وداعاً رمضان أيها الحبيب المرتحل

 

عباد الله ، أيها المسلمون : اليوم الجمعة الأخيرة من رمضان ولم يتبق إلا ايام معدودة، ففي شهر المكاسب والحصاد المبارك ماذا حصدنا من الأعمال ، وماذا كسبنا من المكاسب ؟ .. إن الحصاد من الزرع ، فمن عمل الصالحات فحصاده الثواب ، ومن عمل السيئات فحصاده العقاب ، وكما في الحديث القدسي : ( إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم .


فلا تيأس أيها المفرط من رحمة الله، ولك أسوة في أبيك آدم فقد تاب فتاب الله عليه، ولا تغتر وتستكبر أيها الطائع بطاعتك دون الله، وقد استكبر إبليس فأبعده الله، واستدرك يا أخي وأنت يا أختي ما فاتكما من العمل الصالح في هذه الايام الأخيرة من رمضان .


وفي حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: ( أن رجلا من أعظم المسلمين غناء عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي صلى الله عليه و سلم فنظر النبي صلى الله عليه و سلم فقال ( من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ) .

 

فاتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه فأقبل الرجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم مسرعا فقال أشهد أنك رسول الله فقال ( وما ذاك ) .

 

قال قلت لفلان ( من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه ) . وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين فعرفت أنه لا يموت على ذلك فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه فقال النبي صلى الله عليه و سلم عند ذلك ( إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار الأعمال بالخواتيم ) .


ومما بقي عباد الله من العمل زكاة الفطر، تؤدى قبل الصلاة صلاة العيد ،والله يقول : { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى{14} وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى{15} }الأعلى .وقد كان السلف يرون أنها في زكاة الفطر وصلاة العيد .


ذكر القرطبي عن عطاء وأبي عالية : نزلت في صدقة الفطر. وعن ابن سيرين {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} . قال : خرج فصلى بعد ما أدى. وقال عكرمة : كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين يدي صلاتي. فقال سفيان : قال اللّه تعالى : {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} .

 

وروي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر : أن ذلك في صدقة الفطر ، وصلاة العيد. وكذلك قال أبو العالية ، وقال : إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ، ومن سقاية الماء.

 

وروى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} قال : "أخرج زكاة الفطر" ، {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} قال : "صلاة العيد" . وقال ابن عباس والضحاك : {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} في طريق المصلى {فَصَلَّى} صلاة العيد ) .

 

ولتعلموا عباد الله أن السنة في زكاة الفطر من رمضان بلا خلاف بين أهل العلم أن تخرج صاعاً من الطعام عن كل فردٍ صغيرٍ أوكبيرٍ، حرٍ أو مملوكٍ ، غنيٍ أو فقير، والصاع أربعة أمداد (حفنات ) بمد الرجل المتوسط يحفن بيديه جميعاً غير باسطهما ولا قابضهما ، وأما إخراج القيمة وكذا النقود فقد أجازه بعض العلماء، وموافقة السنة أحب إلينا وهي ما أجمع عليه أهل العلم وأولى وأحرى .

 

وداعاً رمضان أيها الحبيب المرتحل ، ونحن إذ نودعك ، فلا نودع العبادة ، ولا نودع الطاعة فإنما نحن نتعبد لله وحده ماحيينا، ولكنك يا رمضان سوق للخيرات رابح، ومتجر للناس رائج ، والمحروم من فُتَّه فلم يدركك، والمحظوظ من صادفته أو أدركك، ويا ربنا نسألك أن تتقبل منا صيامنا وقيامنا وعبادتنا في رمضان وأن تبلغنا إياه في قابل آمين .