"عبد الله المدهون".. عندما يكون الدم المراق دليل الصادقين مع الله

عبد الله المدهون ‫(1)‬ ‫‬

الإعلام الحربي _ خاص

هم الشهداء وحدهم من  يخطّون سيرهم بدمائهم ونحن نخط هذه السير بمداد أقلامنا .. فشتّان شتان بين هذا وذاك ،فهم عاشوا لفكرة عظيمة حملوا لأجلها أرواحهم على أكفّهم وساروا تحت لواء الجهاد الإسلامي ورفعوا  راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

فالحديث عن الشهداء هو اقتحام لعالم آخر، لأناس بالفعل عاشوا معنا فترة حياتهم القصيرة لكنهم كانوا غرباء في سلوكهم وتصرفاتهم وحركاتهم، كأنهم حقاً قدموا من عالم آخر عن عالمنا المليء بالفتن والمصائب والذي نسأل الله أن يجنبنا ويلاتها ويرزقنا الخير منها وما يقربنا إليه من عمل.

ميلاد مجاهد

ولد الشهيد المجاهد عبدالله عبدالرحيم المدهون بتاريخ الثامن من يناير من العام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعون في أحضان أسرة ملتزمة بتعاليم الإسلام العظيم، وتلقى شهيدنا تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدرسة أبو جعفر المنصور غرب بيت لاهيا شمال غزة.

 وقرر ترك مقاعد الدراسة والتوجه نحو التعليم المهني نظراً للوضع المعيشي الصعب لأسرته، حيث التحق  بكيلة غزة وتعلم فيها فنون الحدادة وأتقن حينها المهنة بنجاح باهر، وبعد سنتين من تعلم المهنة قرر الرجوع للمدرسة ليدرس الثانوية العامة (التوجيهي) وحصل حينها على معدل 55% ليلتحق بجامعة الأقصى ليدرس سنتين دبلوم تخصص التربية البدنية، وكان على وشك أن يتخرج منها هذا الفصل ولكن مشيئة الله أرادت أن يحصل على الشهادة العالية ألا وهي الشهادة في سبيل الله واصطفاه الله شهيداً.

صفات ومواقف لا تنسى

وفي مقابلة لـ "الإعلام الحربي"  مع "أحمد المدهون" شقيق الشهيد عبد الله، بدأ حديثه ودموع عينه تتفطر حزناً وكمداً على شقيقه ووالده ، قائلاً: "عبد الله كان ضحوك وطيب القلب وكان يتميز بهدوئه ، يمازح اخوانه وأصدقائه، كما كان محبوب من جيرانه وأصدقائه" ، واصفاً علاقته بشقيقه :" علاقة  التوأم اللذان يجتمعان في الكثير من الصفات المشتركة بينهم".

وتحدث عن الصفات التي كان يتميز بها الشهيد عبدالله قائلاً: "تميز أخي الحبيب عبدالله ببساطته وشجاعته وهدوئه وتواضعه، فكان نعم الأخ والحبيب على قلبي فهو كان فاكهة البيت كونه أصغرنا عمراً ، نعم كان فراقه هو وأبي وزوجة أخي صعب جداً، سأتذكره عندما كان يمازحني ويملئ علينا البيت بالسعادة، سأتذكر أيضاً عندما يكتب بعض النصائح والعبر ويعلقها على جدران البيت وكأنه كان يقول لنا أن هذه الدنيا زائلة وأني راحل منها عما قريب".

وأضاف: عبدالله كان يتمتع بالسرّية التامة وكان جدياً في كثير من المواقف، ومحبوب من الجميع وبار بوالدي ، نعم اليوم سأقولها وبلسان صادق وقلبي يعتصر ألماً على فراقه بأنه صدق الله فصدقه الله ونال ما تمنى وذهب إلي ربه وهو يصلي هنيئاً له".

الساعات الأخيرة

وذكر شقيق الشهيد موقف من مواقف الشهيد عبدالله أنه قبل استشهاده بيوم قام بزيارة شقيقاته اللتان تسكنان في محافظة خانيونس وأنه قام بزيارتهن قبلها بأيام وكأنه في زيارته الأخيرة يقول لشقيقاته إني أتيت اليوم أودعكم وإني اليوم مفارق هذه الدنيا وعلى موعد مع الله.

وتابع بالقول:" في صباح يوم استشهاد عبدالله ذهب معه إلي جنازة جاره خالد أبو قليق و قام بإرسال رسائل لبعض الشباب ليشاركوا في تشييع الشهيد خالد، وشارك في الجنازة وذهب بعدها للبيت ليرتاح قليلاً وجهز نفسه وصلى صلاة العصر وفارق الحياة الدنيا وهو يصلي الحمد لله على حسن الخاتمة هكذا ختم حديثه لنا أحمد وعينيه يذرفان الدمع وقلبه يعتصر ألماً وحسرة على ما أصابهم من أمر جلل".

مشواره الجهادي

نشأ شهيدنا المجاهد عبدالله المدهون على حب الله والوطن وعشق الجهاد والمقاومة، فمنذ نعومة أظفاره كان يحرص على المشاركة في العمل الجهادي، والقيام بواجبه نحو دينه ووطنه.

وتعرف على الخيار الأمل، على خيار الإسلام المقاوم، فوجد ضالته التي يبحث عنها حين انتمى لحركة الجهاد الإسلامي فيلم يغفل الشهيد عبدالله عن تلبية النداء، وبدأ المشاركة في الفعاليات التي تقيمها الحركة في جميع مناطق قطاع غزة.

وتم اختياره ليكون جندياً في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الاسلامي ، لينطلق بعد رحلة اعداد وتدريب إلى أرض الميدان والرباط علي الثغور فكان مثالاً للجندي المثابر الملتزم برباطه، وبكل ما يطلب منه، مبادراً بالتطوع والمشاركة في جميع الأعمال التي تعد وتجهز لملاقاة الاحتلال وصد عدوانه عن قطاع غزة.

موعده مع الشهادة

وبعد رحلة جهادٍ وعطاء ، كان اختيار الله واصطفاءه للمجاهد عبدالله المدهون، وعائلته في جريمة صهيونية نكراء ، ارتكبته طائرات العدو الصهيوني بحق الشهيد وعائلته، حيث استهدف منزلهم بتاريخ 5/5/2019م أثناء العدوان الصهيوني الأخير على  غزة، فارتقى إلى العلا شهيداً برفقة والده وزوجة شقيقه، وأصيب من عدد أفراد العائلة بعضهم أطفال بجراح بالغة، ليكون دمهم المراق شاهد على وحشية أقذر احتلال في العالم. رحم الله شهيدنا وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

disqus comments here