لن يهزم جيش فيهِ القعقاع

الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي فــارس المهمات الصعبة

 

 

محطات جهادية:

 

حينما أمر أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائد جيوشه خالد بن الوليد بالتوجه إلى العراق لمواجهة جيوش الفرس،وطلب خالد أن يمده بجنود إضافيين من المسلمين بعد أن استشهد عدد كبير من أفراد جيشه في حرب الردة. فأمده أبو بكر بالقعقاع بن عمرو التميمي،فقيل له: أتمد رجلا انفض عنه جنوده برجل؟ فقال أبو بكر: لا يُهزَم جيش فيهم مثل هذا، وكان القعقاع أحد فرسان العرب وشعرائهم وشهد أكثر الفتوحات الإسلامية في العراق والشام. وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما: ما أعددت للجهاد؟ فقال: طاعة الله ورسوله والخيل.

 

وفي موقعة ذات السلاسل التي كان يقود الفرس فيها قائدهم هرمز تقابل المسلمون والفرس في كاظمة، وخرج هرمز من بين صفوف جنده ونادى بالنزال, فمشى إليه خالد بن الوليد. واحتضنه خالد فهجم جند فارس يريدون قتل خالد وتخليص هرمز من قبضته, ولكن القعقاع لم يمهلهم فقد حمل عليهم بسيفه وصال وجال في رقابهم، والمسلمون خلفه، فانهزم جند فارس وفروا من أمامهم فطاردهم المسلمون وركبوا أكتافهم إلى الليل.

 

 ولما حقق خالد انتصاراته على قواد الفرس وغادر الحيرة قاصدا الأنبار خلف على الحيرة فارس العرب القعقاع بن عمرو لحمايتها من أية غارات محتملة من الفرس, ولم تدم إقامة القعقاع في الحيرة، فما هي إلا أيام حتى استدعاه خالد ليقود هجوم المسلمين على الروم في معارك اليرموك ومعه عكرمة بن أبي جهل، وقد حقق الجيش الإسلامي في اليرموك نصرا ساحقا على الروم.

 

دائما في المقدمة:

 

إننا نرى القعقاع في كل موقعة يشتد فيها القتال سواء مع الفرس أو الروم، فهو كما قال عنه أبو بكر لا يهزم جيش فيه القعقاع بن عمرو التميمي, فقد أرسل عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين إلى قائد جيوشه في الشام أبي عبيدة بن الجراح أن يرسل الجند الذين جاءوه من العراق مع خالد بن الوليد إلى سعد بن أبي وقاص ليكونوا عونا له في فتح بلاد فارس,وكان عددهم ستة آلاف منهم خمسة آلاف من ربيعة ومضر، وألف من اليمن ,وكان أمير الجيش هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، وحينما وصل القعقاع إلى القادسية أراد أن يكون وصوله نذير شؤم على الفرس، وأن يبث الرعب في قلوبهم، ويوقع في ظنهم أن المدد الذي جاء لجيش المسلمين من الشام جيش كبير العدد والعدة، فعهد إلى أصحابه وكانوا ألف جندي أن يقسموا أنفسهم إلى أعشار، بحيث يتقدمون عشرة عشرة مثيرين زوبعة من التراب وكأن العشرة مائة ونفذوا خطته, وكلما وصل عشرة إلى مشارف الفرس جاء بعدهم عشرة آخرون, ثم أثار الحمية في نفوس جنوده وتقدمهم إلى الفرس ونادى: من يبارز؟ فبرز إليه رجل من الفرس. فقال له القعقاع: من أنت؟ قال: أنا بهمن جادويه (أحد قواد الفرس) فنادى القعقاع : أبي عبيدة وسليط وأصحاب الجسر، وكان الفرس قتلوا آلاف المسلمين في معركة الجسر, وهجم القعقاع على جادويه فقتله, ونشط فرسان المسلمين فأصابوا عدوهم ,ثم استمر القتال إلى الليل وفي صباح اليوم التالي نادى القعقاع: من يبارز؟ فخرج إليه اثنان هما البيرزان والبندوان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان,فبارز القعقاع البيرزان فضربه بسيفه فقطع رأسه. وبارز ابن ظبيان البندوان فضربه فقطع رأسه, وصاح القعقاع في المسلمين: باشروهم بالسيوف، فإنما يحصد الناس بها.

