الاستشهادي المجاهد "يوسف محمد الزغير": حكاية فارس جسّد كل معاني التضحية والفداء
الإعلام الحربي _ خاص
كان الطريق إلى القدس ملبدًا بالموت، كيف لا واليهود يزرعون الخوف في كل حاجز ويلقون بالناس على قارعة الطريق أجسادًا بلا أروح، لذا آثر الشهيد المجاهد يوسف محمد الزغير الذهاب نحو المدينة المقدسة ليجعل دمه وقودًا يشعل النار في جسد الاحتلال الذي يأسر المدينة ويحول دون زيارتها.
الميلاد والنشأة
ولد الشهيد المجاهد يوسف محمد الزغير في مخيم شعفاط القريب من عناتا، وذلك في 10 فبراير (شباط) 1977م، وهو الثامن بين إخوته.
نشأ الشهيد المجاهد يوسف وسط عائلة متدينة محافظة، وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الأونروا داخل المخيم إلى أن وصل إلى الأول الثانوي حيث انتقل إلى المدرسة الرشيدية في القدس، وقد سجن ذلك العام لأول مرة بتهمة حرق سيارة صهيونية وذلك في عام 1993م، ولم يتجاوز عمره حينها الخامسة عشرة.
صفاته وأخلاقه
عُرف عن الشهيد المقدام يوسف أنه هادئ، متواضع، طاهر، عنيف ضد الظلم، متسامح في الخير، محب للآخرين، ومحبوب من قبل الجميع، هذا فضلاً عن التزامه بتعاليم الدين العظيم، شديد الذكاء، وقد بدت عليه علامات النباهة منذ الصغر، وشهدت له بذلك معدلاته المرتفعة التي حصل عليها، ودرجات الشرف التي نالها من المدرسة.
يقول ذووه إنه خلوق يتكلم برزانة وأدب، وإجاباته عن الأسئلة تبهر الجميع، وبرغم صغر سنه فإنه ألقى خطب الجمعة في سجون الاحتلال الغاشم، ومما يعرف عنه أنه لم يغضب أحدًا قط خاصة أمه وأباه.
مشواره الجهادي
بدأت انتفاضة الحجارة عام 1987م قبل أن يشتد عود شهيدنا المجاهد يوسف إلا أنه لم يتوان في الخروج مع الشباب الثائر لرمي الحجارة وإشعال الإطارات المطاطية لإثارة اليهود، ثم عندما كبر قليلاً انضم إلى حركة الجهاد الإسلامي للقيام بمجابهة الاحتلال الصهيوني الغاشم.
عُرف عن الشهيد المجاهد يوسف أنه من نشطاء الانتفاضة؛ فقد اشتهر بإلقاء زجاجات حارقة على الجيبات الصهيونية، واستطاع حرق بعضها أحيانًا، واعتقل في المرة الأولى حينما راح يحرق سيارة صهيونية في حي يهودي بالقدس وعمره لم يتجاوز الخامسة عشرة، ومكث في السجن 8 أشهر، وذلك لصغر سنه، مع أن الحكم الذي صدر بحقه آنذاك عام ونصف.
عُهد شهيدنا المقدام يوسف مولعًا بالشهادة منذ صغره دائم الحديث عنها وعن فضائلها، وقد شاء القدر أن يتعرف شهيدنا المجاهد يوسف في السجن في المرة الثانية على الشهيد المجاهد سليمان طحاينة ذلك الشهيد الفارس الصامت ذو الوجه الوضاء بنور الإيمان والقلب الرقيق، والعقل الحكيم الذي أحبه الجميع، هذا هو الشهيد المجاهد سليمان طحاينة الذي وجد شبيهه في السجن، فمن أول مرة رآه فيها صمم شهيدنا الفارس سليمان أن يخترق قلب شهيدنا الفارس يوسف، ومنذ ذلك الحين أصبح رفيق دربه العلمي والجهادي، يشار إلى أن شهيدنا الفارس سليمان طحاينة تزوج من شقيقة الشهيد المجاهد يوسف الزغير.
لذلك كله لم يستطع الاثنان الابتعاد عن بعضهما بعضا، وعقدا النية على الإخلاص لله، ولقائه معًا ليحيا الاثنان حياة طيبة في ظل جنات النعيم، فرغم التهديدات والمؤتمرات التي عقدت قال الشهيد المجاهد سليمان في وصيته: إنه لا كلينتون ولا نتنياهو ولا مؤتمر واي بلانتيشن يستطيعون أن يمنعونا من لقاء ربنا، وقد رفع شعار «الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين» (الزخرف 67).
موعد مع الشهادة
قضى شهيدنا الفارس يوسف ليلة 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1998م سامرًا مع عائلته، وبدا طبيعيًا جدًا حيث اندمج بالحديث معهم، سألوه يومها عن مواضيع فقهية فأجابهم وهو واثق بالله، ثم بنفسه، ولم تبد عليه أي علامات توتر، ثم قام الليل حتى خرج في الصباح دون أن تعلم عائلته أين قبلته.
ورغم إجراءات الاحتلال الأمنية المشددة في مدن الضفة الغربية إلا أن شهيدنا الفارس يوسف حمل في صبيحة يوم الجمعة راية مصعب بن عمير ولواء حمزة بن عبد المطلب وسيف أبي دجانة واتجه بصحبة رفيقه الشهيد الفارس سليمان طحاينة صوب القدس تلك الأرض الطيبة مجتازًا الحاجز تلو الآخر برعاية الله وعنايته وتوفيقه، وهو يرتل آيات الذكر الحكيم حتى وصل إلى سوق (محنيه يهودا) المزدحمة بالصهاينة الأشرار، وسار بسيارته بينهم ليتحين اللحظة المناسبة ويوقع أكبر قدر من الخسائر في صفوف الأعداء، ووجد شهيدنا يوسف الشارع الذي سار فيه مقفلاً في نهايته فرجع مرة أخرى، وكانت السوق مليئة برجال الأمن الصهاينة الذين شكوا في السيارة، حينها طالب رجال الأمن الصهاينة من اليهود المتواجدين في السوق بمغادرة المكان بأسرع وقت، وهنا ترجل شهيدنا المجاهد يوسف من السيارة يركض خلفهم وهو يحمل في وسطه الحزام الناسف ودخل بين الصهاينة المذعورين وقد تم إطلاق الرصاص عليه قبل أن ينفجر الحزام الناسف، وهكذا نال الشهادة التي طالما تمناها الشهيد المقدام يوسف الزغير في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 1998م.
ومن الجدير ذكره أن قوات الاحتلال الصهيوني قامت باحتجاز جثماني الشهيدين المجاهدين يوسف الزغير وسليمان طحاينة في مقبرة الأرقام الصهيونية ولمدة ثلاثة أعوام وقد أفرج عنهما في وقفة عيد الأضحى بالعام 2002م.

