الشقاقــــي و"بيت ليد" !!

الإعلام الحربي _ خاص

رغم مرور أكثر من عشرين عاماً على استشهاد الدكتور المعلم القائد العام لحركة الجهاد الإسلامي فتحي إبراهيم الشقاقي "أبا إبراهيم"، إلا أن العديد من أبناء الأمة وعلى وجه الخصوص أبناء فلسطين لا زالوا يتذكرون دور الشهيد فتحي الشقاقي في تفجير شرارة الجهاد على أرض فلسطين وجهده الحثيث في نقل الحركة الإسلامية من دائرة العمل التقليدي على دائرة العمل الجهادي "الثوري" الذي ملأ حياة الاحتلال ومستوطنيه رعباً وقلقاً على المستقبل حتى اللحظة بفضل الله ثم مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي الذين يواصلون الفكر والمبادئ التي وضعها إليهم الدكتور المعلم فتحي إبراهيم الشقاقي.

اليوم ونحن نمر على الذكرى السنوية لعملية بيت ليد الاستشهادية "الصاروخ المزدوج" والتي نفّذها الاستشهاديان أنور سكر وصلاح شاكر من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي يوم 22/1/1995 وأسفرت عن مقتل 24 جنديا وضابطاً صهيونياً، وإصابة العشرات نتذكر حينها الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي وكلماته الجهادية التي انطلقت بعد هذه العملية المباركة والتي رفعت اسم حركة الجهاد الإسلامي بفضل فكر وعقل معلمنا الشقاقي والذي خرج في أول تصريح إعلامي له حول هذه العملية البطولية والأولي من نوعها فقال لجريدة المجد الأردنية بتاريخ "24/1/1995" بعد يومين من وقوع العملية "نؤكد مجدداً بمناسبة عملية بيت ليد البطولية أن المبرر الأساسي لتشكيل واستمرار حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين هو مواجهة العدو مواجهة شاملة والكفاح المسلح هو ذروة هذه المواجهة الشاملة، وهذه العملية تأتي في سياق جهادنا المستمر منذ سنوات رغم إمكانياتنا الضعيفة والمحدودة بسبب صعوبات كثيرة" .

وأقر حينها الشهيد فتحي الشقاقي أن تلك العملية والعمليات المشابهة هي ضمن خطة لإفشال ما اعتبره سلاماً مدنساً يعطي كل شيء للصهاينة ولا يعطي للشعب الفلسطيني إلا الهباء .

وأضاف الشقاقي "إن حركة الجهاد الإسلامي في سباق مع ما يسمونه عملية السلام التي نعتبرها محاولة لتكريس الاحتلال الصهيوني لفلسطين كل فلسطين، ومحاولة لاختراق كل منطقة الحوض العربي الإسلامي وفرض الهيمنة الأمريكية - الصهيونية على كل هذه المنطقة وصناعة شرق أوسط جديد يكون العدو الصهيوني فيه القوة الأساسية والمركزية، وتلغي فيه دور الدول التاريخية من سوريا إلى مصر إلى العراق إلى إيران إلى الرياض ليبقى الدور فقط لهذا العدو الصهيوني، الذي يريد أن تكون العلاقات بين الدول علاقات اقتصادية بعيدة عما يريد أن يوهمنا أنه أوهام الأيدلوجي وأوهام الصراع القومي وأوهام صراع الحضارات" .

ورداً على تهديدات رئيس وزراء العدو الصهيوني السابق إسحاق رابين بالانتقام من منفّذي عملية بيت ليد فقال الشهيد فتحي الشقاقي: "يبدو أن الصهاينة لم يدركوا بعد أننا نحبّ الموت كما يحبون الحياة، وكأنهم لم يلحظوا أن كلّ محاولاتهم للقتل والاغتيال لم تكن إلا لتزيد الثورة اشتعالاً، .. هذه قضية عادلة لشعبٍ كله مظلوم و لأمة تريد أن تحيا خارج سيطرة القوى الكبرى، و خارج هذه الهيمنة المستمرة منذ عشرات السنين" .

وأضاف الشهيد الشقاقي: "وكأن رابين، الذي يهدّد ويتوعد، لم يلاحظ مثلاً أن اغتيال هاني عابد أحد نشطاء ومسئولي حركة الجهاد الإسلامي جعل مزيداً من المجاهدين أكثر استعداداً للاستشهاد، وجعل العديدين ينضمون للمجموعات الاستشهادية التابعة للجهاد الإسلامي".

وعن أهمية عملية بيت ليد فقال في حديث له لمجلة الوسط اللندنية بتاريخ "30/1/1995": إنها تأتي في سياق جهادنا ونضالنا المستمر ضد الاحتلال منذ سنوات، ولكننا في هذه المرحلة نجد أنفسنا في سباق مع المشروع الأمريكي - الصهيوني الذي يراد فرضه على المنطقة" .

وأضاف الشهيد الشقاقي أن أبطال عملية بيت ليد أرادوا تعليم الأمة درساً "مفاده أننا بالإرادة نستطيع أن نفعل كل شيء، وأن عملية بإمكانيات بسيطة كهذه يمكن أن تحدث هذا الزلزال" وبالنسبة لتهديدات العدو الصهيوني فأقول: إن الشعب الفلسطيني يخوض منذ عقود معركة متواصلة ويواجه التهديد منذ قيام "الكيان الصهيوني" .

وتابع الشهيد الشقاقي حديثة قائلاً: "عندما بدأنا نحن هذا الطريق، كنا نعرف أن تكاليفه صعبة جداً، لكن هذا واجبنا وخيارنا المقدس، على المستوى الشخصي لا تهمّني التهديدات، وأنا أعتقد أني عشت أكثر مما كنت أتصوّر، ودم الشهداء هو الذي ينجب المزيد من المقاتلين ويصعد المواجهة ضد الاحتلال".

بعد عملية بيت ليد والتي هزت الكيان الصهيوني بكل قواه العسكرية الهشة كان هناك تصاعداً داخل الكيان الصهيوني الغاصب بالدعوة للانتقام من الشقاقي، حتى أن آرييل شارون أحد زعماء حزب الليكود حينها دعا إلى ترحيل كلّ من له صلة بعائلة الشقاقي من فلسطين رداً على عمليات الجهاد الإسلامي الاستشهادية .

فكان هنا الرد من المُعلم بكل فخرٍ وثبات عبر صحيفة الشرق الأوسط السعودية بتاريخ "17/3/1995" قائلاً: الشعب الفلسطيني هو الذي يحارب الاحتلال وليست هذه العائلة أو تلك وأنا ابن الشعب الفلسطيني وابن فلسطين قبل أي شيء، أرض فلسطين بالنسبة لي فرض صلاة لا أساوم عليها تحت أي ظرف من الظروف، وأعتقد أن الصهاينة الذين صارعتهم وصارعوني في غرف التحقيق والتعذيب، يدركون جيداً أنه لا يغرني أي ترغيب، ولا يخيفني أي ترهيب، وأنا أحيل آرييل شارون و قبله إسحاق رابين لقراءة جلسة المحكمة العسكرية الاستشارية التي نظرت في مسألة إبعادي عام 1988، لقد قلت لهم في قاعة المحكمة: لا أدري بأي صفة أخاطبكم، إن كنتم ممثلين للشعب اليهودي فكيف تتكلمون عن عذابات اليهود في التاريخ واضطهادهم ثم تأتون اليوم لتمارسون التعذيب والاضطهاد ضد شعب آخر، وإن كنتم تمثّلون الحركة الصهيونية فاعلموا أنني سأقاتل الحركة الصهيونية حتى آخر قطرة من دمي طالما أن الحركة الصهيونية تحلّ مشاكل اليهود على حساب شعبنا، وإن كنتم تمثلون دولة "إسرائيل المزعومة" فلا أراكم مؤهلين للنظر في قضية إبعادي من وطني كما أبعدتم والدي من قريته قبل أربعين عاماً" .

ومن هنا نقول بصِفتُنا من تلاميذ وأبناء الشهيد فتحي الشقاقي أنه يمكن يتفق جميع الشعب الفلسطيني مع ما ذهب إليه الدكتور الشقاقي في وصفه لمدى شرعية الاحتلال ولكن هذا لم يشكّل سبباً كافياً لمنع إبعاد والده ومعه آلاف من أبناء الشعب الفلسطيني وإبعاده مثل آلاف غيره من الشعب الفلسطيني.

وأخيراً تم تنفيذ عملية الاغتيال بحق الشهيد المعلم فتحي الشقاقي بتاريخ 25/10/1995 الساعة الواحدة ظهراً وبينما كان الشهيد الشقاقي يحمل جواز سفر ليبيا باسم "إبراهيم الشاويش" يخرج من فندق "الدبلوماسي" بحي "سليمة" بجزيرة مالطا، كان رجلان من الموساد الصهيوني ينتظرانه خارج الفندق، و تقدّم منه أحدهما وأطلق على رأسه خمس رصاصات من مسدسٍ كاتم للصوت و قفز على دراجة نارية كان يقودها زميله، وارتقى حينها للجنان إبراهيم الشاويش، الذي عُرف بعد "24" ساعة باسمه الحقيقي الدكتور فتحي إبراهيم الشقاقي، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين ومفجر الثورة .

فتحي الشقاقي ما زالت كلماتك تَسكُن المُهج منا وصدى الكلمات مازالت في عقولنا فلن ولن ننسى آخر كلماتك التي تقول "أنا لا أخاف على حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين فلقد بنينا صرحاً متماسكاً في فلسطين الله غايته و الاستشهاد أداته ووسيلته، وشبابنا في الداخل قادرون على تغيير الواقع و خلق المستقبل الذي يليق بالشرفاء والمجاهدين" فبحمد الله وفضلة استطعنا من بعدك أن نحقق ما كنت تتمنا وسنواصل حتى أن نُحرر ما كنت تجاهد من اجله، فنحن لا نخاف الموت في سبيل الله ولا نخشاه هكذا قلت وهكذا علمتنا فطبت وطاب جهادك وسنلتقي في الجنة بإذن الله.

أبا إبراهيم نتذكرك اليوم ونحن كلنا إيمان بأن وعد الله حق وان مسيرتك التي عطرتها بدمك الزكي مستمرة نحو النصر والتمكين، في هذه الذكرى نجدد العهد والبيعة مع الله ثم دماء الشهداء أننا لم ولن نفرط بحبة من تراب بيت المقدس وأن لا ننسى الدماء التي سالت لأجله، وان نجاهد لتحرير أسرانا في سجون العدو، وأن نبقى الأوفياء لمسيرتك ونهجك فإما نصر يعز الله فيه المسلمين وإما شهادة نحو جنات النعيم.

disqus comments here