الذكرى الـ 26 لعملية الشهيد "فخري الدحدوح" البطولية

الإعلام الحربي _ خاص

بوركت الطهارة... بوركت الشهادة التي تطهرنا من رجس هذا الزمان.. بورك شهيدنا فخري الذي قال (لا) حتى آخر قطرة دم، فأصبح عظيماً في زمن قال فيه المنهزمون (نعم) فأمسوا صغاراً تدوسهم طعنات الشامخين الأبرار ليختفوا بين حبات التراب المشبع بدماء الشهداء.. بوركت اللحظة التي تقدم فيها بكل ما يملك من عشق لهذا الوطن ليدافع عن حلمه وحلم الفقراء.. ها هو شهيدنا يتقدم بسكينه وسيفه ولا يملك غيرهما من حطام الدنيا الزائل ويداه مملوءتان بإرادة من حديد ونفس تحمل بين طياتها لحظة اقتراب العيد وتأبى العيش تحت سياط الطغاة المستكبرين، لقد ولج سيفه المغموس في دماء صهيون ليقطع خيوط الشمس الملتهبة ويوزع نسماته على حياة الكادحين حتى يمسح عنهم تعب السنين.

استشهاده وعمليته البطولية

في أعقاب قيام الكيان الصهيوني بإبعاد 400 من أعضاء حركتي الجهاد الإسلامي وحماس إلى مرج الزهور في جنوب لبنان عام 1993. قرر شهيدنا أن يرد على قرار الحكومة الصهيونية بطريقته الخاصة وبتاريخ 15-1-1993 الموافق يوم الجمعة حمل شهيدنا البطل سكيناً وسيفاً وإيماناً لا يتزعزع وثورة في داخله وغضب كالبركان واتجه إلى الأرض المحتلة عام 48 وعند معبر (بيت حانوت) إيرز كان شهيدنا يقرأ القرآن ويرتل من سورة يس﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ صدق الله العظيم وصدقه المولى عز وجل كان جنود الاحتلال يفتشون السيارة تلو السيارة تفتيشاً دقيقاً ويعيدون بعض الشباب حتى من يحملون التصاريح حتى وصل الدور للسيارة التي تقل شهيدنا البطل الذي يحمل معه الهوية الخضراء والسكين والسيف، حيث أشار لها الجندي الصهيوني أن تمضي ولم ينظر حتى لمن بداخلها.. علم شهيدنا أن الله معه ويحفظه وأن الملائكة تحيط به فاستبشر خيراً وظل يرتل الآيات القرآنية ويردد و(عجلت إليك ربي لترضى).

وتتواصل الرحلة وتمضي السيارة مسرعة باتجاه (تل الربيع) تل أبيب وشهيدنا يتعجل السائق ويحثه إلى الوصول بسرعة إلى وسط تل أبيب لتحضنه وتتنسم دمه الطاهر.

نزل شهيدنا من السيارة مسرعاً واستل سكينه وسيفه وكبر عدة تكبيرات وامتزجت قوة ساعده بقوة إيمانه، فزلزلت أركان تل أبيب وسيفه وسكينه لا يتوقفان عن طعن كل من وصل إليه من اليهود، الكل يهرب من أمامه لقد قذف الله في قلوبهم الرعب وهم يحملون الرشاشات والبنادق فلم يرهبه ذلك ولم يجعله يتراجع أو يهرب بل واصل حتى احتضتنه أرض فلسطين وغسلت تل أبيب عارها بدمه، وابتسمت هذه الأرض التي اغتصبت في وجهه، فيما خيم الوجوم والخوف والهلع على الصهاينة وليعترف راديو العدو بـ4 من القتلى وجرح أكثر من عشرة آخرين، وأعلن أن الذي نفذ العملية من غزة وهو «فخري الدحدوح» ابن حركة الجهاد الإسلامي، وكان فخري قد استشهد بعد أن أطلق عليه رجال الأمن الصهيوني عشرات الرصاصات حتى توقف ثورته وتخمد بركانه، ولكن أنى لهم ذلك فها هو يزرع الإيمان والجهاد والثورة في صدور إخوانه من بعده ليواصلوا المسيرة حتى النصر أو الشهادة.

وهكذا انطلقت روح شهيدنا لترتقي إلى العلا وتستقر في حواصل طير خضر معلقة في عرش الرحمٰن ترد أحواض الجنة فرحة بما أتاها الله من فضله.. وهكذا كانت البداية.. حيث كانت شهادته فاتحة الطريق لإخوانه من أبناء الجهاد الإسلامي في تناغم مميز مكونين ما عرف «بثورة السكاكين».. ليتواصل من بعده إخوانه الذين تحرروا اليوم بفضل الله تعالى "اياد العرعير".. و"زياد سلمي".. و"علي الدحبور" وخالد الجعيدي".. و"امتياز مرتجى" ليكونوا جميعاً أنشودة النصر القادم بإذن الله تعالى.

