الشهيد القائد: محمد سعيد الجمل

الشهيد القائد: محمد سعيد الجمل

تاريخ الميلاد: الثلاثاء 28 يناير 1964

الحالة الإجتماعية: أعزب

المحافظة: رفح

تاريخ الإستشهاد: الثلاثاء 06 أكتوبر 1987

الشهيد القائد "محمد سعيد الجمل": ذكرى بطولة تأبى النسيان

الإعلام الحربي – خاص 

أيها الأقمار "الخمسة" لا زلنا نقتبس من جذوة ثورتكم شعلة الانتصار..ثلاثة وعشرون عاماً مضت، ولا زالت قصص بطولاتكم نبراساً يهتدي به عشاق الشهادة.. لقد خضتم غمار المعركة وحدكم في أصعب الأوقات وأكثرها ظلمةً وضياعا للهوية الإسلامية.. فرفعتم شعار "أسلمة البندقية" المشرعة في وجه الكيان الغاصب، فأضأتم سماء فلسطين من جديد.. أنتم من غيّرتم مجرى التاريخ كله.. وأقحمتم روح التمرد في نفوس الملايين.. وأجّجتم مظاهر الثورة بعدما غيّبت لسنوات.. فكان دمكم أجمل عنوان، وأقدس خيار.. فلا لغة إلا لغة الحراب ولا خيار إلا خيار الجهاد الإسلامي..  

شمسهُ لن تغيب

في لقاء بأسرة الشهيد محمد الجمل بمخيم رفح للاجئين جنوب قطاع غزة، أكد شقيقه "عرفات" أن ما تعرض له الشهيد محمد وأسرته في مرحلة طفولته كان له أشد الأثر في تكوين شخصيته الجهادية الناقمة على بني صهيون، لافتاً إلى أن ما تعرض له والده من حادثة إطلاق نار من جنود الاحتلال أمام ناظره، هي التي أوقدت نار التمرد في وجدانه، حيث ظلت صورة مشهد والده وهو مصاب بثلاثة عشر رصاصة.. محفورة في ذاكرته تعذبه وتؤرقه، وتزيد من نقمه على بني يهود.  

وأوضح شقيقه أن التربية الإسلامية السليمة التي تلقاها داخل أسرته كان لها أشد الأثر في تكوين شخصيته الإسلامية الجهادية، مؤكداً على أن أهم ما كان يميز شقيقه محمد هدوءه الشديد وابتسامته اللطيفة التي لم تغب عن وجهه المشرق.  

وقال عرفات  "رغم أنه كان أصغرنا سناً والمحبوب والمدلل من الجميع، فإنه كان زاهداً في الدنيا، باحثاً عن الشهادة في سبيل الله"، مشيراً إلى دور الشهيد الوحدوي بين كل الفصائل الفلسطينية -ولاسيما الإسلامية منها- حيث كان الشهيد يدرس في الجامعة الإسلامية، غير أن تعرضه للاعتقال المتكرر حال دون إكماله لمشواره التعليمي".  

وأضاف: "رغم مرور ثلاثة وعشرين عاماً على ارتقائه شهيداً بإذن الله، فإن كلماته وصورته لم تغب عن طيفي للحظة، ولا زلت أشعر بوجوده بيننا يشاركنا أفراحنا وأتراحنا". وتذكر أبو سعيد اللحظات التي استقبلت فيها أسرته نبأ استشهاد شقيقه محمد، قائلاً: "لم يتسن لي المشاركة في تشييع جثمانه الطاهر إلى مثواه الأخير، حيث تم اعتقالي بعد استشهاده بساعات وحكم عليّ بالسجن أربعة عشر عاماً لتقديمي مساعدات (لوجستية) له ولرفاقه، ولكن علمت أن والدتي -رحمها الله- طردت كل النسوة اللواتي جئنَ للبكاء والوعيل، وقالت لهنَّ: "لا أقبل في عرس نجلي إلا التهاني والزغاريد".  

وأكمل حديثه بعد لحظة صمت: "بقدر ما أنَّ فراقه كان مأساة، بقدر ما كان خبر استشهاده بعد معركة أسطورية سطرها ورفاقه فرحة لكل فلسطيني غيور"، مؤكداً على أن الفترة التي عاشها الشهيد محمد بعد هروبه من سجن غزة المركزي كانت من أصعب المراحل التي عاشتها أسرته التي تعرضت لأبشع وسائل التعذيب والتضييق، وحتى بعد استشهاده والتي انتهت بهدم منزل العائلة واعتقال أشقائه.  

وأضاف :"ببساطة، لم يكن الشهيد محمد ممن يجود الزمن بالكثيرين من أمثاله، لقد أدركنا معنى الغياب عندما علمنا أن محمد ومن معه قد استشهدوا في سبيل الله"، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمدهم في فسيح جناته.  

