الشهيد المجاهد "مالك عبد اللطيف ديب": لسان حال عائلته الصابرة يقول:" هذا ابننا! فخرنا وعزنا"
الإعلام الحربي _ خاص
يقول أحد الإخوة الذين عايشوا عددًا من الشهداء الفرسان في لبنان:" ما أذهلني في أمر هؤلاء الشهداء هو أنني لم أشعر قط أن أحدًا منهم كان يائسًا من الحياة، بل كانوا مفعمين بالحياة وحبها ربما أكثر من أي شخص آخر، وفي نفس الوقت تتملك الشهادة قلوبهم، والله سبحانه وتعالى أكرمهم بها، وما كان يذهلني أكثر أنني كنت مقربًا جدًا من معظم شهداء الحركة في لبنان، وبيننا أنشطة مشتركة كثيرة، بل كنت أنا وبعضهم ننام في غرفة واحدة، لكن أحدًا منهم لم يخبرني قبل استشهاده، بل لم أكن أشعر أنه يودعني"، هكذا هم الشهداء الصادقون.
الميلاد والنشأة
ولد الشهيد المجاهد مالك عبد اللطيف ديب في 9 فبراير (شباط) 1974م في مخيم الرشيدية جنوب لبنان، تعود أصول عائلته إلى بلدة "أم الفرج" قضاء عكا التي هُجِّروا منها في العام 1948م، تتكون أسرته من سبعة من الذكور واثنتين من الإناث إضافة إلى الوالد والوالدة الكريمين.
تقول الحاجة كاملة، والدة الشهيد:" تعلم الشهيد مالك حتى الصف الثالث الإعدادي، ولم يتم تعليمه رغم أنه كان من الطلاب المميزين والمجتهدين في صفه، وهذا بشهادة من كان معه من أصدقائه وأساتذته الذين أشرفوا على تعليمه".
وتضيف:" الواجب الوطني وحبه للمقاومة وعشقه للشهادة جعله يغادر المدرسة في سن مبكرة ليلتحق بصفوف المقاومين الذين نعتز بهم ونرفع رأسنا عاليًا لما قدموه لفلسطين وما زالوا يقدمون لها الغالي والنفيس في سبيل الله وتحرير الوطن".
صفاته وأخلاقه
لا تزال ذكرى الشهيد المجاهد مالك تفوح عطرًا على لسان والدته، ويتلهف قلبها للحديث عنه:" نشأ ابني الشهيد مالك في طاعة الله عز وجل، كان يأتمر بما أمر الله تعالى به، وينتهي عما نهى عنه، كان يملك نفسه عند الغضب، مطيعًا لي ولوالده، كثير الذكر لله سبحانه وتعالى، يقيم الصلاة في أوقاتها في الجامع، عابدًا صائمًا، صاحب لسان عذب، جعل أهله ومن عرفه يحبونه ويحترمونه، في هذا الزمن، نادرًا ما تجد الرجل الخلوق الوفيّ لربه ولدينه ولأسرته".
ويطيب للحاجة كاملة، والدة الشهيد أن تذكر كل تفصيل حفر في قلبها عن ولدها الشهيد:" كان شابًا بشوش الوجه، لم يغضب أحدًا في حياته، كل من عرفه أحبّه وأعجب بخلقه والتزامه، أصدقاؤه تمنوا أن يكونوا مثله وأن يحذوا حذوه، كان ينهى عن الفحشاء والمنكر، ويحب مساعدة الآخرين، نشيطًا، وحليماً، ولا يتوانى عن فعل الخير".
وتضيف الوالدة، الحاجة كاملة:" لقد ترك فراغًا كبيرًا في أجواء المنزل، وحتى في الحي الذي نسكن فيه، لقد كان يملأ هذا الحي بأجواء الفرح والمحبة، نظرًا لمحبة الناس له، وبعد استشهاده خيّم السكون في الحي الذي اعتاد على أجواء مالك، ذاك الشاب المرح والنشيط الذي قلما تجد شخصًا مثله".
مشواره الجهادي
عاش الشهيد الفارس مالك لفلسطين، وسكنت قلبه، هذا ما يخبر به والد الشهيد، الحاج عبد اللطيف خليل ذيب، عن ابنه، بكل فخر واعتزاز:" كان يقول دومًا ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وفلسطين أُخذت بالقوة، ولا بديل عن المقاومة لاسترجاعها، فالجهاد هو السبيل الوحيد لتحريرها وإعلاء كلمة لا إله الا الله، لقد أراد أن يكون شهيدًا منذ صغره، بعد متابعته بشكل مستمر لما يجري في فلسطين السليبة من ممارسات العدو الصهيوني شتى أصناف الإجرام والقتل والتعذيب بحق شعبنا الأعزل".
ويضيف الوالد:" لقد أحب ابني الشهيد حركة الجهاد الإسلامي والنهج الذي تسير عليه، كانت فلسطين قضيته وبوصلته، لها مكانة عظيمة في نفسه، وبما أن حركة الجهاد الإسلامي تعتبر فلسطين هي القضية المركزية، زاده ذلك تعلقًا بالحركة وبمبادئها، وانتمى إليها؛ لأنه وجد فيها مبتغاه الذي كان يبحث عنه منذ الصغر".
يحدثنا أحد رفقاء طفولة الشهيد المقدام مالك وشبابه، فيقول:" كان الشهيد، رحمه الله، شابًا رياضيًا من الدرجة الأولى، كنا نعمل سويًا، وقال لي ذات مرة أي التنظيمات التي توصلنا للشهادة؟ فقلت له لا توجد إلا حركة الجهاد الإسلامي، هذه حركة مقاومة هدفها تحرير فلسطين وأفرادها ممن يخافون الله ويسلكون هذا الدرب، فقال لي: كم أتمنى الاستشهاد من أجل فلسطين التي هي قضيتي، وانتمى بعدها إلى الحركة وفرغ نفسه من أجل التدريب والاستعداد للاستشهاد في سبيل الله، كان متحمسًا لدرجة كبيرة لهذا المشروع الجهادي، أراد أن يستشهد داخل فلسطين ليدفن فيها؛ لأنها كانت تعني له الكثير".
موعد مع الشهادة
ترد علينا والدة الشهيد المقدام مالك الساعات الأخيرة، وهي تودع الشهيد:" كان يتصرف بشكل طبيعي جدًا، كان لا يريد لأحد أن يلاحظ أنه يودعنا، كان يبتسم ابتسامة حلوة ملؤها الحنان، نظر إليّ واقترب مني مودّعًا، بعد أن جهز أغراضه قبل أن يذهب للقيام بالعملية الاستشهادية البطولية، لا يسعني إلا أن أدعو له أن يكون من الشهداء الأبرار رضوان الله عليهم".
بتاريخ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1993م ترجل الشهيد المجاهد مالك عن صهوة جواده مقبلاً غير مدبر ومعه اثنان من رفاقه المجاهدين وهما الشهيد المجاهد عامر الأخضر مداس والشهيد المجاهد عبد الله النجار حيث خاضوا اشتباكًا مسلحًا بطوليًا بالأسلحة الرشاشة والصاروخية بالقرب من مستوطنة "مسكاف عام" على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة مع لبنان، وقد اعترف العدو الصهيوني بمقتل وإصابة عدد من جنوده في الهجوم الاستشهادي، وارتقى الفرسان الثلاثة ليؤكدوا من جديد أن دماء الشهيد تحيي الملايين، وأن هذه الدماء الطاهرة لن تثنينا عن مواصلة خيار المقاومة والجهاد حتى تحرير كامل تراب فلسطين.

