الشهيد القائد "طه محمد الزبيدي": جهز وصيته التي تمنى فيها الشهادة وتحققت له خلال المعركة

الشهيد القائد "طه محمد الزبيدي": جهز وصيته التي تمنى فيها الشهادة وتحققت له خلال المعركة

تاريخ الميلاد: الثلاثاء 30 أغسطس 1977

الحالة الإجتماعية: أعزب

المحافظة: جنين

تاريخ الإستشهاد: السبت 06 أبريل 2002

الإعلام الحربي- خاص

 

جهزت سرايا القدس خلال معركة مخيم جنين عددا من الاستشهاديين الذين اقسموا على خوض المعركة والدفاع عن المخيم بدمائهم , والشهيد طه الزبيدي كان احد هؤلاء الاستشهاديين الذين وزعت السرايا كاسيت وصيته الذي ظهر فيه متوشحا راية الجهاد الاسلامي ووضع على رأسه عصبة سرايا القدس وامتشق سلاحه وتلا وصيته التي قال فيها انه قرر ان يهب حياته لحرية فلسطين وان جهاد شعبنا وسرايا القدس متواصل حتى طرد ودحر الاحتلال ووجه نداءا للمقاومة الفلسطينية والجماهير الفلسطينية لتواصل معركتها حتى تنتصر , ومضى طه على درب الشهادة ليلتحق بقافلة الشهداء بعد اسبوعين على استشهاد والدته برصاص قوات الاحتلال على ارض مخيم جنين.  

 

وفي الذكرى السنوية لمعركة مخيم جنين تتذكر عائلة الزبيدي الشهيد طه ووالدته فتقول شقيقته كوثر: «حزن كبير يملا القلب على رحيل الاحبة ولكن بمداد الحزن نعتز ونفخر ونحن نتذكر بطولاتهم وتضحياتهم التي ستبقى حية لتعلمنا دورس المقاومة وان العزيمة تصنع المستحيل وان شعبنا الذي صمد في معركة مخيم جنين لن يفرط بذرة من ترابه وسيمضي على درب الشهداء حتى النصر او التحرير».  

 

جسد وصيته

وتزين واجهة منزل عائلة الزبيدي صور الشهداء الوالدة ام العبد وطه وابن عمته الشهيد زياد العامر وابن عمته نضال ابو شادوف ونسيبهم الشيخ محمود ابو خليفة اضافة لصور ابنائها المعتقلين داود ويحيى وجبريل والابن المطارد زكريا الزبيدي وتتذكر كوثر طه فتقول: «عاش بطلا واستشهد بطلا ومجسدا الحلم الذي قطعه فوق راس والدتي عندما استشهدت فلن انسى ذلك المنظر بعد استشهادها عندما وقف فوق راسها واقسم امام الجميع بانه لن يغمض له جفن او يهدأ له بال ما لم يثأر لدمها ويلقن الصهاينة الذين اغتالوها الدرس فطريقي الجهاد جهاد نصر او استشهاد فكان على موعد مع الشهاده والموعد خلال المعركة الاسطورية على ثرى مخيم جنين التي عمدها بدمه الطاهر قبل اسبوع من حفل زفافه فاستشهد وهو يمسك ببندقيته ويخوض المعركة تلو المعركة مع رفاقه ابناء السرايا والمجموعات المقاتلة كافة».  

 

تمنى الشهادة ونالها

فمنذ انتفاضة الاقصى تقول كوثر: «واخي طه يتحدث عن الشهادة التي كانت اغلى امانيه خاصة بعد استشهاد عدد من رفاقه اسامه تركمان ومحمد العانيني واستشهاد والدتنا التي قتلتها قوات الاحتلال بدم بارد فحرمتنا واياها الفرحة التي طالما انتظرناها وهي زفاف طه فعندما قتلتها قوات الاحتلال كانت تستعد لزفاف طه حيث قامت بتجهيزه وتوزيع بطاقات الدعوة لعرس طه الذي تعذبت طويلا خلال تربيته واشقائي وذاقت الامرين على يد قوات الاحتلال بسبب اعتقاله تاره او مطاردته تارة اخرى» ,وتضيف: «وقبل ايام فقط من العرس قتلها الصهاينة بدم بارد مما اثر على طه كثيرا وجعله حزينا وزاد حقده على الصهاينة فاصبح من ابرز مقاتلي سرايا القدس ونفذ عدة عمليات ضد الاحتلال وقاتل في معركة المخيم مع القائد محمود طوالبة وهو صديقه المقرب بل حارسه الشخصي وهو لا يتوقف عن الدعاء لله ان يكرمه بالشهاده التي جاهد في سبيلها حتى نالها وهو يرفض الاستسلام ويحث رفاقه على المقاومة ويلاحق الجيش من حارة لحارة ومن عمارة لعمارة ليعانق والدتي بعد شهر واحد من استشهادها».  