الشهيد في سطور

ولد الشهيد فخري عطية الدحدوح في حي الزيتونة بمدينة غزة هاشم.. هذا الحي الذي قدم العشرات من الجرحى والشهداء الأبرار من أبناء هذا الشعب العظيم، ولد شهيدنا في العام 1967 وهو العام الذي خيم فيه الظلام الحالك على أرض فلسطين.. وهب وكأنه الأمل القادم ليقول للعالم أجمع: لا لن نهون أو نستسلم حتى تلقى الله وهو عنا راض.. تفتحت عيناه على جنود الاحتلال وهم يقتحمون الزمن العربي بكل علو وإفساد.. ولد ليشهد رفع الرايات العربية البيضاء في ساحات المعارك الخاوية إلا من بقايا الحنين.. ولد لتتعالى مع صرخاته أولى بشائر النصر القادم من بين صفوف الفقراء ولتعلن صرخاته أن الأمل لا يمكن أن يموت.

أكمل شهيدنا تعليمه الابتدائي ثم الإعدادي في مدرسة الهاشمية بمدينة غزة ولكن ظروف الحياة لم تساعده على إكمال تعليمه فتفرغ لمساعدة والده.

تزوج شهيدنا فخري في العام 1986م وأنجب ثلاثة أبناء فادي ومنصور ومسعود وأمنية الابنة الرابعة كانت أصغر أبناءه 35 يوماً، ولكن هذا كله لم يثنه عن واجبه المقدس في الدفاع عن الإسلام وفلسطين.

تربى شهيدنا في أحضان مسجد صلاح الدين بحي الزيتون.. هذا المسجد الذي خرج الأبطال والشهداء، والكثير من أبناء هذا المسجد ما زالوا يقبعون في سجون الاحتلال.. لقد كان للمسجد الأثر الكبير على شخصية شهيدنا حيث كان يتمتع بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة وكان يحبه الجميع ودائم المساعدة للجيران والمعارف.. كان يوزع البسمة على كل من يلقاه.. ويصفه والده بزهرة البيت وريحانته.

مع بداية الانتفاضة المباركة في العام 1987 بدأت رحلة شهيدنا البطل في مقارعة قوات الاحتلال حيث كان يصول ويجول ويظهر في كل مكان يتم فيه مواجهة مع الاحتلال وغالباً ما يكون في المقدمة ليلهب حماس إخوانه ويحثهم على رجم الصهاينة بالحجارة المقدسة التي كانت تنطق في يديه: هذا يهودي خلفي تعال فاقتله.

هذا النشاط الدائم لشهيدنا وتلك الهمة التي لا تفتر ولا تلين جعلته عرضة للاعتقال من قبل المخابرات الصهيونية حيث اعتقلته عدة مرات وحاولت بشتى الطرق وشتى أنواع التعذيب انتزاع اعتراف منه بنشاطه وانتمائه لحركة الجهاد الإسلامي إلا أنه كان يقهرهم بصموده وعناده وإصراره على عدم الرضوخ لهم فلا يجد أفراد المخابرات الصهيونية بداً من تحويله إلى الاعتقال الإداري مرة تلو الأخرى ليصل مجموع الاعتقال إلى ست مرات منها أربع مرات اعتقال إداري والباقي فترة تحقيق ثم يخرج أكثر صلابة وأكثر صموداً من ذي قبل.

وحين أدركت قوات الاحتلال أن الاعتقال لن يجدي معه ولن يفت من عضده سحبت منه بطاقة الهوية وأعطته بطاقة خضراء خاصة حتى لا يستطيع الخروج من قطاع غزة.

وكانت هذه البطاقة تعطي للنشطاء والسياسيين والعسكريين الذين يمثلون خطراً على قوات الاحتلال الصهيوني وكان من يحمل هذه البطاقة يبقى عرضة للأذى والضرب والسجن والتكسير أينما وجد، وكان بالفعل قد تعرض للضرب والتكسير عدة مرات حيث أوقفوه مرة في مخيم النصيرات وهو يشارك بالمظاهرات والأحداث وانهالوا عليه ضرباً. وقد تم اعتقاله لمدة 18 يوماً في سجن أنصار بغزة.

disqus comments here