الشهيد القائد "فلاح حسن مشارقة": جهاد بلا حدود وشهادة من الودود
الإعلام الحربي _ خاص
تغرب الكلمات أمام قداسة دمك وطهر أشلاءك القادم من ثنايا التاريخ، من وجع الأمة وكيف لا والشهداء يصطفون اليوم يعلنون اليوم براءتهم من كل أشكال المساومة والخنوع والركـون، الشهـداء اليـوم بدمائهـم وأشلائهم يشكلون وجه المرحلة وعنوانها، فاليوم نتذكرك يا شيخ الجهاد والسرايا رحلت وتركت لنا الدنيا تركتنا نتجرع ألم الفراق الصعب نتذكرك في ميادين الجهاد ميادين النزال عشقت الشهادة قرة عينك، وأسمى أمانيك لقاء الله عز وجل ونيل الشهادة في سبيل الله، فتشهد لك طولكرم قلعة سرايا القدس ومخيم نور شمس مسقط رأسك ومعقل الجهاد الإسلامي، تشهد لك الشعراوية بصيـدا العرين وعلار الصمود وزيـتا الشامخة بشموخ فرسانها الأبطال خالد أبو العز وسائد مصيعي وذاكر أبو ناصر فرسان سرايا القدس المظفرة وأبرز مجاهديها الأبطال الذين زرعوا الرعب في صدور بني صهيون.
الميلاد والنشأة
ولد الشهيد القائد فلاح حسن نعيم مشارقة (أبو النور) في مخيم نور شمس للاجئين الفلسطينيين بمدينة طولكرم في 24 أبريل (نيسان) 1967م في أسرة فقرة بسيطة عُرف عنها الالتزام الخلقي والديني والاجتماعي مثل كل الأسر الفلسطينية المشردة، وأبوه عامل وله عشرة إخوة، جاءت الأسرة من قرية "إجزم" من مدينة حيفا، وهي من أجمل المدن الفلسطينية المعروفة بصلابة أهلها وشجاعتهم.
أنهى شهيدنا القائد فلاح دراسته الإعدادية في مدارس مخيم نور شمس حيث ترعرع في أحضان العائلة التي غذته على الشجاعة والخشونة وعدم التهاون والخضوع إضافة إلى حب الله والوطن.
اعتقل أبناء العائلة مرات متفاوتة مرورًا بالانتفاضة الأولى وحتى استشهاد الشهيد القائد فلاح ابن الثامنة والثلاثين، لقد بارك الله في عمره القصير ليصبح بما أنتجه أطول بكثير من أعوامه المدونة بشهادات الميلاد والوفاة، تزوج سنة 1996م من إحدى قريباته، ولكن لم يرزق أي مولود.
صفاته وأخلاقه
من أهم الصفات الني يتميز بها الشهيد القائد فلاح أنه متدين منذ نعومة أظافره ومعتاد الذهاب إلى المسجد وكثير الركوع الى الله والحياء إلى حد الخجل، وعُهد حنونًا في مساعدة الأيتام والمحتاجين ومثالاً واضحًا للشجاعة والصدق وللإخوة والصداقة مع زملائه، ومرجعية كاملة لمعاني العزة والكرامة والجهاد، ومخزونًا ساميًا للقيم الرفيعة، وهو دائم البشاشة والبشر والمرح حتى في أصعب الظروف، والإيمان العميق والصر الجميل هما زاده وزواده في مواجهة الذين ينهمرون عليه من كل صوب.
مشواره الجهادي
لقد عُرف شهيدنا القائد فلاح بحبه لمقارعة جنود الاحتلال ومستوطنيه، فانخرط في صفوف حركة فتح في العام 1987م في الانتفاضة الأولى حيث بدأ مشواره الجهادي بملاحقة جنود الاحتلال في أزقة المخيم بالحجارة والزجاجات الحارقة والقطع الحديدية ونصب الكمائن لقطعان المستوطنين الذين كانوا يمرون على الشارع الرئيسي المحاذي للمخيم، فحطم الكثير من سياراتهم وأوقع فيهم إصابات مختلفة، وذلك بسب قدرته المميزة على إلقاء الحجارة حيث كان متمرسًا في طريقة الإلقاء.
اعتقلته قوات الاحتلال للنيل من عزيمته في العام 1989م وحكم عليه لمدة تسعة شهور في معتقل مجدو خرج بعدها بمزيد من الصبر والإرادة، وانضم إلى مجموعات الفهد الأسود، وقام بعمليات خطف لبعض العملاء والتحقيق معهم، فقامت قوات الاحتلال بمطاردته لمدة ثلاث سنوات اعتقل بعدها وحكم عليه بالسجن عشرين عامًا فعليًا ومثلها مع وقف التنفيذ أمضى منها ثلاث سنوات في سجن جنيد، وأطلق سراحه ضمن الاتفاقيات المبرمة مع العدو، وأقام في أريحا مع المحررين ثم عاد إلى أرض المخيم حيث رفض الانخراط في أي من أجهزة السلطة وذلك بسب تحولات فكرية طرأت عليه بعد انجرار تنظيم فتح وراء ما يسمى عملية السلام المزعومة.
