواح الشهداء الأبطال أبناء الكتائب والسرايا عكرمة استيتي ومجدي الطيب وإياد حردان ومحمد بشارات وإياد المصري ونظير حماد ومحمود أبو هنود وكل شهداء فلسطين. وبصوت ارتفعت حدته أضاف وسنعلم شارون وموفاز وأعوانهم وأذنابهم بأن الكتائب والسرايا إذا قالتا فعلتا وإذا وعدتا أوفتا وسنرد الصاع صاعين لأي عملية اغتيال بحق أبناء شعبنا. واختتمت الوصية بنداء ودعوة أبناء شعبنا فقال كما نوصي شبابنا في فلسطين بأن يستمروا في الانتفاضة ويسيروا على درب الجهاد والمقاومة والاستشهاد والتمسك بالقرآن والصلاة، العهد لشعبنا والانتقام لشهدائنا ولعدونا لغة الرصاص.

مسيرة حاشدة
فلبت الجماهير ومجاهدو الانتفاضة النداء فورا حيث خرج أكثر من خمسة آلاف فلسطيني في مسيرة حاشدة بعد صلاة المغرب من مسجد مخيم جنين للاحتفاء بالشهيدين وتكريمهما وسط هتافات العهد والقسم والفرح العارم بالثأر لدماء الشهداء فاتحدت الحناجر وهي تتوعد شارون وموفاز بالمزيد من العمليات. وعبر المشاركون عن اعتزازهم بالعملية المشتركة والوحدة النضالية الكفاحية التي جسدتها السرايا والكتائب ودعوا لمزيد من العمليات للانتقام والثأر لشهداء شعبنا. ورفع المشاركون صور الشهيدين وأعلام فلسطين والكتائب والسرايا لتتحول المسيرة لمهرجان حاشد وسط جنين أكد المتحدثون فيها على ان عاصمة الاستشهاديين لن تتوقف عن العطاء والتضحية ما دام العدو يجثم على الأرض الفلسطينية ويشن حربه الدموية ومجازره البشعة.

مصطفى أبو سرية
ولد الشهيد مصطفى لأسرة لجأت لمخيم جنين بعد النكبة بعد اغتصاب أرضها في قرية زرعين وتلقى تعليمه في مدارس الوكالة بين أشقائه التسعة ليعيش مع والده وأسرته ارهاصات اللجوء ومعاناة الشتات القسري الذي فرضه الاحتلال. ومنذ صغره يقول فيصل أبو سرية والد الشهيد تميز بالصلابة والتمرد على الاحتلال ورباطة الجأش وقوة الإرادة والعزيمة حتى لقبه أصدقاؤه وعائلته بالجبلي وهو اللقب الذي كان يحبه لأنه يرمز للإرادة والإصرار على تحقيق الهدف مهما كثرت الصعاب. ولذلك لم يتابع تعليمه في المرحلة الثانوية وانخرط في العمل الحر لمساعدة والده الذي يعمل موظفا في بلدية جنين. ومن ثنايا المخيم رضع الشهيد ابن سرايا القدس حليب المقاومة والجهاد فما ان اندلعت انتفاضة الأقصى حتى كان من أوائل من لبى النداء فدوما يقود المسيرات والمواجهات ويحث رفاقه على مقاومة العدو الغادر وحتى عندما أصيب برصاص العدو الغادر خلال العدوان على مدينة جنين في 11-9 بعد العملية الاستشهادية لسرايا القدس التي نفذها الاستشهادي محمد نصر في حيفا حيث أصيب بشظايا القذائف الصهيونية ورغم ذلك لم ينتظر شفاءه الكامل بل امتشق السلاح الذي أحبه وشارك في عمليات المقاومة والدفاع عن المخيم.

