رمضان شهر العتق من النيران

 

كانت أعظم أمنية لآخر أهل النار خروجًا منها -وهو من يخرج منها حبوا- صرف وجهه عن النار قبل الجنة لا يسأل مولاه غير ذلك، فكيف إذا باعد الله وجهه وجعل بينه وبين النار خندقًا مسافة خمسمائة عام هذا بصيام ..

 

الحمد لله الذي كتب علينا الصيام وجعله ركنًا من أركان الإسلام،وجعل له شهرًا من صامه وقامه إيمانا واحتسابًا غفرت ذنوبة العظام، والصلاة والسلام على خير من صلى وصام، وعلى آله وصحابته الكرام، وبعد:

 

فإن شهر رمضان هو شهر العتق من النيران عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة.

 

افتتح النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث موسم السباق إلى الطاعات وبشر بإزالة المعوقات التي تؤدي إلى المعاصي والزلات، فما علينا إلا أن نجيب داعي الله ونقبل على فعل الخيرات ونبتعد عن مواطن المهلكات لنحيا حياة طيبة في الدنيا وفي الآخرة.

 

هذا العتق من النار في رمضان مستمر في الليل والنهار، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة -يعني في رمضان- وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة.

 
أقبل رمضان بكل بركاته وخيراته التي لا تُعد ولا تُحصى، من هذه البركات والخيرات: أنه شهر العتق من النيران، كلنا والله يريد أن تعتق رقابنا من النار فلا تضيع الفرصة العظيمة التي لا تقدر بمال، هيا بنا نبحث عن أسباب ذلك:

 

1- استعن بالله -عز وجل- قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه
في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل.

 

يقول الإمام النووي: «المراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة؛ فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشقات في ذات الله تعالى وأرغب في الصلاة والصوم والزكاة وسائر العبادات وأنشط طلبا لها ومحافظة عليها ونحو ذلك.

 

قوله -صلى الله عليه وسلم-: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) احرص على ما ينفعك في معاشك ومعادك، والمراد: الحرص على فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وأخراه مما شرعه الله تعالى من الأسباب الواجبة والمستحبة المباحة ويكون العبد في حالة فعله السبب مستعينا بالله وحده دون كل ما سواه ليتم له سببه وينفعه، لأن الله تعالى هو الذي خلق السبب والمسبب. [

 

2- بع نفسك لله تعالى. يقول الله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾.

 

يقول العلامة السعدي: «إذا أردت أن تعرف مقدار هذه الصفقة فانظر إلى المشتري من هو، هو الله جل جلاله، وإلى العوض وهو أكبر الأعواض وأجلها؛ جنات النعيم، وإلى الثمن المبذول فيها وهو النفس والمال الذي هو أحب الأشياء للإنسان.

 

الإخلاص في الصيام:

قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون .


معنى لعلكم تتقون أي: كتب عليكم الصيام لتجعلوا لأنفسكم به وقاية من عذاب الله -عز وجل- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الصيام جنة وحصن حصين من النار.

 

 يلاحظ في هذا الحديث التأكيد على أن الصيام وقاية من كل ما يتقى ويخاف منه وكذلك حصن قوي منيع من النار.


عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض.

هذا الفضل يأخذه من صام صوما حقيقيا مخلصا لله صادقا مع الله ومع نفسه في كل الطاعات.

 

حفظ اللسان:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الصيام جنة ما لم يخرقها، قيل: وبم يخرقها؟ قال: بكذب أو غيبة). قال الحافظ ابن حجر: «حكي عن عائشة وبه قال الأوزاعي إن الغيبة تفطر الصائم، وتوجب عليه قضاء اليوم(

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

 

قال ابن العربي: «مقتضى هذا الحديث أن من فعل ما ذكر لا يثاب على صيامه ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه.

 

عليك وأنت صائم أن تتجنب الزور قولاً وعملاً من كذب وغيبة ونميمة وتدافع عن إخوانك المسلمين برد غيبتهم حتى يعتقك الله تعالى من النار.

 

 

الدعاء:

عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن لله تعالى عند كل فطر عتقاء من النار وذلك كل ليلة(

 

فرمضان شهر الدعاء كما قال تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون .

 

يقول ابن كثير: «ذكر الله تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشادا إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وكذا كل فطر.

 

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة -يعني في رمضان- وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة.