الشهيد القائد: يوسف دياب العرعير

الشهيد القائد: يوسف دياب العرعير

تاريخ الميلاد: الأحد 01 يناير 1939

الحالة الإجتماعية: متزوج

المحافظة: غزة

تاريخ الإستشهاد: الإثنين 22 يونيو 1998

الشهيد القائد "يوسف دياب العرعير": حينما يعيش المجاهد لدينه ووطنه

الإعلام الحربي _ خاص

تشرف بكم التاريخ حين ازدانت صفحاته بحضوركم... وأيضا تشرف بكم التاريخ حين ازدادت صفحاته عندما لحقتم بركب من سبقوكم في هذا المضمار، مضمار الشرف والمجد والظفر... تشرف بكم حين صليتم صلاة الوفاء عندما وجهتم وجوهكم لله نحو كعبة الخلود... وتشرف بكم التاريخ حين استقبلتكم القبور من أجل ألا يقبر تاريخ وطنكم وأمتكم... ومن أجل بقاء براءة وطفولة أبناءكم ورجولة آبائكم، من أجل شرف حرائركم.

لقد كان قدر الفلسطيني أن يشغل خط الدفاع الأول عن أمته، وأن يبذل ما في طاقته، بل ما هو فوق طاقته !! حتى لا ينهار سد مأرب، فيجتاح "سيل العرم" الصهيوني كل بقاع العالم العربي والإسلامي، فيهدم أركانه ويطمس عمرانه، ويغمره بالذل والهوان إلى أجيال وأجيال.

وكان لابد أن يسن الفلسطيني عظامه، وأن يفجر جسده في وجوه الغزاة، وأن ينتصب عملاقاً في ساحات المواجهة وإن ترك الآخرون خنادقهم وناموا وقت حراسة الوطن.

(أبا رزق) إن سلاح الشهادة ماضٍ، لأن في مسيرتنا شهداء، وفي قادتنا شهداء نستطيع أن نستمر بفيضهم، بدفعهم بأنفاسهم، بأرواحهم المعطاءة، بوصاياهم، بابتساماتهم، بأصواتهم التي ما زالت تتردد في آذاننا، ولا زلنا نملك رجالاً حاضرين للشهادة، يعشقون الشهادة، فاليوم يزهر الدم القاني.

الميلاد والنشأة
ولد شهيدنا المجاهد يوسف دياب العرعير" أبا رزق" الذي لقبه المجاهدين بالخال في حي الشجاعية بمدينة غزة بتاريخ 1/1/1939م. فعاش طفولته وشباب في كنف أسرة فلسطينية مجاهدة عرفت طريق الحق واستقامت عليه، فكان منها العطاء والبذل في ذروة المحنة، حيث استشهد شقيقه "مصطفى" في العام 1971م ، بعد أن نفذ عدة عمليات جهادية أوجعت العدو الصهيوني وقضت مضاجعه في ذلك الوقت.

عمل الشهيد المجاهد "أبا رزق" في بداية حياته في مهنة الزراعة التي تعتبر مهنة والده والعديد من أفراد أسرته، من ثم عمل في مجال تجارة السلاح، وتزوج شهيدنا من زوجة صابرةً محتسبة فكان ثمرة زواجهما أن رزقهما الله بخمسة أبناء وأربعة بنات.

وينتمي شهيدنا القائد "يوسف" إلى عائلة مجاهدة (عائلة العرعير) تعرف واجبها نحو دينها ووطنها، وتُعرف بانتمائها لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وقد قدمت العديد من أبناءها الأبرار في سبيل الله – تعالى- وعلى طريق تحرير فلسطين، فكان منهم الشهداء: نجله "رزق " 8 سنوات الذي استشهد في السبعينات على أثر انفجار لغم كبير فيه من مخلفات الاحتلال، وشقيقه "مصطفى" والذي استشهد في العام 1971م، حيث كان مميزاً بعمله العسكري في السبعينات ضد الاحتلال الصهيوني، وابن عمه "نبيل" الذي استشهد بتاريخ (26/10/2000م) من خلال تنفيذه عملية استشهادية بدراجة هوائية مفخخة، وكان الاستشهادي الأول في انتفاضة الأقصى، ونجله "ظريف" الذي استشهد مع الشهيد القائد "بشير الدبش" في 5/10/2004م، في قصف صهيوني استهدف السيارة التي كانا يستقلانها، و"بلال" الذي استشهد في معارك التصدي للعدوان الصهيوني على قطاع غزة.

