الرسول

الرسول القائد العسكري .. والسياسي .. محمد صلى الله عليه وسلم.

 

أمضى الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما في مكة يدعو إلى الدين بالحسنى ، ويتحمل أصنافا من ألوان العذاب والبغي والعدوان تنزل به وبصحابته الأولين ، وإذا اشتد عدوان المشركين لم يدفع الرسول صلى الله عليه وسلم العدوان بالقتال قبل اكتمال الإعداد له ، وإنما دفعه سلما مما مهد السبيل لأعظم فتوحات الإسلام وانتصاراته ، بالطبع كان منظر الأصنام يستفز مشاعر النبي وصلى الله عليه وسلم وصحابته ، ولكن يجب أن يعد العدة والأخذ بأسباب النصر ،، ومن ثم يتم لهم تحطيم هذه الأصنام التي كانت تعبد من دون الله ، بعد أن يأذن لهم الله بالقتال ومحاربة المفسدين في الأرض .

 

لم يسجل التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم انتصر في غزوة من غزواته بكثرة العدد أو العدة ، إنما كان يعد العدة ويهيئ الصحابة لقتال الأعداء ، خصوم النبي صلى الله عليه وسلم دائما كانوا أكثر منه عددا وعدة ، والفرق بينهما محمد صلى الله عليه وسلم يتوكل على الله حق توكله " وما النصر إلا من عند الله " أما الأعداء فكانوا يغتروا بعددهم وعدتهم لذا نرى أن الفرق شاسع بين من يتوكل على الخالق سبحانه وبين من يعتمد على ذاته .

 

من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم نجد أنه بعد الهجرة إلى المدينة المنورة واطمئنانه إلى الوسائل المتوفرة لإنشاء جيش قوي من المهاجرين والأنصار ، فكر في الحرب الاقتصادية ضد قريش التي ناصبته وأصحابه العداوة والبغضاء ، وأصرت على إطفاء نور الله جاهلة أن الله متم نوره ولو كره المشركون . إذن فالحرب لا تقتصر على حل المشاكل ومحاصرة الأعداء عسكريا فقط ،، بل هناك وسائل متعددة نستطيع أن نستفيد منها في محاربة الأعداء وهزيمتهم .. لكننا أمة لا تعرف تاريخها حقا ،، ولم تقرأ كتب الأماجد من أبنائها سوى الشيء اليسير.

 

كانت مكانة قريش الاقتصادية وتجارتها مع الشام واليمن صيفا وشتاء ، من أسباب قوتها بين العرب ، وكان الإضرار بها عاملا فعالا في إضعافها ، لذلك عمل الرسول صلى الله عليه وسلم على الإضرار بقريش اقتصاديا ، وتعرض لتجارتها المربحة وقوافلها التي تسلك السبيل إلى بلاد الشام في الذهاب والإياب ، وأمر بالهجوم على ثلاث منها ، مما جعل مكانة قريش الاقتصادية تهتز بالأخطار القائمة والمتصاعدة أمامها ، وقد قاد بنفسه صلى الله عليه وسلم غزوات الأبواء،و بواط، والعشرة، في اعتراض تجارة قريش ، وتهديد تجارتها ، وعاد من كل غزوة بتحالف مع بعض القبائل العربية ، مما أدى إلى تقوية الموقف السياسي والعسكري للمسلمين, نعم إنه القائد الأعظم المحنك العبقري محمد صلى الله عليه وسلم .

 

" قال صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بخير الناس منزلا يوم القيامة ، قالوا : بلى يا رسول الله .. قال : رجل أخذ برأس فرسه في سبيل الله حتى يموت أو يقتل , وهذا فيه حث على الجهاد والتحريض عليه, " وحرض المؤمنين " وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بمبادرة العدو بالرمي وتحقيق عنصر المفاجأة (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة .. ألا أن القوة الرمي ، ألا أن القمة الرمي .. ألا أن القوة الرمي )) .

 

قال إبن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتاب " الفروسية المحمدية " "إن قوما كانوا يتناضلون فقيل يا رسول الله قد حضرت الصلاة ، فقال هم في الصلاة " صفات القائد : كان الرسول القائد صلى الله عليه وسلم يحرص أن تكون لقائد مقدمة السرية صفات مميزة في القتال بحيث يكون ( اسمع من فرس .. وأبصر من عقاب .. وأوثب من فهد .. وأشد إقداما من أسد .. يقود السرية بجسد واحد .. وينزل كالبنيان المرصوص .. حديث شريف .. إذن فالمقاتل العربي المسلم لم يكن رجل حماسة واندفاع فحسب ، بل كان يمثل الإنسان المؤمن بعدالة قضيته المؤمن بها وهو يقف على أرضية صلبة من الإيمان ، ومن تقاليد القتال وفنونه وليس جاهلا بها لإحقاق الحق بحد السيف إذا فشلت مساعيه السلمية , قال صلى الله عليه وسلم : " أفضل أنواع الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " . وقوله عليه الصلاة والسلام " أفضل الجهاد أن تجاهد بنفسك وهواك في ذات الله تعالى " . على أن الحال التي ينبغي أن يكون عليها الجهاد ثلاث:

1- أن يكون الجهاد فيها مجرد دعوة باللسان مع الصبر المستمر على الأذى الناتج عنها .