وقال امجد ان شقيقه تأثر جدا عندما استشهد رفيقاه إياد المصري وابراهيم الفايد فقد كان يخوض معهما اشتباكات مسلحة مع العدو حيث حاصر الرصاص مصطفى فتقدم الشهيدان لنجدته واسناده فألقى العدو عدة قذائف اصابت الفايد والمصري فاستشهدا وأصيب هو بجروح. هذه الحادثة وما ارتكبه العدو من جرائم زادته تصميما على حمل رايتهما ومواصلة دربهما حتى نال أمنيته بالشهادة فالكلمة الوحيدة التي كان يرددها على مسامع والدته أمل عبد الحميد إنني أريد الشهادة فلا تحزني أو تبكي كما تقول بل افرحي وباركي شهادتي.

عبد الكريم أبو ناعسة
ولم يختلف الحال كثيرا في منزل عائلة الشهيد أبو ناعسة. فوالده كان على رأس مستقبلي التهاني باستشهاد ابنه العضو في كتائب الأقصى. بل ومنع النساء من العويل. أما حسين شقيق الشهيد فوزع الحلوى بنفسه وهو يقول الحمد لله ان جعل في أسرتي مجاهدا حقيقيا يذيق العدو من نفس الكأس التي لا زلنا نتجرعها بمرارة منذ النكبة. وتساءل لماذا نحرم من أرضنا في زرعين فيما يقيم عليها المستوطنون بحرية وأمان؟ من حقنا ان نقاتل بكل السبل لتحريرها والعودة لأرضنا وضمان مستقبل أفضل لأشقائي وكل لاجئ.

في منزل متواضع شيّده والد الشهيد الذي يعمل مربيا للأجيال بعد لجوئه مع آلاف الفلسطينيين لمخيم جنين ولد الشهيد عام 1982 ليكون الابن الثالث في أسرته المكونة من 10 أنفار. وصمدت عائلة الشهيد في مواجهة الظروف المعيشية الصعبة وحياة اللجوء التي تركت بصماتها على الشهيد وتكوينه النفسي لينشأ ويكبر وحلم العودة يشكل هاجس الحياة والحلم الذي لا تنازل عنه وبمقدار حبه لتلك الأرض التي أحبها رغم انه لم يشاهدها من وحي ما زرعه والده في قلبه من حب وتمسك بها انخرط في معركة المقاومة والانتفاضة ليعبر عن حقده وكراهيته للعدو ورغبته في الجهاد والمقاومة كباقي أبناء شعبه فكان كما يقول والده من نشطاء الانتفاضة يشارك في مسيراتها وفعالياتها المختلفة حتى امتشق السلاح وشارك مع رفيقه في معركة الشهادة في سلسلة من العمليات البطولية التي شهدها مخيم جنين خلال محاولات العدو اقتحامه.

هذه الروح القتالية العالية لم تكن غريبة على الشهيد وعائلته التي انخرطت في مسيرة النضال الوطني دائما فشقيقه حسين أصيب بعيار ناري في البطن قبل عام وتعرض للاعتقال هو وشقيقه محمد في الانتفاضة الأولى، والمعاناة التي عاشتها أسرته بسبب الاعتقال والعذاب في جحيم السجون الصهيونية جعلته أكثر حقدا وكراهية لهذا العدو.

ومثلما نشأ الشهيدان وعاشا معا منذ صغرهما على مقاعد الدراسة وفي حواري المخيم وساحات الانتفاضة فقد سلكا نفس الطريق نحو الشهادة معا وهي أمنيته كما قال شقيقه حسين ففي كل صلاة ولحظة كان يدعو الله ان يرزقه الشهادة ونحن سعيدون ونعتز به لان العملية جاءت في وقتها فالعدو أغلق علينا كل المنافذ واستغل السلام لتعذيبنا وانتقاص حقوقنا لذلك لن نبكيه لان البكاء سيحرق جسمه بل أدعو كل فلسطيني للمضي على دربه.

أما عفاف الصفوري والدة الشهيد فقالت وهي تقبل صورته الحمد لله الذي كتب لابني هذه المكرمة العظيمة في هذا الشهر المبارك والفضيل الذي جاءت فيه الفتوحات والانتصارات الإسلامية وبإذن الله ستكون هذه العملية على طريق النصر والتحرير لفلسطين.

disqus comments here