 

طريق جهاد ومقاومة

فطريق الجهاد والمقاومه لم يسلكها او يختارها الشهيد طه بمحض الصدفه او الهواية بل كانت نهج حياة وبذرة انتماء صادق انزرعت ونمت وترعرعت منذ سنوات بعيده في جنبات منزلهم المتواضع في مخيم جنين فلم تقتصر عليه بل وشملت جميع افراد اسرته من والده ووالدته وحتى اشقاءه واقاربه فمنهم المناضل والشهيد والمعتقل والجريح والمقاتل ممن ادركوا معادلة الصراع والمرحلة على اختلاف ظروفها وسنواتها فانخرطوا فيها وشكلوا جزءا منها عنوانه مخيم ولجوء وتشرد وكفاح وعودة ومقاومة وتضحية وصلت حد الشهادة.  

 

صفحات مجد من حياة الشهيد

فالشهيد طه ولد عام 1980 لاسرة مجاهدة بكل معنى الكلمة فوالده محمد زبيدي ينحدر من قرية جسر الزرقاء القريبة من قيساريه والتي اغتصبت عام النكبة بعد مجازر العدو البشعه كما يقول شقيقه ويضيف: «عندما احتلت العصابات الصهيونية قيساريه كان والدي يبلغ من العمر (20 عاما) فعايش مرارة الموت والقتل وماساة التشرد والمعاناة فتنقل مع من نجوا من الموت باعجوبة من قرية لاخرى متمسكين بروح التحدي وحلم العودة الذي لم يغادره لحظة واحدة حتى بعد وصوله لمخيم جنين واستقراه فيه بعد بضع سنوات من النكبة وفي المخيم بدات رحلة الحياة القاسية في بيوت من طين تفتقر لكل مقومات الحياة ,فتزوج والدي بسميرة الزبيدي ورزق منها بستة اولاد و4 بنات هم عبد الرحمن وزكريا وطه ويحيى ودهود وجبريل وكوثر وعدن».  

 

واقع الحال وصور النكبة والشتات والمجازر عاشت في ذاكرة وحياة والد ووالدة الشهيد كعينيهما وقلبهما وروحهما التي عرفت الطريق للمقاومة فرفض الاب والام ان تقتصر حياتهما على العمل ولقمة العيش الصعبة فانخرط الاب في صفوف المقاومة ليتعرض للاعتقال لاكثر من مرة ,وفي كل اعتقال يخرج اكثر قوة وتحدي واستعداد للتضحية وزرع هذه الروح لدى كل طفل من اطفاله الذين كبروا امام هول الواقع على حكايات اللجوء القاسي والموت البطيء في مخيمات تفتقر لادنى مقومات الحياة لذلك اعتقل الوالد ولم يسلم احد من اسرته من الاعتقال والعذاب وولد غالبيتهم ووالدهم يقبع داخل السجون.  

 

مشاركة في الانتفاضتين

فوسط ظروف ماساوية قاهرة ولد طه وتعلم تفاصيل قضيته تمام كما تلقى تعليمه في مدرسة الوكالة في مخيم جنين فحرص على الجد والاجتهاد والتعليم وتميز منذ الصغر بالاخلاق الحسنة وطيب المعشر والتفوق وبرزت لديه معالم الانتماء لقضية شعبه في سن مبكر كما يقول شقيقه فانخرط في الاطر الطلابيه وشارك في الانشطة الوطنية والاجتماعية وكلما كبر تكبر لديه بذور الوعي والكراهية للاحتلال وفور انداع الانتفاضه الاولى شارك بفعالياتها في المسيرات والمواجهات فتميز بالشجاعه والاقدام مما عرضه لاول اعتقال في حياته لمدة ستة شهور.

 

ويقول رفاقه في السجن: «وهب وقته ولحظاته للمطالعه والاستفادة والدراسة ,ثم اعتقل في سنة 1990 في سجن مجدو وتم اعتقاله على يد القوات الصهيونية الخاصة اثناء نشاط وطني كان يقوم به في الليل في المخيم».  

 

ام العبد

وبشموخ المراة الفلسطينية عايشت ام العبد الفلسطينية المناضله سميرة عبد الرحمن الزبيدي اعتقال زوجها وابنائها الواحد تلو الاخر واحيانا غالبيتهم في السجون ومع ذلك كانت متماسكة صلبة مجاهدة بكل معنى الكلمة فتبارك ابنائها في لحظات المواجهه وتحرضهم دوما على الثورة وتمدهم بمقومات الصمود والتحدي خلف القضبان.  

