الشهيد القائد "أحمد عمر حلس": أحد أبطال معركة الشجاعية
الإعلام الحربي _ خاص
كان مساء يوم السادس من أكتوبر (تشرين الأول) لعام 1987م يوماً مميزاً في تاريخ القضية الفلسطينية لكونه يصادف ذكرى معركة الشجاعية بين طلائع الجهاد الإسلامي وبين جنود الاحتلال الصهيوني.
ففي مساء ذلك اليوم الخالد رسم الأبطال بدمهم القاني تاريخ أمة بأسرها، وأمام مسجد التوفيق التقى الجمعان جمع الحق والإيمان من جهة وجمع الباطل والطاغوت من جهة أخرى، فدارت معركة عنيفة سقط فيها أربعة من أقمار فلسطين هم (الشهيد أحمد حلس، والشهيد سامي الشيخ خليل، والشهيد محمد الجمل، والشهيد زهدي قريقع).
الميلاد والنشأة
ولد شهيدنا القائد أحمد عمر حلس (أبو عمر) في العام 1961م في حي الشجاعية التي عاش فيها طفولته وتشبع من والديه بتعاليم الإسلام الحنيف، وتقاسم مع شقيقه الشهيد ناصر الذي استشهد أثناء محاولته إنقاذ بعض الجرحى في أحد اجتياحات حي الشجاعية.
وبفضل هذه التربية نشأ فارسنا وهو يحمل السمات الجميلة التي أوصى بها الإسلام العظيم فاهتم أحمد بالتعليم، حيث درس المرحلة الابتدائية بمدرسة حطين، والمرحلة الإعدادية بمدرسة الهاشمية، ثم أنهى دراسة المرحلة الثانوية من مدرسة فلسطين ليلتحق بكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية في غزة حيث ظهر من الطلبة المتميزين في دراستهم والمميزين بأخلاقهم العالية الرفيعة.
صفاته وأخلاقه
في ضيافة أسرة الشهيد القائد أحمد في بيته البسيط الذي لا زالت ذكرياته ماثلة فيه تؤنس وحدة والدته الحاجة أم أحمد التي اعتلت جبهتها ابتسامة عند استقبالنا اخفت ما يجول في صدرها من حزن وألم دفين، قائلةً بصوت خافت:" لقد تمنى نجلي أحمد الشهادة وعمل لأجل أن ينالها.
وتابعت الوالدة الصابرة قولها مستذكرة اللحظات الأخيرة من حياة نجلها أحمد:" كانت الأيام الأخيرة من حياته لافتة للنظر، فكثيراً ما كان يتحدث عن الشهادة والجهاد في سبيل الله"، مرددةً كلمات الحمد والثناء والإيمان بقضاء الله وقدره وحتمية زوال هذا الكيان المغتصب لأرضنا ومقدساتنا.
في حين بدت زوجته أم أحمد صابرة محتسبة ولسانها حالها لا يتوقف عن الحديث عن أمنيات زوجها بالشهادة وحبه لفلسطين واستعداده الصادق للتضحية من أجل إعلاء كلمة الإسلام ونصرة المظلمين.
وقالت الزوجة الصابرة بقلب يعتصره الألم:" لقد عشت مع زوجي أحمد عاماً ونصفاً من أجمل سنوات عمري، فقد كان يحفظ 21 جزءًا من القرآن الكريم وكان صوته جميلاً في تلاوة القرآن".
وحول أهم الصفات التي كان يتمتع بها الشهيد أحمد قالت زوجته:" ببساطة لم يكن أحمد ممن يجود الزمن بالكثيرين من أمثالهم، فعند استشهاده أدركت معنى الغياب وعلمت حينها أن شيئاً ثميناً قد ذهب إلى غير رجعة"، مشيدة بما كان يتميز به الشهيد من أخلاق عالية والتزام منقطع النظير بتعاليم الدين الحنيف، مؤكدةً أن فلسطين والأمة الإسلامية اليوم بحاجة إلى غيور محب لدينه ووطنه كأحمد ورفاقه الشهداء الأطهار.
مشواره الجهادي
الشهيد القائد أحمد أحب الجهاد منذ صباه، فؤاده ينبض بالمقاومة ضد العدو المحتل ففي أحد الأيام كان يسير في أحد شوارع الشجاعية، فنظر إلى الضابط الصهيوني نظرة حادة وهز رأسه مما أشعل غيظ الضابط الصهيوني الذي نزل من الجيب العسكري وضربه ضرباً مبرحاً رغم صغر سنه.
عرف عن الشهيد أحمد صلته الوثيقة بالشهيد الدكتور فتحي الشقاقي حيث رافقه في الكثير من الندوات الفكرية التي عقدها الأخير في مساجد قطاع غزة، فالإصرار والتفاني والإخلاص معالم بارزة في شخصية الشهيد أحمد حلس حيث تراه في كافة المواقع رجلاً معطاء لا يبخل على دينه وشعبه بالجهد والوقت والمال.
يشار إلى أن الشهيد القائد أحمد قد شارك في إيواء المجاهدين الأطهار بعد هروبهم من سجن غزة المركزي وعمل على توفير السلاح لهم وتأمين الطرق وأماكن تنقلهم لتنفيذ المهمات الجهادية.
تعرض الشهيد أحمد خلال مسيرة حياته الجهادية لمحنة الاعتقال مرتين ولفترات محدودة، بالإضافة إلى ما تعرضت له عائلته من شتى أصناف الضغط والتضييق والتعذيب، وقد تمت مداهمة منزله عشرات المرات، واعتقل والده وشقيقه وتم تعذيبهما، ودمر منزله بعيد استشهاده، وتوفي والده حزناً وكمداً على فراقه بعد فترة من استشهاده.
موعد مع الشهادة
في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1987م كان الشهيد أحمد ورفاقه الشهداء: زهدي قريقع، ومحمد الجمل، وسامي الشيخ خليل، وغيرهم ممن لم يكتب لهم الشهادة يتنقلون في سيارتين من أجل تنفيذ مهمة جهادية، وكان العدو الصهيوني قد نصب لهم كميناً قبالة مسجد التوفيق بالشجاعية حيث تركوا السيارة الأولى تمر دون اعتراض وعندما وصلت السيارة الثانية اعترضوها حيث قام ضابط مخابرات صهيوني (فيكتور أرغوان) وطلب من الشهيد سامي الشيخ خليل تسليم نفسه، لكن الشهيد سامي أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً، فدارت معركة عنيفة استمرت بين المجاهدين بإمكاناتهم البسيطة وقوات الاحتلال الصهيوني التي استعانت بطائرات عسكرية وبعربات مدرعة، ما أدى إلى استشهاد الأقمار الأربعة (زهدي قريقع، ومحمد الجمل، وسامي الشيخ خليل، وأحمد حلس).
وقد سمح الاحتلال بعد يوم من استشهادهم لعدد محدود من عائلتهم بدفنهم تحت حراسة مشددة، لكن الله كرم الشهداء بأن جعل سرباً من الحمام يطوف فوق قبورهم في مشهد أثار الجنود الصهاينة الذين تسألوا عن سبب تحليق هذه الطيور، فجاء الجواب من أحد المشاركين في دفن الشهداء: إنها كرامة من الله لهم.