صفاته وعلاقته بالآخرين
تميز الشهيد يوسف العرعير بالتزامه وتدينه، فكان يداوم على الصلاة في المساجد القريبة من منطقة سكناه، كما عُرف شهيدنا المجاهد ببساطته وتواضعه، حيث كان حسن المعاملة مع الصغير والكبير فأحبه الجميع، وكان -رحمه الله- باراً بوالديه واصلاً لرحمه محباً لدينه.

أما عن علاقته بأصدقائه فكانت علاقة ود واحترام ووفاء، كان حريصاً على مجاملتهم ومساعدتهم وعدم التقصير معهم، وكان من أهم أصدقائه الشهيد مصباح الصوري الذي تعرف عليه داخل سجون الاحتلال الصهيوني.

وكان شهيدنا القائد "يوسف العرعير" محباً للمقاومة وداعماً لها، ويبذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيق أهدافها، حيث كان يوفر ما يستطيع من أسلحة ورصاص ومواد متفجرة وكل إمكانيات العمل الجهادي لإخوانه في حركة الجهاد الإسلامي ومن قبلهم فدائي منظمة التحرير الفلسطينية، وكان شديد الحب للسلاح فحرص دائماً على اقتنائه.

مشواره الجهادي
عاش الشهيد المجاهد "يوسف العرعير" محباً لفلسطين ومدافعاً عنها، حيث تشرب حب الجهاد والمقاومة من شقيقه "مصطفى" الذي استشهد في عام 1971م، فواصل المسير بنهم وجد الأمر الذي عرضه للاعتقال على يد قوات الاحتلال الصهيوني لعدة مرات ولفترات طويلة، الأمر الذي ساهم في تعرفه على حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، حيث تعرف على الشهيد مصباح الصوري، من ثم تعرف على المعلم الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، والعديد من قادة العمل الجهادي النواة الأولى لتنظيم حركة الجهاد الإسلامي، من بينهم أبطال معركة حي الشجاعية (سامي الشيخ خليل- محمد الجمل – زهدي قريقع – أحمد حلَّس)، والذي قدم لهم الدعم والمأوى حيث لم يكن قد خرج الشهيد يوسف من السجن إلا منذ أشهر قليلة، إلا أنه لم يكن يبالي من السجن ولا من جبروت الاحتلال، فقد قدم كل ما يملك معرضاً حياته للخطر والموت والاعتقال في سبيل مقارعة أعداء الإسلام، موفراً السلاح والدعم والمأوي لمجموعة شهداء الشجاعية بالرغم من خروجه من السجن بعد فترة اعتقال دامت 8 سنوات إلا أنه خرج أكثر عناداً وإصرار على مواصلة الطريق والتحرير مهما كلف الثمن.

مشاعر الأهل حية متقدة
وفي لقاء جمع "الإعلام الحربي" بعائلة الشهيد يوسف العرعير ، قالت ابنته "أم يوسف": "عشت طفولة حزينة أشبه باليتم بسبب الاعتقال الدائم لوالدي، فلم نكن نسعد برؤيته حتى يتم اعتقاله مرة أخرى، هكذا عاش والدي حياته القصيرة".

وأضافت " لم أكن أعرف الكثير عن طبيعة عمل والدي -رحمه الله- لكن اذكر جيداً أننا استقبلنا في منزلنا خمسة مجاهدين، هربوا من سجن غزة المركزي ولجئوا لوالدي الذي وفر لهم المأوى والمأكل والمشرب والسلاح وسيلة تنقل "، معربةً عن فخرها واعتزازها بالعمل البطولي الذي كان يقوم به والدها ومن بعده شقيقها "ظريف" الذي ارتقى شهيداً في عملية اغتيال جبانة نفذتها طائرات الاحتلال عام 2004م.

وأكملت حديثها :" لازلت اذكر اليوم الذي حضر فيه الشهيد سامي الشيخ خليل وأحمد حلس وزهدي قريقع، ومحمد الجمل ومصباح الصوري إلى البيت، وتحدثوا مع والدي لبضع الوقت وأخبروه أنهم ملاحقين من قبل قوات خاصة ثم خرجوا مسرعين، وما أن وصلوا مسجد "التوحيد" حتى دار اشتباك بينهم وبين الوحدات الخاصة التي استعانت بطائرات وآليات مدرعة اشتركت في المعركة التي استمرت لفجر اليوم التالي"، مؤكدةً أن والدها اعتقل في اليوم الثاني للمعركة وبقي مسجوناً حتى استشهاده في سجون الاحتلال بسبب الإهمال الطبي.

