الشهيد المجاهد "إياد سليمان نغنغية": استشهد مقبلاً غير مدبر في ساحات الوغى
الإعلام الحربي _ خاص
أذن المؤذن، حان وقت الصلاة، بدأ الليل يسدل ستاره على المخيم، وبخطوات سريعة من حي إلى حي، ومن شارع إلى آخر، وبين الأزقة المُظلمة بهمساتٍ خافتة: من هنا! من هنا! وفي تلك اللحظات تخرج أصوات مختلفة بين الأزقة، ومن ظلمة الليل والهدوء القاتل شعرنا كأن شبحًا يجتاح المخيم بكل أحيائه، وعلى مدخل أحد المنازل عجوز كهلة تنتظرنا بباب بيتها، وطفلان صغيران رُسمت على شفتيهما ضحكةٌ بريئة فيها معاني الطفولة والبراءة، وطيف إياد يلاحقنا من مكان لآخر لنجده باستقبالنا إلى جانب العجوز.
الميلاد والنشأة
ولد الشهيد المجاهد إياد سليمان محمد نغنغية بتاريخ 23 فبراير (شباط) 1982م في مخيم جنين لأسرة ملتزمة تعود جذورها إلى بلدة "النغنغية" قضاء حيفا المُهجَّر سكانها منذ العام 1948م.
درس شهيدنا المجاهد إياد حتى الصف الثامن، وترك المدرسة لعدم رغبته في الدراسة، وتوجه للمدرسة الصناعية في جنين، وهناك تعلم حرفة البلاط ولم يكمل عمله بها.
انتسب شهيدنا المجاهد إياد لجهاز الوحدات الخاصة التابعة للأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية بالضفة الغربية، وخضع لتدريب عسكري لمدة 8 أشهر إلى أن حُل الجهاز بسبب اعتراض الصهاينة على مسماه.
تتكون أسرته من خمسة أشقاء من بينهم الشهيد إياد وأربع شقيقات، وقد عاش جميع أفراد العائلة تجربة الاعتقال لدى الاحتلال بعد مداهمات همجية لبيوتهم في المخيم على امتداد الانتفاضتين، فشقيقه عبد العزيز أسر محرر أمضى سنتين ونصفًا، وأحمد أمضى ما مجموعه سنة ونصف، ومحمد أمضى ما مجموعه 6 سنوات.
صفاته وأخلاقه
بصبر الأم المؤمنة الراضية بقضاء الله وقدره تحدثت الحاجة صبحية عن صفات نجلها ومهجة قلبها الشهيد البار إياد وتقول:" إياد كثير الحركة، شجاع لم يهب الموت، يلاحق الجيش أينما وجد، ملتزم بصلاته في المسجد، ولديه قدرة كبيرة على الإقناع، ملتزم بصيام يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، تأثر بالفكر المقاوم، مؤثر، ضحوك، له علاقات اجتماعية واسعة كما حظي بحب الجميع".
مشواره الجهادي
حاله كحال أي شابٍ محب لوطنه وأرضه، بدأ مشواره مع انطلاق الشرارة الأولى لانتفاضة الأقصى برشق الحجارة على حاجز الجلمة شمال مدينة جنين إلى جانب مجموعة من الشبان الفلسطينيين الثائرين ضد العدو الصهيوني الذي بدأ اجتياح واقتحام المدن الفلسطينية، وهناك أصيب شهيدنا الفارس إياد برصاصة في رقبته لينجو من الموت بأعجوبة، وبعد شفائه من الإصابة لم يكل ولم يمل، وعاد ليقاوم الاحتلال بعد شرائه لقطعة سلاح من نوع (m16) على حسابه الشخصي بعد أن عقد النية لتنفيذ عملية استشهادية.
لازم شهيدنا المقدام إياد رفيق دربه في الجهاد والمقاومة الشهيد المجاهد أسامة نغنغية ابن سرايا القدس الذي استشهد في منطقة الالتفافي شرق جنين، وذكرت والدته أنه اعتاد الخروج للاشتباك مع الجيش الصهيوني برفقة الشهيد المجاهد أسامة، وليلة استشهاد أسامة فقد صوابه عندما سمع بالخبر، وصار يردد: متى ذهب؟ ولم لم يخبرني بذلك؟ ومنذ ذلك اليوم زادت مواجهة شهيدنا المقدام إياد للاحتلال إلى جانب العديد من فصائل العمل المقاوم من بينهم الشهيد المجاهد إبراهيم الفايد من كتائب القسام والذي استشهد مع شهيدنا المجاهد إياد في مكان واحد وبقذيفة واحدة.
موعد مع الشهادة
في معركة استمرت أربع ساعات من المواجهات العنيفة غير المتكافئة: أربع دبابات صهيونية أمام بطلين يحملان سلاحًا آليًا متواضعًا، صبيحة يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001م استيقظ شهيدنا الفارس إياد وتناول فطوره، وجاءه اتصال يفيد بأن الدبابات الصهيونية تتمركز على أطراف مخيم جنين، فحمل سلاحه وجهز نفسه وخرج مسرعًا إلى هناك.
وصل قبل الظهر ودار اشتباك عنيف بين الشهيد الفارس إياد ورفيق دربه الشهيد المجاهد إبراهيم الفايد مع العدو، وتمكنا من الصعود على ظهر إحدى الدبابات في محاولة للحصول على الرشاش والعتاد الموجود عليها، ولكن الدبابة التي كانت متمركزة في منطقة حرش السعادة المقابلة لمنطقة الجابريات بدأت بإطلاق النار عليهما وعلى الدبابة، وقصفتها بقذيفة صوت أدت إلى تحرير طاقم الدبابة، وبدأ الناس يتناولون خبر استشهاد المجاهدين إياد وإبراهيم، ولكنهم لم يستشهدا في حينها.
عاد شهيدنا المجاهد إياد ورفيقه الشهيد المجاهد إبراهيم إلى بيت الشهيد المجاهد إياد، ثم توجها إلى منطقة مقبرة الشهداء بالمخيم وأديا صلاة العصر، وتوجها إلى منطقة وادي برقين المحاذية لحرش السعادة حيث تمركزت آنذاك دبابات الاحتلال، وبدآ بإطلاق النار على الجيش، ما دفع الجيش لتحريك آلياته باتجاه مدرسة الوكالة وهناك دار الاشتباك بين الشهيدين وقوات الاحتلال لمدة 4 ساعات، فجاء للشهيدين خبر مفاده إصابة أحد المقاومين في المدرسة، فحاولا تجاوز ساتر ترابي ليدخلا لإنقاذه فباغتتهم قوات الاحتلال بقصف الساتر الترابي بسبعة قذائف مضادة للأفراد ما أدى إلى استشهادهما على الفور.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحاجة صبحية تبحث عن نجلها إلى جانب نجلها الأكبر؛ كان شهيدنا المجاهد إياد يخوض معركة شرسة مع الاحتلال لتستقبل الأم خبر استشهاده، وقد لحقت به إلى مستشفى جنين الحكومي، وهناك وقفت فوق رأسه وقالت له:" حققت أمنيتك يا ولدي؟ روح الله يرضى عليك".
بكلمات من الرضا والتسليم ودعت الحاجة فلذة كبدها الشهيد المقدام إياد مسلمة أمرها لله وحده الذي ينزل الصبر على أصحاب المصيبة لتُسجل الأيام بصمة في تاريخ مخيم جنين وأبطاله الذين لقنوا الاحتلال أعظم الدروس.