 

فسنوات العذاب وجحيم المعاناة التي رسمها الاحتلال في حياة فلسطيني جعلت ام العبد تبارك خطوات زوجها وابنائها بل واصبحت تسير معهم وخلفهم في المسيرات والمواجهات ,وكانت من اوائل الفلسطينيات اللاتي عشن مرارة قمع الاحتلال وممارساته التعسفيه في السجون باعتقال زوجها الذي امضى في السجن اكثر مما عاش معها ثم توفي وتركها تتحمل المسؤولية والامانة لتربية وتنشاة ابنائها الذين اختاروا طريق والدهم وحملوا راية المقاومة والتضحية والفداء مما عرضهم للمطاردة تارة والاعتقال تارة اخرى فالابن الاكبر عبد الرحمن اعتقل خمسة مرات وزكريا اعتقل لمدة اربعة سنوات متتالية كما اصيب برصاص العدو عدة مرات وداهود لا زال حتى اليوم في السجن يقضي محكوميته البالغه اربعة سنوات ويحيى اعتقل وحوكم بالسجن لمدة 18 عاما.  

 

وتنقلت ام العبد وراء ابنائها من سجن لاخر حتى عرفها واحبها كافة الاسرى واصبحت تسمى ام المعتقلين فقد تبنت عددا من اسرى الدوريات العرب وتولت مهمة رعايتهم والاهتمام بهم كاولادها فاصبحت حياتها موزعه على السجون لزيارة ابنائها ورفاقهم واصبحت لحظات ومواعيد حياتها تضبط على مواعيد زيارات السجون.  

 

سرعان ما اصبحت ام العبد من ابرز المناضلات الفلسطينيات لدعم قضايا الاسرى والمعتقلين فتخوض الاضراب عن الطعام معهم وتنظم المسيرات والاعتصامات تضامنا معهم ولم تحدث مناسبة لمؤازرة الاسرى الا وكانت ام العبد على راسها سواء كان اولادها في السجن وخارجه فهي ام المعتقلين ولم تتخلى عن مساندتهم لحظة واحدة والجميع يتذكر مواقفها الصلبة في ايام المعتقلين الحرجة والصعبه عندما كانت تعلن الاضراب عن الطعام لايام طويلة.  

 

وفي الانتفاضتين شكلت ام العبد مثالا نادرا لنضال وجهاد المراة ففي الاولى حولت بيتها المتواضع في المخيم لمدرسة للتعليم الشعبي بعدما اغلق الاحتلال المدارس وفي الانتفاضتين شاركت في المواجهات والمسيرات ,ولكن في الانتفاضة الثانية اصبح ابناء ام العبد الثلاثه مطلوبين لاجهزة الامن الصهيونية فلم تتخلى عن واجبها ورسالتها رغم خطورة الوضع وتهديد الاحتلال بتصفيه المطاردين ولم تطلب من ابنائها تسليم انفسهم بل قامت بتوجيههم وحمايتهم ورعايتهم مع رفاقهم.  

 

وخلال الهجوم الصهيوني على مخيم جنين مطلع اذار المنصرم تعرض منزل ام العبد لاطلاق النار فطلب منها الجيران اخلاءه حفاظا على حياتها وحياة بناتها وامام الحاح واصرار الجميع انتقلت الى بيت جيرانها الا ان رصاص القناصة لاحقها واطلق الصهاينة النار عليها فاصيبت في الصدر والراس وبقيت تنزف حتى استشهدت لان قوات الاحتلال منعت سيارات الاسعاف من الوصول للمستشفى.  

 

سرية ام العبد

وبصلابة وشمخ استقبل طه واشقاؤه نبأ استشهاد والدتهم وتعانق الاشقاء في لحظات الوداع الاخيرة الا ان طه تاثر كثيرا وودع والدته وهو يقسم لها على الثار ومقاومة العدو والثار لها ولجميع الشهداء ,وحسب بيان لسرايا القدس فان طه ورفاقه في السرايا شكلوا سرية باسم ام العبد نفذت عدة عمليات منها مهاجمه حافلات صهيونية وزرع عبوات ناسفه فجرت في سيارات مستوطني وجيش العدو قرب جنين.  