ويسجل للشهيد مشاركته في تنفيذ عدة عمليات مع فدائي منظمة التحرير ، قبل أن يلتحق بصفوف حركة الجهاد الإسلامي، ويكون أحد أهم الأعضاء السرّيين الذين اعتمد عليهم الشهيد المعلم فتحي الشقاقي في توفير السلاح والقنابل العبوات للمجاهدين.

عمل الشهيد يوسف العرعير الذي كان يلقبه المجاهدين بالخال، لم يتوقف عند توفير السلاح والمأوى للمجاهدين، بل تعدى ذلك إلى رصد الأهداف ومشاركة المجاهدين في تنفيذ بعض المهمات الجهادية، التي منها عملية قتل الضابط صهيوني التي نفذها الشهيد مصباح الصوري، وعملية استهداف جيب صهيوني، وإطلاق نار على موقع عسكري صهيوني.

قصة استشهاده
تعرض الشهيد المجاهد يوسف العرعير للتعذيب الشديد في سجون الاحتلال، الأمر الذي أثر بصورة مباشرة على وضعه الصحي، وخاصة أنه كان كبيراً في السن حيث تجاوز عمره الخمسين حين تم اعتقاله في عام 1987م، ورغم ذلك أصر العدو الصهيوني على قتله، بإهمال علاجه وتركه للمرض ينهش جسده دون تقديم أي مساعدة له، وبالرغم من ذلك عاش الشهيد يوسف في سجون الاحتلال رجلاً صابراً محتسباً يقدم العون والخدمة للجميع لأبناء حركته الجهاد الإسلامي ولغيرهم من جميع الفصائل، لم يبخل عليهم بالعلم والخبرة وما فاض الله عليه من خبرة أمنية وعسكرية اكتسبها طوال حياته في مقارعة الاحتلال منذ سبعينيات القرن الماضي، وتزامن اعتقاله في السجن مع اعتقال نجله رزق والذي عاش مع والده متنقلا في سجون الاحتلال، كان يعامل جميع الأسرى بحب واحترام، روحه المرحة رغم سنوات السجن الطويلة والمريرة إلا أن ابتسامته لم تكن تفارق وجهه حتى في ساعاته الأخيرة من الحياة ورغم الألم ومرض القلب الذي عانى منه الكثير إلا أنه ظل قلبه معلقاً بالله وبعدالة قضيته وبإصراره على الحياة.

الشهيد يوسف العرعير كان يشعر أن ساعة الأجل قد اقتربت، وخصوصاً بعد سنوات وهو يعاني من آلام في الصدر والقلب، وبعد إلحاح وتأجيل إجراء العملية الجراحية لسنوات، والاكتفاء بالمسكنات وفحوصات شكلية لا أكثر وزيارة لما يسمى عيادة السجن لا تسمن ولا تغنى من جوع، فقد نجح قبل استشهاده بأسابيع من تنفيذ عملية جراحية قلب مفتوح، ولكن قد فات الأمر وقد استشرى المرض في جسده وأنهكه تماماً، فطالب السلطة الفلسطينية التي كانت تخوض مفاوضات عقيمة مع الاحتلال الضغط على حكومة الاحتلال إطلاق سراحه كي يموت وسط أبناءه وبناته ولكن العدو الصهيوني تعامل مع طلبه بكل صلف وعنجهية حتى كان استشهاده في عام 1998م.

وقد كان يردد الشهيد يوسف العرعير (الخال) للأسرى ومن حوله في الغرفة (( إنهم يريدون قتلي , أنا أعرفهم أكثر منكم ...)).

وفاضت روحه الطاهرة في السجن في يوم 22/6/1998م وهو يعاني من سياسة الإهمال الطبي، والقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.

رحل الشهيد يوسف العرعير عن الحياة جسداً ولكنه بقي روحاً وفكراً مشعاً يتوارثه الجيل تلو الجيل، فكان جهده ودمه نبراس يضيء الطريق لجحافل سرايا القدس التي تعد العدة لأم المعارك التي تحدث عنها قائد لواء المقاومة على أرض فلسطين الدكتور رمضان عبد الله حفظه الله ورعاه.

الشهيد القائد: يوسف دياب العرعير