واحة الخالدين/ الشهداء القادة/ الشهيد القائد: مصباح حسن الصوري
الشهيد القائد
مصباح حسن الصوري
تاريخ الميلاد: الجمعة 01 يناير 1954
تاريخ الاستشهاد: الخميس 01 أكتوبر 1987
المحافظة: الوسطى
الحالة الاجتماعية: متزوج
سيرة

الشهيد القائد "مصباح حسن الصوري": خضّب بدمه جدران سجن غزة المركزي

الإعلام الحربي _ خاص

كان استشهاد مصباح ورفاقه بمثابة الفتيل الذي أشعل الانتفاضة المباركة كما ثورة القسام التي أشعلت ثورة 1936م، فعلى الرغم من السنين العديدة التي مرت على استشهادهم لازال حي الشجاعية شاهدًا على انطلاقة الشهداء الخمسة وكل فلسطين التي فرحت بهروبهم من سجن غزة المركزي وعاشت أجواء الانتصارات التي حققها الشهداء ضد بني صهيون رغم عمرهم القصير على هذه البسيطة.

الميلاد والنشأة

ولد الشهيد القائد مصباح حسن الصوري بمخيم المغازي للاجئين في العام 1954م حيث المعاناة والتشرد وسوء المسكن وانعدام متطلبات الحياة، لأسرة فلسطينية مؤمنة بالله، تعود جذورها إلى بلدة "أسدود" التي هجّر أهلها منها عنوة في العام 1948م.

عاش شهيدنا القائد مصباح كما كل فلسطيني على وقع المجازر الصهيونية والنكبات، ليرى بأم عينيه جنود الاحتلال الصهيوني الذين اغتصبوا أرضه وطردوا أهله، وهم يرتكبون المزيد من جرائم القتل والتهجير بقصفهم الهمجي لمخيمات اللاجئين في يونيو (حزيران) 1967م، والاستيلاء على ما تبقى من فلسطين بالإضافة إلى سيناء والجولان، لتتبلور في ذهنه فكرة العمل الفدائي المقاوم للاحتلال والرغبة في الثأر والانتقام من العدو الصهيوني المتغطرس.

صفاته وأخلاقه

تميز شهيدنا القائد مصباح برفعة أخلاقه النبيلة وسيرته العطرة وصفاء قلبه وحسن معاملته وطاعته لوالديه، فكان رحمه الله مؤدباً ملتزماً، فزاده حفظ كتاب الله التزاماً وتأديباً، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال:" إن الله بهذا القرآن يرفع أقواماً ويضع به آخرين" كما روى الإمام مسلم.

ويصفه أبو الوليد أحد من عاشروه قائلا ً:" لقد عاش الشهيد مصباح في عصرنا حياة الصحابة الأطهار، كان رحمه الله مثالاً للرجل المؤمن المجاهد الخلوق المتسامح الشجاع الفذ الواعي صاحب الكرامات التي لا تعد ولا تحصى".

وتابع أبو الوليد:" لقد تمنى كل من عاصروه ورفاقه من الشباب المؤمن المجاهد أن يلقوا الله معه شهداء على طريق ذات الشوكة".

مشواره الجهادي

ما إن بلغ شهيدنا القائد مصباح الحلم، حتى التحق بقوات التحرير الشعبية، حيث شارك وقتها في تنفيذ العديد من العمليات البطولية، وأصيب  في إحداها برصاصة في أعصاب يديه اليسرى سببت له شللاً جزئياً، وقد اعتقل في تلك العملية وحكم عليه بالسجن ثلاثين عاماً، لينتهي فصل من حياة ذلك الإنسان المكافح ويبدأ فصل آخر بين جدران السجن الرهيب.

وتمكن شهيدنا مصباح أثناء فترة اعتقاله من إتمام حفظ القرآن الكريم حفظاً متقناً كأحسن ما يكون الحفظ، فتراه  يتلو سورة البقرة كما يتلو أحدنا الفاتحة بلا سهو أو خطأ أو توقف وفي وقت سريع بدرجة كبيرة نسبياً، كما كان رحمه الله يعلم الواجب المترتب على حفظ كتاب الله، فكان سلوكه سلوك المسلم التقي المجاهد، فتراه مراجعاً لكتاب الله، سواء بالصلاة أو بالقراءة من المصحف الشريف، كما حرص على عدم إضاعة الوقت وهدره فكان يستغله أطيب استغلال وأحسنه، حيث كان  يطالع الصحف الصهيونية والانجليزية أثناء تناوله لوجبة الطعام أو الشراب حتى لا يضيع وقتاً في الطعام والشراب لإيمانه القوي بأهمية الوقت حتى وهو داخل زنازين الاحتلال.

اعتقل الشهيد الصوري في الفترة الذي كانت فيه السجون والزنازين أسوأ ما تكون من الازدحام، حيث يتكدس فيها الأسرى الأبطال بلا غطاء ولا ملابس إلا مما يستر البدن، ويحصلون على قليل من الطعام الذي تعافه النفس الإنسانية، إضافة إلى سوء تهوية السجون وعدم نظافتها، ناهيك عما يتلقاه الأسرى من إهانات يومية من المحققين والسجانين، غير أن ذلك لم يؤثر في روح مصباح العالية ولا على إيمانه وإصراره على مواصلة الطريق.

