عملية "بيْت ليــد".. مُعجزة وأسطورة لا تنسى

الإعلام الحربي _ خاص

ما زالت الذكريات تُداهمنا وتُداهم واقعنا الذي أصبح مشلولاً ومُعاقاً.. لتُعطينا أملاً ودفعة نحو الحرية والخلاص.. ولتُثبتنا على طريق الكرامة بعيداً عن مُلهيات الحياة.. وبعيداً عن مُغريات الدنيا التي يتشبث بها المتشبثون الذين تركوا خنادق العزة والكرامة والتفتوا إلى دنيا مليئة بالأشواك والمهالك!.. ما زالت الذكريات يتواصل قدومها لتزيدنا شوقاً وحباً وعشقاً.. ولنتعلم من صفحاتها المُشرقة أروع معاني الثبات والصبر والعطاء.

ما أروع ذاك الزمن الجميل.. الذي كانت فيه فلسطين مرفوعة الرأس برجالها وشبابها ونسائها ومجاهديها.. وكانت تتباهى بمقاتليها الذين باعوا الدنيا وهاجروا نحو الحبّ الأجمل والعشق الأجمل بين الأمم.. ما أجمل ذاك الزمن العظيم.. الذي كانت فيه فلسطين مُبتسمة على الدوام وهي تُشاهد دماء بني صهيون تُسفك من أجل عزتها وكرامتها.. ومن أجل الحفاظ على بكارتها حتى لا تُنتهك.. فأين نحن من هذا الزمن الرائع والذي نشتاق إليه؟.. أين المقاتلون الحقيقيون اليوم؟.. أين صُنّاع بيت ليد المعجزة ليُشاهدوا ثوار اليوم كيف انهالت نفوسهم على الدنيا؟!.. أين محمود الخواجا ورفاقه الذين أبدعوا في جهادهم وعطائهم وتضحياتهم وما بيت ليد ببعيدة عن أصابعهم وعقولهم المباركة ليُشاهدوا واقع فلسطين وقادة فلسطين؟!.. إنها الحياة التي سكنت نفوس قادة اليوم الذين أفسدوا علينا وعلى الناس جميعاً حياتنا وديننا وهوائنا!.. وأضاعوا كرامتنا وكرامة فلسطين بين الأمم!.. إنها الدنيا ومُغرياتها التي اجتاحت نفوس من نصّبوا أنفسهم زوراً وعنوة قادة لهذا الشعب المنكوب والمغلوب على أمره حتى ضاع كل شيء!.. وتاه كل شيء!.. وأصبحت فلسطين خارج حساباتهم حتى يستطيعوا أن يعيشوا حياة الرغد والرفاهية وجنون البذخ!.. فيما الناس تموت مرات ومرات ولا يُحرك ذلك ساكناً عند هؤلاء الدُّنيويّون!.

بيت ليد.. مُعجزة وأسطورة لا تُنسى.. نعيش ذكراها ونحن نعيش عدم الاستقرار!.. والكل الفلسطينيّ مُشتت!.. ومُمزق!.. ولا يعني ذلك أحداً!.. وكأنها البلادة التي يتمتع بها من يُسمّون أنفسهم قادة لهذا الشعب!.. هم كالأنعام.. بل أضلّ.. هم أصبحوا عند عبيدهم أصنام تُعبد من دون الله!.. وربما عصر الجاهلية الأولى أفضل من عصرهم الذي فسد فيه كل شيء!.. وضاع فيه كل شيء؟!.

بيت ليد.. نموذج يجب أن يُحتذى به.. نعيش ذكراها ونحن مُنقسمون على أنفسنا!.. لا يهمّ البعض فينا إلا أن يُحافظ على مصالحه الحزبية التي أوصلت فلسطين والشعب الفلسطيني إلى هذا التمزق وهذا التشتت وهذه الفرقة، وأصبحت فلسطين شعبين وحكومتين حتى تسرب إلى نفوسنا بأنّ فلسطين ضاعت وإلى الأبد وذلك من صُنع الحزبيّون الذين لا يرون إلا أنفسهم وذواتهم وحزبيتهم؟!.

بيت ليد.. اشراقة وأمل.. فرغم كل العذاب الذي يجتاح فلسطين بشعبها هناك أمل وتفاؤل.. طالما بقيت هذه الذكريات فينا.. وطالما بقيت هذه الذكريات هي ملحنا الذي نُداوي به جراحنا المُدمية.. هناك أمل وتفاؤل.. ونحن نستذكر على الدوام هذه الذكريات التي تُعطينا خلاصة الحياة نحو الأجمل.. ورغم كل المآسي التي تتعرض إليها فلسطين وشعبها إلا أنّ هناك اشراقة جميلة.. وعظيمة.. تطلّ علينا مع كل ذكرى ومناسبة.. فكيف إذا ما طلّت علينا بيت ليد الخالدة بخلود صُنّاعها؟.. فهي حياة جميلة وإشراقة يكتسيها الصبر والصدق والإخلاص والعطاء والصمود والتضحية والفناء.

نُدرك بأنه لا أمل في هؤلاء الساسة الذين ألهتهم الحياة عن تقديم الواجب!.. وعن تحمّل مسئولياتهم تجاه قضايا الناس!.. وألهتهم الدنيا عن ركوب خيل العزة والكرامة واستبدلوها بكراسيّ الذلّ والهوان حتى أصبحوا لا يستطيعون أن يتركوها رغم كل الآلام والمعاناة التي اجتاحت الناس وبيوتهم؟!.