 

ويروي رفاق يحيى انه خلال الانتفاضه الراهنه شارك بها بنشاط واصبح قائدا لمجموعة في سرايا القدس وشارك في توزيع الحراسات في المخيم والاشتباكات على الشارع الالتفافي وزرع العبوات الناسفة وكان من المرافقين للشهيد القائد محمود طوالبة وتصنيع العبوات وقام بتفجير عبوة ناسفة في باص جيش قرب الجلمة وتم تصويرها في الفيديو واشترك في اشتباك قرب يعبد واسفر عن قتل مستوطنة ردا على عملية اغتيال عكرمة ومجدي الطيب ومن الاحداث التي تاثر بها استشهاد الطفله رهام الورد في المدرسة واغتيال معتصم الصباغ كانت علاقته مميزة ومحبوبا لدى الجميع.  

 

معركة المخيم

برز الدور الجهادي المتميز للشهيد طه في معارك المخيم التي شارك فيها جميعا ويصفه الاهالي بالفدائي المقدام البطل الذي لا يخاف الموت ,وفي المعركة الاخيرة رفض الهرب والتخلي عن سلاحه وواجبه وقاتل ببساله حتى استشهد.  

 

ويروي الاهالي ان الشهيد طوالبة والمجاهد ثابت مرداوي من قادة سرايا القدس طلبوا من طه قيادة مجموعه لسرايا القدس في حي الدمج وهناك تصدى للقوات الصهيونية واشتبك معهم عدة مرات ,وفي احدى المرات كان مع القائد محمود طوالبة حيث اشترك بنصب عدة كمائن في المخيم وتم قتل عدة جنود .وتمكن ثابت وطه في احدى المرات من محاصرة الجنود في حي الدمج واطلقوا النار عليهم وقتلوا واصابوا عددا منهم .  

 

وفي حادثه اخرى قال شهود عيان انه في احدى المرات وصل لطه ورفاقه قرار بالانسحاب من الحي لان الجيش الصهيوني ادخل الدبابات والبلدوزرات التي بدات بهدم المنازل في نفس الوقت نصبت قوة اخرى من الجيش كمينا للمقاومة في حارة البطل تحت جامع الانصار فتراجع المقاومين حتى وصل الشهيد طوالبة ثم هاجموا ثكنة الجيش التي تحصنت في منزل ابو خالد واشتبكوا معهم في معركة استمرت ثلاثة ساعات ويقول الاهالي: «تمكن المقاومون من محاصرة الجنود وسمعناهم يقولون لهم سلموا انفسكم يا جنود شارون فانتم محاصرون وسمعنا صراخ الجنود التي تمكنت المقاومة من النيل منهم ولم يخرج ما تبقى من الجنود احياء الا بعد تدخل الطائرات».  

 

في مرة اخرى جاءت معلومة للمقاومين انه يوجد جيش في بيت البطل فكان طه من اول المهاجمين لهم واشتبكوا معهم وتمكنوا من قتل الجنود الستة في البيت وعندما دخل لاخذ السلاح والعتاد تفاجا بانه يوجد جنود ينصبون كمينا في موقع مجاور فقاموا باطلاق قذيفة انيرجى عليه فاصابته في دره فاستشهد على الفور».  

 

القذيفة الحاقدة احرقت جثمان الشهيد الذي دفن في مقبرة مؤقته حتى رفع الاحتلال الحصار عن المخيم ليتم تشييعه في عرس مهيب عاهده فيه رفاقه في سرايا القدس على مواصلة الجهاد ,كما عثر للشهيد على وصية مصورة على كاسيت فيديو ارتدى فيها زي الجهاد الاسلامي ووضع على جبهته عصبة سوداء كتب عليها سرايا القدس واكد في وصيته ان جهاد شعبنا وسرايا القدس متواصل حتى طرد ودحر الاحتلال وحث فيها شباب المخيم على التمسك بخيار الجهاد ,وقالت حركة الجهاد ان الشهيد جهز وصيته قبيل الهجوم الصهيوني على المخيم لانه اختار الشهادة والجهاد ورفض الاستسلام للعدو.  

 

حديث عن الشهادة

وقالت خطيبته رانية وصفي: «ان طه كان مثالا للشاب المسلم المجاهد المؤمن الذي عرف الطريق لله والجهاد ورفض كل زيف الحياة وبريقها فكان لا يتحدث الا عن الشهادة وفلسطين والجهاد ويكره اليهود بشدة ,وفي الايام الاخيرة قبل استشهاده ورغم استعدادنا للزواج وتجهيز البيت كنت اشعر انه يودعني بنظراته واحاديثه فيطلب مني مسامحته وعدم الحزن او الزعل عليه اذا استشهد لذلك ورغم حزني فانني فخورة به وادعو الله ان يتقبل شهادته فهو تمناها وجاهد في سبيلها ونال عليها واستحقها ونحن على دربه ماضون».

الشهيد القائد "طه محمد الزبيدي": جهز وصيته التي تمنى فيها الشهادة وتحققت له خلال المعركة