في تلك الفترة العصيبة من نضال الأسرى الأبطال شارك شهيدنا مصباح في إضراب الأسرى الذي استمر لمدة أسبوع، حتى أقدمت إدارة سجن "كفار يونا" على قمع الأسرى ونقلتهم إلى سجن بئر السبع، حيث اطلع  شهيدنا مصباح في ذلك الوقت على الدراسات الإسلامية وفكر الإسلام الثابت والواضح في مواجهة أعداء الله، فتعرف على حركة الجهاد الإسلامي، فانطلق شهيدنا مصباح ومن معه بالدعوة إلى الجهاد والتنظير والحث عليه في كل المناسبات.

رغم انشغال شهيدنا مصباح بكتاب الله تعبداً وحفظاً، واستغلاله لوقته أحسن استغلال إلا أنه لم يكن ليترك التفكير في الحرية والسعي لها لا للراحة أو متاع حياة الدنيا، بل لأن السجن يمنعه من شيء يملأ عليه حياته وهو الجهاد في سبيل الله بكل معانيه.

وحاول الشهيد مصباح خلال فترة اعتقاله في سجن بئر السبع الهرب من السجن أكثر من مرة، وقد اكتشفت شرطة سجن الاحتلال المحاولتين وأودع الشهيد مصباح في السجن الانفرادي لمدة شهرين إلى أن جاء تبادل سنة 1985م الشهير وكتب لمصباح السلامة ونيل الحرية.

قبل الإفراج عن شهيدنا مصباح توفى والده في حادث طرق مروع بالقرب من وادي غزة، غير أن موت والده لم يمنعه من السعي إلى هدفه الوحيد وهو الجهاد في سبيل الله، ليعتقل مرة ثانية مع إخوانه من حركة الجهاد الإسلامي ليبدأ شهيدنا التفكير في الهروب لمواصلة الجهاد، فلم يكتب له بداية النجاح رغم محاولته الجادة، ليتمكن في المرة الرابعة من بلوغ مرامه والهروب من سجن غزة المركزي "السرايا" في عملية هروب ناجحة لا يجد فيها عقل الإنسان تفسيراً، غير أنها توفيق كامل من الله عز وجل، وقد هيأ الله لنجاح خطته أسبابا لعلمه تعالى بصدق نوايا الشهيد مصباح وإخوانه المجاهدين، فكان لعملية الهروب أثر عميق ومبهج وسار للشعب الفلسطيني وخاصة أن سجون الاحتلال تخضع لتحصينات مشددة ومعقدة، كما كان لهروبه هو وزملائه الأثر الخطير على الكيان الصهيوني، خاصة أن أحد الناجين كان محرراً وآخر كان له اشتراك في عملية طعن صهاينة، ويمكن القول إن عملية الهروب الجريئة وما تلاها من عمليات على يد مجموعة الشهيد الصوري كانت البداية الحقيقية الأولى للانتفاضة الأولى.

ورفض الشهيد مصباح وإخوانه بعد عملية الهروب الشهيرة أن ينجوا بأنفسهم ويتنفسوا الصعداء، فأنّى للمجاهد أن يعرف الراحة قبل لقاء الله وهو قد عاهد ربه على الجهاد، فينطلق الشهيد مصباح وإخوانه المجاهدون لينفذوا أروع العمليات البطولية التي أثارت الرعب والخوف والهلع في نفوس الصهاينة.

استطاع الشهيد القائد مصباح الصوري في تاريخ 25 أيار/مايو 1987م، وذلك بعد أيام من عملية الهروب الكبير من سجن غزة المركزي، قتل ضابط المخابرات الصهيوني «غاليلي غروسي» على مفترق ناحل عوز شرق الشجاعية بعد محاولة لأسره.

وانشغل الشهيد القائد مصباح في ذلك الوقت في البحث عن السلاح من أجل قتال أعداء الله ورهن ذهب زوجته وتمكن من شراء السلاح، وحاول الانتقال إلى سيناء لشراء السلاح، إلا أن الاحتلال اعتقله بعد أن أصيب بعيارات نارية في أنحاء متفرقة من جسده، فاستشهد رفيقه الشهيد المجاهد محمد أبو عبيد على الفور ونقل شهيدنا المجاهد مصباح إلى السجن بل ذهب حقد العدو الصهيوني إلى حد نسف بيت أسرة الشهيد مصباح المكون من سبع غرف وهم متأكدون أنه لم ينم فيه ليلة واحدة بعد هروبه من السجن، لكنه الحقد الصهيوني الأسود على ذلك البطل.

موعد مع الشهادة

نقل الشهيد مصباح إلى أقبية التحقيق وهو ينزف حيث تعرض للضرب بوحشية لكي يعترف للمخابرات الصهيونية عن مكان إخوانه الذين هربوا معه من السجن، لكنه أبى وفضل الاستشهاد في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 1987م تحت التعذيب الشديد على أن يدلي بمعلومة تدل على مكان إخوانه، ليلقى الله مقبلا غير مدبر كما تمنى وسعى، فهنيئاً لك أيها القائد البطل هذا الاصطفاء والاختيار الرباني فأنت بحق النموذج الذي يحتذى به.