كما كان محمد فارس السيف، فقد كان فارس الكلمة أيضاً، حيث كان خطيباً في مساجد مخيم رفح.. كما كان محبوباً من جميع أصدقائه وأقاربه. وقد قضى الشهيد محمد سنوات طويلة في سجون الاحتلال، عرف خلالها بصوته العذب في تلاوة القرآن، حتى أن إخوانه المجاهدين كانوا يطلبون منه دوماً أن يؤمهم في الصلاة للاستماع إلى تلاوته العذبة. 

بداية المحنة بداية التحول

تعرض الشهيد محمد الجمل لمحنة الاعتقال سنة 1981م بتهمة العضوية في جبهة النضال الشعبي، ليسجن على إثر ذلك لمدة عامين، تعرف في تلك الفترة على عديد من الشخصيات الإسلامية التي كان لها الفضل الكبير في تحوّل هذا الفارس إلى خيار جديد هو خيار الإسلام العظيم، واتخذ الجماعة الإسلامية مدخلاً لتحقيق هذا الخيار على أرض الواقع.. حيث انكب محمد على دراسة مبادئ الإسلام بصورة معمّقة فتشرّب فكر الجهاد.  

وعرف الشهيد محمد في حياته أنه كان وثيق الصلة بالدكتور فتحي الشقاقي، حيث كان يرافقه في الكثير من الندوات الفكرية التي كان يعقدها الأخير.. وقد لوحظ التأثير البالغ الذي تركه الدكتور فتحي الشقاقي على فكر ومنهج هذا الفارس.  

مفجر ثورة السكاكين

بعد خروجه من السجن عمل الشهيد محمد الجمل على تشكيل أولى المجموعات الجهادية في قطاع غزة، وكان من رفاقه الفارس البطل خالد الجعيدي الذي قتل أربعة صهاينة في غزة، وفجر هو وإخوانه ثورة السكاكين قبيل الانتفاضة. كذلك خطط محمد الجمل لبدء التعامل مع ظاهرة العملاء في المجتمع الفلسطيني، وقام بزرع العبوات الناسفة على الطرق التي تسلكها مركبات الاحتلال.. وما لبث أن اعتقل الشهيد مع بقية إخوانه، وحكم عليه بالسجن لفترة طويلة، وكانت تلك الفترة بداية تعرفه على رفاقه المجاهدين. 

خارج الأسوار

تعرّف الشهيد محمد على رفاقه الأطهار مصباح الصوري وسامي الشيخ خليل اللذين رسما معه ملامح هذه الفكرة، وملامح شيء آخر: خطة الهروب المستحيل.  

خطط هؤلاء الشباب الأطهار لعملية الهروب من سجن غزة المركزي، وبالفعل أدخلوا الأدوات اللازمة، وبدأوا يعملون ويسابقون الزمن، إلى أن فوجئ من كانوا معهم في الغرفة نفسها وهم يودعونهم وذلك قبل الهروب بلحظات!!.. وفي السابع عشر من شهر رمضان بعد أن أقام المجاهدون الليل بالصلاة والدعاء، حانت لحظة الانطلاقة إلى الحرية، لحظة العمل التي دقت ساعتها، وبرعاية الله وفضله كانت السماء ملبدة بالغيوم، فكانت لهم من الله ستارا وحامياً وحارساً مخلصاً، وقد خرج المجاهدون الستة من السجن بالفعل، وقد تحطم مع قضبان غرف سجن الاحتلال وهروب المجاهدين، وتحطمت أسطورة الدولة التي لا تقهر.  

حكاية بطولة لم تنته

للاطلاع على أهم التفاصيل في حياة المجاهدين الأطهار بعد عملية الهروب، كان لنا لقاء خاص مع الشيخ المجاهد "أبو مصباح" والذي رافق المجاهدين طوال فترة المطاردة، حيث قال: "بعد هروبهم من السجن قضوا ليلتهم الأولى في إحدى حقول البرتقال، وفي الصباح تمكّن محمد الجمل من الاتصال بي، فتوجهت بسيارتي إلى المكان الذي اختبئوا فيه، وفي ساعات المساء طلبوا مني مساعدتهم في الذهاب إلى منزل الشهيد القائد عبد الله السبع، فأحضرت سيارة أخرى من نوع (فيات) وطلبت من الأخ الذي رافقنا السير بها أمامنا وعند شعوره بأي خطر أو مشاهدته لأي حاجز عسكري، الإضاءة  بصورة متكررة من الغماز الخلفي، عندها كنت أدخل في شارع فرعي لحين عودته، وهكذا حتى وصلنا إلى منزل الشهيد السبع، حيث مكث فيه المجاهدون بضعة أيام، ولدواعٍ أمنية تم البحث لهم عن شقة سكنية في وسط مدينة غزة"، مؤكداً على أن قيادة حركة الجهاد الإسلامي خيَّرتهم بين الانتقال إلى الخارج أو البقاء في فلسطين، فاختار كل من مصباح الصوري، ومحمد الجمل، وسامي الشيخ خليل البقاء مرابطين على أرض الوطن، مجاهدين في سبيل الله، معلين راية الحق.  