2- التي يكون فيها الجهاد قتالا لكل من صد عن بلوغ الدعوة مداها من الآذان .

3- التي يكون فيها الجهاد القتالي بعد استقرار المسلمين في المدينة المنورة بأول آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال تعالى : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا أن الله على نصرهم لقدير " . لننظر سويا إلى وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " انطلقوا باسم الله ، ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ، ولا امرأة ، ولا تغلوا ، وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا ,إن الله يحب المحسنين " والمواقف والشواهد مستفيضة في كتب التاريخ والمغازي, نعم كان خلقه القرآن , قال تعالى : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين " .

 

فلم يأذن الإنسان بالحرب إلا دفعا للعدوان ، وحماية للدعوة الإسلامية ، وفي كل شرع للمقاتلة أصولها ، منها التالي :

1 – قتال الذين يبدؤون بالعدوان ومقاتلة المعتدين .

2- لا يجوز مقاتلة من لا يبدؤون بالعدوان ، لأن الله تعالى حرم الظلم .

3- في الجهاد حرب مشروعة غاية تنتهي إليها .

4- القتال في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين .

5- أثناء المقاتلة إن جنحوا للسلم أيضا .

6- عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ والمقعدين .

7- الإكراه ليس وسيلة من وسائل الدخول في الدين .

8 – نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الرهبان كما نهى عن قتل النساء والأطفال .

وبهذا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد سبق كل المواثيق الدولية والقوانين الدولية التي سعت إليها المجتمعات الحديثة ، خصوصا في القرن العشرين والواحد والعشرين ، والتي تسعى جميعها لوضع القواعد والمبادئ والنظم التي يمكن أن تخفف عن البشرية وويلات الحرب " طبعا هذه القوانين لم ولن تفلح حتى الآن في تطبيق هذه القوانين التي سنوها لأنفسهم " ، فلقد جاء في الحديث القدسي " من عرفني ولم يؤمن بي سلطت عليهم من لا يعرفني " فنحن نعرف الله ونعصيه وندعي محبته .

 

تعامله صلى الله عليه وسلم مع الخصوم :

الرسول القائد محمد صلى الله عليه وسلم . لم يثأر لنفسه مع من أساء إليه في شخصه الكريم ، فنجد مثلا . أنه قد عفا عن الرجل الذي هم بقتله وهو نائم ، ولم يحارب أحدا قط كان في وسعه أن يسالمه ويحاسنه ويتقي شره ، وإن معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله إبن أبي الذي كان يطلق عليه إسم " رأس النفاق " لكثرة ماعاهد وغدر , أما تصفية الخصوم أمثال اليهودي الخبيث الماكر, والذي تشبب بنسائه صلى الله عليه وسلم , " كعب بن الأشرف " لم يكن الرسول القائد صلى الله عليه وسلم يتردد ولو للحظة واحدة في تصفيته وإزاحته من الطريق ، وكان هذا الفاسق شاعرا يهجو الرسول صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه وقد تمادى في إيذائه ونسائه رضي الله عنهن جميعا .

 

فقال : " من لي بأن الأشراف ، فقد إستعلن بعداوته وهجائنا ، وقد خرج على المشركين فجمعهم على قتالنا ". . فخرج لملاقاته محمد بن مسلمة وخمسة من أصحابه للخلاص من هذا الخبيث , وعندما أجهز عليه محمد بن مسلمة على كعب ، وأتى الرسول مع الرجال وكان قائما يصلي بالبقيع ، فكبروا,فكبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : أفلحت الوجوه .

 

عبر ودروس :

كان في تصرف الرسول القائد مع أعدائه دروس بليغة لكل من يريد أن يعتبر ، ومثال ذلك موقفه من عكرمة بن أبي جهل عندما جاء الرسول مؤمنا فمنع أصحابه من أن يسبوا أباه " فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت ) , فقال عكرمة : أنا والله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ، ولا قتالا قاتلت في الصد عن سبيل الله ، إلا أبليت ضعفه في سبيل الله ,عندما التقى الروم والعرب في معركة اليرموك وضع سيدنا خالد بن الوليد خطته على أن يتحمل قلب الجيش الإسلامي عبء المعركة ، وسيدنا خالد يحتفظ بالجناحين ليلتف بهما حول الروم في الظرف المناسب والمكان المناسب والروم في ذلك الوقت أضعاف المسلمين أربع مرات " فكيف إذا تصدى لهجمتهم القلب وحده ,الموقف حقا صعبا للغاية ، وتحطمت صفوف أمام هذا السيل الجارف من جند الروم ، وزلزلت أقدام البعض ، وهنا صاح عكرمة : قاتلت مع رسول الله في مواطن كثيرة وأفر اليوم,ثم نادى : من يبايع على الموت ؟ فإنضم إليه أربعمائة من طلاب الشهادة ، من وجوه المسلمين وفرسانهم ، فقاتلوا أمام فسطاط خالد حتى أثخنوا جميعا جراحا ، وقتل منهم خلق كثير .

بيد أن قلب الجيش صد المهاجمين حتى مكن خالدا من الانقضاض عليهم بجناحيه فهزموا هزيمة نكراء محت دولة الروم من الشام كله