 

ثم خرج الناس من كل ناحية وبدأ الطعان والضرب بالسيوف, وحمل بنو عم القعقاع يومئذ عشرة عشرة على عدوهم ومعهم إبل مجللة مبرقعة تشبه الفيلة التي يستعملها الفرس في حربهم، ولقي أهل فارس من الإبل يوم (أغواث) أي في ذلك اليوم الذي سمي بيوم أغواث أعظم مما لقي المسلمون من الفيلة يوم أرماث.

 

 

ذكاء وحكمة

 

ومرة أخرى ينفرد القعقاع برأيه ويقهر جنود الفرس, فبعد ثلاثة أيام من حرب القادسية وفي ليلة رابع يوم من الحرب خشي سعد أن يأتيه العدو من مخاضة في أسفل عسكره،فأرسل جماعة من جنده إلى المخاضة حتى يؤمنوها ولما وصلوا لم يجدوا أحدا وفكروا في أن يهاجموا الفرس من خلفهم، وفعلوا وكبر المسلمون تكبيرة روعت الفرس بينما ظن الجيش الإسلامي أن الفرس هاجموا الجماعة التي أرسلت إلى المخاضة، ولهذا فإن أفرادها يكبرون مستغيثين، ورأى القعقاع جنود فارس يزحفون نحو المجموعة الإسلامية التي بدأت تناوش الفرس في المخاضة. فزحف عليهم القعقاع من دون أن يستأذن سعد بن أبي وقاص ورأى سعد القعقاع يزحف عليهم فقال: اللهم اغفرها له وانصره، فقد أذنت له،وإن لم يستأذني.

 

واستقبل المسلمون الفرس بالسيوف، وخالطوهم, فكان للسيوف قعقعة كأنها صوت مطارق الحدادين, وبات سعد ليلة لم يبت مثلها وانقطعت الأخبار عن سعد وعن رستم قائد الفرس،وأقبل سعد على الدعاء حتى إذا كان وجه الصبح علم أن المسلمين هم الأعلون وأن الغلبة لهم, وكان الناس لم يناموا ليلتهم واشتد بهم التعب فسار القعقاع فيهم وقال: إن الدائرة بعد ساعة على من بدأ النوم، فاصبروا ساعة واحملوا فإن النصر مع الصبر, فاجتمع إليه رؤساء الجند وحملوا على من يليهم، واقتتلوا أشد قتال إلى الظهيرة وحينذاك بدأ الخلل في صفوف الفرس. وهبت ريح عاصفة أطارت سرير رستم، ورمى رستم بنفسه في العقيق (نهر ضحل) ورآه هلال أحد رجال القعقاع بن عمرو فعرفه واقتحم النهر وراءه ثم أمسك به وخرج به من النهر ثم ضرب جبينه بالسيف فقتله.

 

لم تنته معارك سعد وقائد قلب هجومه القعقاع بن عمرو مع الفرس، فبعد هزيمة الفرس في المدائن تجمعوا في جلولاء على بعد أربعين ميلا شمال المدائن وحفروا خندقا كبيرا واسعا أحاطوه بالحسك, وندب سعد بن أبي وقاص لحربهم هاشم بن عتبة وعلى مقدمة جيشه القعقاع بن عمرو، وبعد قتال مرير زحف القعقاع إلى باب الخندق فأخذ به وأمر مناديا فنادى: يا معشر المسلمين هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخذ به فأقبلوا إليه، ولا يمنعنكم من بينكم وبينه من دخوله، وحمل المسلمون حتى انتهوا إلى باب الخندق، فإذا هم بالقعقاع بن عمرو قد أخذ به. فهجم المسلمون على عدوهم ولم يفلت من الفرس إلا القليل. وقتل منهم يومئذ نحو مائة ألف رجل.