جاءت بيْت ليد بصنّاعها الباقين في وجْدان كلّ ضمير حيّ، يمتطون خيول العزّة ليقولا لكلّ الحيارى والتّائهين الذين ضلّوا البوصلة بأنّ هذا هو الطّريق فاسْلكوه.. هذا هو الطّريق فاتّبعوه.. وليقولا للذين تركوا جبال الثورة وسكنوا سهول التفريط والمقايضة بأنّ التحرير والعزّة لا يأتيان إلاّ إذا عشق الثائر هذه الخيول التّي يجب أنْ تمتطوها، وإذا تمترس فوق الجبال الشّامخة حارساً للوطن لكي تعيش الأمة الكرامة في وقت ضاعت فيه الكرامة!.

يا بيت ليد.. يا خالدة.. يا باقية.. يا شامخة.. يا أسطورة هذا الزمن.. مهما تآمر المتآمرون.. ومهما تخاذل المتخاذلون.. ومهما فرط المفرطون.. ومهما ترك التاركون.. فلن نحيد عن دربكِ.. ولن نسقي دماء صُنّاعك بماء التفريط والتنازل!..، وستبقي نبراساً نمشي به نحو الصواب ونحو الحياة الأجمل.

لن نُغنّي بنشيد الثورة ونحن نتمترس فوق كراسيّ مفخخة يكتسيها الذلّ والهوان!.. فالغناء الحقيقي هناك فوق الجبال والتلال وفوق خيول الجهاد والمقاومة.. فمن أراد الغناء والصعود فوق جبل الحبّ فعليه أن يتخلى عن حياة الفناء!.. ليتجه نحو حياة البقاء.. ولا يتأتّى ذلك إلا إذا سكنت النفوس روح العطاء.. فلا عطاء بهذا الغبار الدّنيوي الذي سكن نفوس القادة!.. فالقادة يجب أن يكونوا شُعلة يشتعل بها الثوار ليُحققوا مُرادهم.. القادة يجب أن يُعطوا الإشارة نحو الصعود والخلود لا أن يكونوا نقطة ضعف وهوان وضياع!.

بيت ليد.. تأتي ذكراها لتصرخ فينا بأننا نريد جيلاً وقادة تسكنهم القيم والأخلاق والمبادئ والورع والزهد والتواضع.. ولا نريد جيلاً وقادة يبحثون عن المال والمكانة ولا يعرفون شيئاً عن القيم والثوابت!.. نريد جيلاً ثورياً وقيادة ثورية حقيقية تقود فلسطين والشعب للخلاص المحمود بمقاس الآخرة.. لا قيادة وجيلاً ثورياً بمقاس الدنيا ومتاعها!.

فيا من تبحثون عن الدنيا وغنائمها!.. الله عز وجل لن يُجاملكم.. ولن يُحابيكم.. فإذا كان موقفه سبحانه وتعالى من الصحابة العظام بأنْ وصفهم بأنّ منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ) فكيف لو أنّ القرآن ما زال يتنزل إلى يومنا هذا، فبماذا كان سيُوصفنا ويُوصف الذين يتشبهون بالصحابة ومن يُسمّون أنفسهم قادة لهذا الشعب المنكوب؟!.. ربما كانت الآيات ستتنزل لتلعننا! ولتلعن فينا كلّ أفّاك أثيم!.

بيت ليد.. لم تأتي صدفة وعشوائياً.. وإنما صُنعت بدقة وتخطيط ليس له مثيل على أيدي طاهرة نقية لا تعرف للدنيا معنىً ولا شهوة سلطة وجاه ومناصب!.. فهي نموذجاً يجب أنْ يُحتذى به وأن يُدرّس للأجيال القادمة حتى تعرف معنى الجهاد الحقيقيّ ومعنى التضحية الحقيقية!.

ففي زماننا هذا، القادة الحقيقيون هم من نتذكر ذكراهم ونتعطر بسيرتهم التي كتبوها وسطّروها بدمائهم الزكيّة عبر ملاحمهم في ساحات الحبّ والجمال.. والقائد الحقيقيّ هو الذي يجمع شعبه ويُلملم جراحه، لا أن يكون عنصر فرقة وتمزق وأن يزيد من جراح الأمة!.. فهو قائد مزيّف وخائن للأمانة!.

بيت ليد.. يا خالدة يا باقية.. عذراً.. عذراً صلاح وأنور.. عذراً فلسطين كل فلسطين.. ونحن نعيش الذكرى.. هذا واقعنا.. وهذا حالنا.. صنعه القادة المزيّفون بأيديهم من أجل أنْ تبقى مصالحهم وحزبيتهم فوق كل شيء!.. حتى لو كان هذا الشيء هو معاناة الناس!.. حتى لو كان هذا الشيء هو حرق الأطفال وبيوت الناس!.. حتى لو كان هذا الشيء هو موت الناس!.. حتى لو كان هذا الشيء هو التجارة بآلام وآهات الناس!.. وحتى لو كان هذا الشيء هو فلسطين كلّ فلسطين!.

فقولي لهم يا بيت ليد.. هذا هو دمي شارة لصدق قولي.. وبرهان على الحقيقة التي يُحاول البعض تزييفها.

disqus comments here