وتابع حديثه: "تمكنَّا من إيجاد شقة سكنية لهم في الطابق الثالث بعمارة الدحدوح ومكثا فيها، إلى أن تمكن سامي الشيخ خليل ومحمد الجمل من قتل ضابط استخبارات عسكري كبير يدعى (رون طال)، وذلك أثناء سيرهم في شوارع غزة في وضح النهار، حيث لاحظوا سيارة متوقفة في الازدحام يقودها مستوطن، فأجرى الاثنان فيما بينهما قرعة من يتولى المهمة نظراً لأنه ليس معهم إلا مسدس واحد وبه ست طلقات، فوقع الاختيار على سامي الذي توجه إلى الجندي، وبدأ يطلق النار على الضابط الصهيوني الذي تصدى بقدمه لأربع رصاصات فيما استقرت الرصاصة الخامسة في رأسه فاردته قتيلاً"، لافتاً إلى أن الشهيدين بعد تنفيذهما للمهمة الجهادية عادا إلى الشقة مشياً على الأقدام.  

وأكمل حديثه: "على إثر مقتل الضابط الصهيوني بدأ الجيش بمحاصرة المنطقة بكاملها، وبتضييق الخناق على المجاهدين، فاضطررنا إلى نقل المجاهدين إلى شقة أخرى بمنطقة الشجاعية عبر سلوك طرق التفافية طويلة"، لافتاً إلى مفارقة عجيبة وهي: أن جنود الاحتلال صعدوا إلى سطح عمارة الدحدوح أثناء وجود المجاهدين فيها، للمراقبة.  

وأكد أبو مصباح على أنه كلما جلس مع نفسه وتذكر تلك الأيام تصيبه الدهشة، مؤكداً أنه لولا فضل الله وحفظه لما عاش المجاهدون كل تلك الفترة التي استمرت لأكثر من خمسة أشهر.

وبيّن أبو مصباح أنه خلال فترة المطاردة أشرف على تدريب المجاهدين على مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة في منطقة "الصرصورية" شرق حي الشجاعية، مؤكداً على أن الشهيد مصباح الصوري باع مصاغ زوجته واشترى به سلاح "كلشن كوف"، وتمكن بعد أيام من قتل ضابط صهيوني متقاعد برتبة لواء، في منطقة شمال غزة.  

وقال أبو مصباح: "بعدما توفر للمجاهدين السلاح قرروا تنفيذ عدة عمليات عسكرية، كان منها: الهجوم على جيب عسكري في طريق الوسطى، ولكن خللا في التكتيك حال دون التنفيذ في اللحظات الخيرة، كما خطط المجاهدون للهجوم على موقع عسكري شرق حي الشجاعية، وقبل ساعات محدودة من التنفيذ تم رفع المواقع العسكرية جميعها بصورة مفاجئة". لافتاً إلى مدى حرص المجاهدين على إعداد تدريب عشرات المجاهدين رغم الظروف الصعبة التي كانوا يعيشوها بسبب الملاحقة المستمرة لهم، حيث استطاعوا تدريب أكثر من خمسين مجاهداً، ولهذا السبب قرر الشهيد مصباح السفر إلى العريش لشراء كمية من السلاح، غير أنه وقع في كمين أصيب على أثره، ثم تم نقلة إلى أقبية التحقيق حيث فضّل الموت شهيداً عن الإدلاء بأي معلومة تفشي عن مكان وجود رفاقه.

وبين أبو مصباح أنه تم التخطيط لنقل المجاهدين داخل أراضي الضفة الغربية، ولكن أجهزة المخابرات الصهيونية استغلت بعض الثغرات الأمنية لرصد تحركات المجاهدين والوصول إليهم.  

الاستشهاد

في السادس من تشرين كان موعد الأقمار مع الله.. كان هذا اليوم هو المحطة الأخيرة في حياة الشهداء.. فلقد كمن رجال المخابرات للمحاربين وقبل وصولهم لموقع الكمين تنبه الشهيد سامي الشيخ خليل والشهيد المجاهد محمد الجمل لهم وبادروا بإطلاق النار حتى سقط ضابط المخابرات (فكتور أرغوان) قتيلاً واستمرت المعركة مدة نصف ساعة جابت خلالها الطائرات والجيوش المدرعة مكان المعركة.  

نعم.. ارتقى الأقمار محمد وزهدي وسامي وأحمد.. أولهم محمد الجمل الذي أصر وحتى آخر أنفاسه أن يدافع عن حل الأمة.. فارتقى شهيدنا مستبشراً بالذين لم يلحقوا به.

الشهيد القائد: محمد سعيد الجمل