قبل بدء انتفاضة الأقصى بأشهر قلائل تعرف الشهيد الفارس فلاح على الإخوة من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وأخذ من خلالهم يتشرب الفكر الجهادي والاستشهادي، وما أن اندلعت الانتفاضة حتى بدأ عمله العسكري مع الشهيد القائد أسعد دقة وبعد استشهاد الشهيد القائد أسعد اشترك في العمل الجهادي مع الشهيد القائد معتصم مخلوف والشهيد القائد إياد صوالحة حيث كان يتركز عمله على زرع العبوات الناسفة ونصب الكمائن لجنود الاحتلال ومستوطنيه على الطرق الالتفافية.
قام بتشكيل خلية عسكرية مميزة بصلابتها ومجاهديها، وجميعهم قضوا شهداء، وهم: الشهيد المجاهد خالد أبو العز والشهيد المجاهد سائد مصيعي والشهيد المجاهد ذاكر أبو ناصر والشهيد المجاهد مازن حويطات وآخرون.
كان من بين المجاهدين البارزين في الدفاع عن مخيم طولكرم خلال الاجتياح، فتمت ملاحقته ومطاردته بعد ذلك من قبل الاحتلال، وهرب أكثر من مرة من قلب الحصار، ومن أبرزها يوم أن استشهد رفيقيه الشهيدين المجاهدين سائد مصيعي وذاكر أبو ناصر عندما طلب منه رفاقه الانسحاب وقاموا بتغطية انسحابه والإصرار على الشهادة، فكان لهم ذلك حيث شارك في الكثير من العمليات العسكرية وقنص الجنود والمستوطنين والتحقيق مع العملاء.
قام شهيدنا القائد فلاح بتجهيز الاستشهادي رامي غانم الذي نفذ عملية نتانيا البطولية بتاريخ 30 مارس (آذار) 2003 م وبالتخطيط لكثر من الهجمات على المستوطنات ومواقع تمركز الفرق العسكرية، وزرع الكثير من العبوات الناسفة على طريق الجيبات والآليات، وكان صقر الطرق الالتفافية فأوقع الكثير من القتلى من الجنود والمستوطنين قرب قرية بزاريا هو والشهيد المجاهد سائد والشهيد المجاهد ذاكر.
موعد مع الشهادة
مع بزوغ فجر يوم الثلاثاء 14 سبتمبر (أيلول) 2004م استيقظ أهالي مخيم نور شمس على قوات ضخمة معززة بالطائرات والدبابات وناقلات الجند وأعداد هائلة من جند المشاة يحاصرون حارة المنشية بحثًا عن الشهيد القائد فلاح، وتم تشديد الحصار على بيت شقيق الشهيد الذي كان في عرينه ينتظر لقاء الله، واستمر الحصار من ساعات الفجر حتى المساء حيث طلب منه الجنود الاستسلام إلا أنه رفض الخروج ذليلاً، فتمترس في موقعه ودارت معركة مع جنود العدو استخدمت فيها مختلف الأسلحة الخفيفة إضافة إلى قصف المنزل بصواريخ موجهة وعدد هائل من القنابل اليدوية، وتمكن من إصابة عدد من الجنود، وبعد هدوء لمدة دقائق معدودة أدخل الجيش شقيقه إلى المنزل للبحث عنه بين الأنقاض فوجده مازال ينتظر الجنود باحثًا عن الشهادة رغم تعرضه لإصابات بالغة بسب الهدم، فقاموا بهدم المنزل وتكثيف القصف على الشهيد وشقيقه (مفلح مشارقة) مما أدى إلى إصابته بشظايا في الوجه والجسم وحروق، وأدخل الجنود عليه كلابًا مدربة فقام بقتل أحدها باستخدام السلاح الأبيض (سنجة) مما دفع الجنود لإطلاق مزيد من الصواريخ مع القنابل، وعندما تأكد شهيدنا الفارس فلاح من اقتراب ساعة الصفر وقف ليصلي صلاة العصر، ومن ثم صلى على نفسه صلاة الجنازة ونتيجة لاستمرار القصف ونفاد الذخيرة أصيب شهيدنا فلاح إصابة بالغة، فدخل بعض الشباب لإخراجه من تحت الأنقاض بأمر الجيش، فوجدوه يردد عبارات يذكر فيها الله وتمتمات لم تفهم بسب غيابه عن وعيه.
نقل شهيدنا القائد فلاح إلى مستشفى بلنسون في بتاح تكفا (مدينة ملبس) بالداخل الفلسطيني حيث مكث تسعة أيام في حالة صحية صعبة وبسب الإهمال الطبي ارتقى إلى علياء المجد والخلود للقاء الله عز وجل لاحقًا رفاق دربه من الشهداء وذلك في يوم الخميس بتاريخ 23 سبتمبر (أيلول) 2004م.

