الشهيد المجاهد "حسين أحمد وادي": الاحتلال اغتال فرحته وبدّد أحلام أسرته!!
الإعلام الحربي _ خاص
كانت فرحته الغامرة عند سماعه نبأ حمل زوجه لا يمكن وصفها، فطالما جلس بالقرب من رفيقة عمره يداعب طفله بكلمات رقيقة، فتارة يحدثه عن الألعاب والحلوى التي سيشتريها له، وتارة أخرى يحذره من إزعاج والدته ومضايقتها أثناء نومها أو أثناء تناولها الطعام خشيةً على وضعها الصحي.. فكثيراً ما كان يراقب حركة الجنين داخل رحم زوجه وقلبه يتهلّل فرحاً، بانتظار لحظة ميلاد مُهجة قلبه، فيما كانت زوجهُ تخفف من لوعة انتظاره كلما مر شهر على قرب ميلاد الحبيب.
لم يتخيل الشهيد حسين وادي "27عاماً" أن شيئا ما سيحدث ليحول دون رؤيته لقرة عينه الذي اقتربت ساعة ميلاده، وأن طفله الصغير "أحمد" سيأتي لهذه الحياة ليتعلق بصورة احتلت لها مكاناً في جدران منزلهم الصغير قبل أن تسكن قلبه الكبير.. لكنه القدر المحتوم، عندما جاءه اتصال بضرورة قطع إجازته وعودته فوراً إلى العمل في جهاز الشرطة للضرورة صباح يوم السبت الموافق 27/12/2008م.
لم يكن حسين يعلم ما تخبئه السماء الملبّدة بالدخان الأسود من أمر جلل سيقلب حياته رأسا على عقب، وسيحوله في لحظة إلى مجرد حلم وذكريات تغص القلب بالدمع كلما جالت بخاطر من عاش معه رحلة عمره القصير، حيث اغتالته طائرات الاحتلال الصهيوني في الضربة الأولى التي استهدفت المقرات العسكرية، ضمن العملية العسكرية التي أُطلق عليها "الرصاص المصبوب" ليسقط ما يزيد عن ثلاثمائة شهيداً ويصاب أكثر من ثمانمائة آخرين بجروح مختلفة.
الاحتلال.. بدد أحلامنا
وتقول زوجته التي تصر على تربية وإعداد طفلهما "أحمد" كما كان يحب والده: "لقد بدد الاحتلال كل أحلامي التي عشتها مع زوجي في انتظار المولود البكر، فعندما اغتالت طائرات الاحتلال زوجي اغتالت فرحتنا، وكل شيء جميل في حياتنا". متذكرة اللحظات الجميلة التي عاشتها مع الشهيد "حسين"، الذي منذ أن علم بحمل زوجته بدأ يجهز لطفله الألعاب والملابس والسرير الذي سينام عليه.
وتضيف "أم أحمد" وعيونها قد أغرقت بالدمع بصوت شاحب حزين: "إن ما يزيد من حزني وألمي أنه رحل مع الخالدين قبل أن يسمع من طفله الكلمة التي كان ينتظرها بشوق وشغف كل لحظة.. (بابا)، لكنه قدر الله أن نعيش على هذه الأرض المباركة لنذود عنها بأرواحنا ودمائنا وأشلائنا وكل غالٍ ونفيس من أجل إعلاء كلمته ونصرة دينه".
وتابعت بعد لحظات من الصمت عادت فيها إلى الزمن الجميل رغم الفترة القصيرة التي عاشتها معه: "لقد كان -رحمه الله- مميزاً جداً بطيبة قلبه وعطائه الزاخر، وأخلاقه العالية الرفيعة وعمله الدءوب لخدمة دينه وقضيته، لدرجة أنني كثيراً ما كنت أشفق عليه لانهماكه في العمل".
الجنة موعدنا
وحين سؤالها عن مشاعرها عندما تلقت نبأ استشهاده أجابت: "كان في ذلك اليوم مجازا، إلا أن قيادته في العمل استدعته للضرورة، فخرج كعادته بعد أن وجّه لي رسالة الحب المعتادة، لكنه عند وصوله للباب رمقني بنظرة خاطفة وابتسامة رقيقة على غير عادته لا زالت عالقة في ذهني، ما هي إلا بضع ساعات حتى بدأت الضربة الجوية للمواقع العسكرية ودبّ الخوف والقلق في قلبي، بعدما حاولت الاتصال به ولم يجب، فدعوت الله أن ينجيه وإخوانه من تلك الغارات، لكن قدّر الله وما شاء فعل". مشيرةً إلى أنها لم تفاجأ -كما الجميع- باستشهاد حسين؛ لأنه دوماً كان يذكرها بالشهادة ويحدثها عن رفاقه الشهداء الذين سبقوه، وعن رغبته الجامحة باللحاق بهم، قائلاً لها: "إن الجنة موعدنا، إن شاء الله"..
وأضافت: "كان الشعور باستشهاده يراودني ليل نهار، حتى أنني كنت أتصوره وهو على نفس الصورة التي رأيته عليها يوم استشهاده، لكنني لم أكن أفصح له عن إحساسي هذا"، مشددةً على ضرورة مواصلة الطريق والنهج الذي سار عليه الشهيد حسين حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.
