الشهيد القائد "يوسف محمد أبو الرب": القتال حتى الشهادة
الإعلام الحربي _ خاص
لكل قصة بطل، ولكل بطل رواية، البطل هذه المرة أشبه بأسطورة يذوب القول في وصفها ويعجز اللسان عن التعبير عما لديها من قدرة على مواجهة الجيش الذي يزعم بأنه لا يقهر، بطل حكايتنا هو الشهيد القائد يوسف محمد أبو الرب (الشيخ حمزة)، قاهر الجند وحارس البندقية، ذاك العنيد الذي خرج من جوف قباطية قضاء جنين ليدب فوق ثرى الوطن حالمًا بتحريره من دنس الاحتلال.
الشهيد القائد يوسف أبو الرب امتطى صهوة الجهاد مبكرًا وراح يسعى للجنة ملبيًا نداء الوطن والشهادة حتى نال مراده، تاركًا خلفه جيشا يرنو للأقصى من فوهة البندقية.
ميلاد قائد
لم تكن ليلة 31 ديسمبر (كانون الأول) 1962م كباقي الليالي، فالبدر مكتمل كوجه الجنين الذي خرج يحمل إلى الدنيا نورًا جديدًا وحلماً زاهيًا فيه الكثير من الأمل بصباح مشرق خال من الاحتلال.
هناك في قباطية قضاء جنين ولد الشهيد القائد يوسف محمد أبو الرب (أبو محمد)، ونهل العلم في مدارس البلدة حتى وصل إلى الصف الثامن الأساسي، لكن ضيق الحال منعه من إتمام دراسته ليعمل وينفق على أسرته المكونة من خمسة أشقاء وشقيقتين.
تزوج الشهيد القائد يوسف من فتاة صابرة وأنجب منها ستة أبناء ليزرع في قلوبهم حب الله والتضحية من أجل الوطن.
القائد المعطاء
ترعرع شهيدنا القائد يوسف في المسجد القديم وسط بلده قباطية، دخل الإيمان قلبه فأحب القرآن وجوده، ذلك جعله يلقب لاحقًا بـ " الشيخ حمزة" لاسيما لعذوبة صوته والمواظبة على تقديم دروس الوعظ والإرشاد لصغار البلدة، لكن فيما بعد أخذ يدرب الفتية على المصارعة انطلاقًا من حرص الإسلام الحنيف على قوة المؤمن.
يُعرف عن الشهيد القائد يوسف الشيخ (حمزة) أنه جواد معطاء ينفق في سبيل الله للفقراء والمحتاجين ويؤثر الناس على نفسه.
تذكر زوجته أم محمد موقفًا حين حضرت إحدى النساء تطلب مساعدة لعائلتها الفقيرة، ولكن أم محمد لم تكن تملك نقودًا، وحين أخبرت الشهيد الشيخ حمزة بما حصل ما كان منه إلا أن أخرج ما في جيبه وحزم بعض المؤن من بيته وأرسل زوجته إلى بيت تلك المرأة في جنح الظلام لتعتذر لها وتقدم لها المساعدة.
مشواره الجهادي المشرف
شهيدنا القائد يوسف وهو أب لأربعة أولاد وابنتين من الرعيل الأول لحركة الجهاد الإسلامي في منطقة جنين، في الانتفاضة الأولى كانت بدايته الفاعلة في مواجهات الحجارة ضد جيش الاحتلال فجرح برصاصة في الصدر، لكنها لم تثنه عن مواصلة الجهاد، لاحقًا أصبح واحدًا من مهندسي العبوات الناسفة إذ تم ضبط مجموعة من العبوات الناسفة في بيته عام 1991م أثناء عمله الجهادي في صفوف مجموعات عشاق الشهادة العسكرية التابعة لحركة الجهاد الإسلامي بقيادة الشهيد القائد عصام براهمة.
اعتقل الشهيد يوسف أربع مرات وقضى خلف القضبان الصهيونية ما مجموعه ستة سنوات، لكن بعد اكتشاف الاحتلال لتخطيطه لعدة عمليات استشهادية داخل الكيان الصهيوني وإعادة تفعيل سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في جنين أصبح على رأس قائمة المطلوبين للاحتلال.
في 28 سبتمبر (أيلول) 2002م أقدمت قوات الاحتلال الصهيوني على هدم بيت شهيدنا القائد يوسف المكون من طابقين على محتوياته وتشريد أسرته ما حدا به لاستئجار بيت على مدخل قباطية.
موعد مع الشهادة
ليلة 26 ديسمبر (كانون الأول) 2002م والمطر ينهمر غزيرًا والرد قارسًا والأجواء عاصفة حاصرت قوة عسكرية صهيونية بيت الشهيد الشيخ حمزة وبدأت مكبرات الصوت تعلو منادية عليه بالخروج من البيت وتسليم نفسه، أجبرت القوة الصهيونية عائلة الشهيد الشيخ حمزة على الخروج من المنزل حتى جلسوا على الوحل والمطر ينهمر غزيرًا فوق رؤوسهم، ثم بادروا بإطلاق النيران.
تقول زوجته أم محمد عن تلك اللحظات:" استعد الشهيد يوسف وتحصن في مكان آمن بعيد عن مرمى النيران وأخذ يطلق الرصاص وسرعان ما حضرت سيارات الإسعاف لتنقل جرحى الجيش الذين تعالى صراخهم، رأيت وأولادي أكثر من خمسة جرحى، وأقسم جيراني على وجود قتلى بينهم، فقد غطيت جثتا اثنين منهم بأكياس سوداء ونقلتهم المروحيات".
وأشارت إلى أن قائد الهجوم أجبر العائلة للضغط على الشهيد القائد يوسف من أجل تسليم نفسه، لكنه أبى واستمر في الاشتباك لساعات متواصلة إلى أن أخذت الطائرات تقصف البيت بالقذائف ما أدى إلى اشتعال النيران في جزء منه في وقت كانت فيه الجرافة تقوم بعمليات هدم له إلى أن أخرجوا الشهيد من تحت الأنقاض.
تقدم قائد الهجوم من العائلة المفجوعة بفقد الشهيد القائد يوسف رب الأسرة ومعيلها وقال:" يوسف قاتل أرسل عمليات داخل الكيان الصهيوني وقتل أبرياء، وقد كنا نريده حيًا لنقتله"، لقد عبر هذا القائد الصهيوني عن العقلية الإجرامية لمن يتشدق بالمبادئ الإنسانية ويمثل أمام الدنيا البراءة.
لم يطول الرد
ولم يكن استشهاد الشيخ (حمزة) كما ظن العدو واهناً انه سيشل الحركة وسيقيد يد جناحها العسكري سرايا القدس، بل شكل ارتقائه مرحلة جديدة للعمل المقاوم لسرايا القدس، فجاء الرد حين اقتحم في اليوم التالي الاستشهاديين أحمد الفقيه ومحمد شاهين مغتصبة عتنائيل – جنوب مدينة الخليل – وتمكنوا من قتل 4 صهاينة وأصابوا 7 آخرين.
ثم جاءت عملية الاستشهاديان ربيع زكارنة، وهاني زكارنة التي قتل فيها صهيوني وجرح آخرين وذلك في مستوطنة قاديش قرب جنين بتاريخ 12/1/2003م، رداً على اغتياله ورسالة للعدو الصهيوني أن سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي لا ترضى الضيم ولا تسكت عل حقها مهما طال الزمن.