ميلاده بشر وسرور
أما والده الحاج أحمد "أبو حسين" فتحدث عن لحظة ميلاد ابنه بصوت امتزجت فيه حرارة الشوق ومرارة الفراق، قائلاً: "لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي بشرت به وكل أسرتي بقدومه، فعمت الفرحة ديارنا بقدومه، بعدما سكنها الحزن والأسى على فراق جده "حسين" الذي توفى إثر حادث سير مؤسف، فجاء بزوغ ميلاده في اليوم الذي صفحنا فيه عن العائلة التي دهس ابنها والدنا"، مؤكداً أن جدة الشهيد حسين رحمها الله كانت متعلقة جداً بطفله "حسين" الذي كانت تراه هدية من المولى لها جزاء صبرها واحتسابها وفاة زوجها.
ويضيف والده: "كان محبوبا من الجميع، وكانت علاقته مميزة بمن هم أكبر منه في السن، حيث تأثر بتربيته من جدته التي عاش في كنفها سنوات عمره الأولى، ما أكسبه مزيداً من الحكمة والصبر وكثيرا من الصفات التي ميّزته عن أقرانه وأبناء جيله"، مشيراً إلى أن الشهيد كان يتميز منذ طفولته برجاحة العقل وسعة الفكر، والصمت والتدبر، كما تقول والدته "أم حسين": "لم يكن كبقية أبناء جيله، يلعب ويجري ويلهو هنا وهناك، ولكن كان يتخير طريقة اللعب واللهو، وكان -رحمه الله- برغم ذلك مقربا ممن هم أكبر منه سنا".
وعن بره بوالديه قالت "أم حسين": "كانت تربطنا علاقة مميزة قائمة على الحب والاحترام والتقدير والتبجيل والإيثار، فقد كان يحرص على إرضاء والده ورسم البسمة على وجوهنا في كل وقت وفي أي مناسبة، كما ساهم بصورة كبيرة في تلبية جميع رغباتنا ومتطلباتنا حتى على حساب نفسه، وذلك لأنه تربى تربية صالحة نابعة من أصول الدين الإسلامي القويم".
وتواصل وهي تحاول أن تمنع دمعة اشتياق أن تسيل: "كان -رحمه الله- نموذجا فريدا للشاب المؤمن الملتزم والابن الصالح البار، لقد رحل بعد أن ترك إرثا كبيرا من المواقف الجميلة التي كان يرسمها داخل البيت".
وتتابع والدموع تسيل على وجنتيها: "أصعب لحظة عشتها بالأمس القريب عندما اصطحبت طفله أحمد إلى المقبرة لأريه المكان الذي يرقد فيه والده، حيث الطفل الصغير يردد كلمة "بابا" عدة مرات وكأنه كان يخاطبه".
وعانى الشهيد حسين كما يعاني أبناء شعبه من شح فرص العمل، بعد تخرجه وحصوله على درجة "البكالوريوس" في التعليم الأساسي، حتى وجد ضالته في سلك الشرطة الذي انتمى إليه قبل استشهاده بعامين.
وعُرف الشهيد بالتزامه في إتمام الصلوات الخمس في مسجد "القسام" وخاصة صلاة الفجر. هذا وتميز الشهيد حسين بالتفاعل الاجتماعي وحبه للآخرين الذي انعكس على شخصيته وحب الآخرين له، فقد أشاد أصدقاؤه وجيرانه بحسن خلقه وأدبه وعطفه على الصغير والكبير فترى دوماً الابتسامة لا تفارق شفتيه.
مشواره الجهادي
تعرّف الشهيد حسين وادي على أبناء الجهاد الإسلامي عن قرب، فانتمى للحركة مع بداية انتفاضة الأقصى المباركة في بداية عام 2000م. وقد شارك الشهيد في بداية انضمامه لحركة الجهاد الإسلامي في عديد من الفعاليات من كتابة على الجدران وتعليق الملصقات وتشييع جثامين الشهداء في تلك المرحلة.
واصل الشهيد عمله الجهادي وانخرط في صفوف سرايا القدس، ليكون جندياً مؤمناً يحمل القرآن في قلبه والبندقية في يديه مصوبا فوهتها نحو صدور العدو الصهيوني دفاعاً عن قدسية فلسطين. وتلقى الشهيد في تلك الفترة دورة تدريبية عسكرية، وشارك في عديد من عمليات رصد الأهداف الصهيونية وتحركات القوات الخاصة في المناطق المتاخمة للشريط الحدودي.
ويُسجل للشهيد مشاركته الفعالة في صد الاعتداءات والاجتياحات الصهيونية لمدننا وقرانا ومخيماتنا الفلسطينية في مخيم جباليا وبلدة بيت لاهيا، بالإضافة إلى مشاركته في إطلاق عديد من الصواريخ القدسية باتجاه المغتصبات الصهيونية المحيطة بقطاع غزة.
استشهاده
توجه الشهيد حسين وادي صباح يوم إجازته إلى عمله، بعد تلقيه اتصالاً من مسئوليه بضرورة الحضور، فما إن وصل إلى مقر جهاز الشرطة بغزة وحطّ رحاله فيه، حتى بدأت الطائرات الصهيونية الحربية بشن هجوم مكثف ودقيق على جميع المقرات العسكرية، من جنوب قطاع غزة إلى شماله في وقت واحد، حيث ارتقى في ذلك اليوم الموافق 27/12/2008م أكثر من ثلاثمائة شهيد معظمهم من أبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، في عملية أطلق عليها العدو الصهيوني اسم" الرصاص المصبوب".

