الشهيد المجاهد "عبد الله رمضان المدهون": الصغير سناً..الكبير نفساً

الشهيد المجاهد "عبد الله رمضان المدهون": الصغير سناً..الكبير نفساً

تاريخ الميلاد: الأربعاء 04 أبريل 1979

الحالة الإجتماعية: أعزب

المحافظة: الشمال

تاريخ الإستشهاد: الثلاثاء 01 أبريل 1997

الإعلام الحربي – خاص

الحديث عن الشهداء صعب هؤلاء جذر الأمة وملح الأرض، وملامح فلسطين فكيف نبدأ الحديث عن هذه الأشلاء المباركة والفتات المقدس.. لا يمكن أن نجد استهلالاً أفضل من قول ربنا: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ لا يمكن أن نجد استهلالاً أفضل ولا ظلاً أورف من هذا للحديث عن الشهداء وللحديث عن هذه النسمة الطيبة المباركة التي يُطيَّبُ مسكُها وجع قلوبنا ويحجر الدموع في مآقيها.  

عبد الله.. لا أجد إلا أن أقف منحنياً خاشعاً أمام جلال دمك احتراماً وحباً وإعجاباً وأنت الصغير سناً، الكبير نفساً ومقاماً وعطاءً في مقابل الذي تحدثوا عن الثورة ألفاظاً بأعلى أصواتهم وبملء أشداقهم ولم نجدهم في مواقف الرجال إلا سراباً، فلا مغفرة يا سيدي، ولا عُذر لهم.. وللحديث عن الشهيد التقينا شقيقه محمود.  

الميلاد والنشأة

ولد في 4/4/1979م كان ميلاد هذا البنفسج.. وانطلاق أريج الربيع ومسك حياتنا.. وُلد عبد الله في هذا المخيم النازف، مخيم الثورة والتضحية والعطاء (جباليا) شمال قطاع غزة.. هو الأول في اخوته مقاماً ورفعة، والسادس حسب تاريخ ميلاده.. شهد الانتفاضة بكل دقائقها وأحداثها عشق الشهداء والأرض والدم.  

درس شهيدنا عبد الله في هذا المخيم، وتنقل من مدرسة أبي حسين الابتدائية ـ أ ـ إلى الإعدادية ـ ب ـ إلى مدرسة أسامة بن زيد ثم أبي عبيدة بن الجراح الثانوية ـ في القسم العلمي ـ، ولقد عُرف بتفوقه وذكائه وكثرة نشاطه وحركته.. وفي السنة الثالثة من المرحلة الثانوية كان باستشهاده يحدد يوم ميلاده الجديد.  

صفاته وأخلاقه

كان عبد الله رحمة الله عليه قارئاً مجيداً للقرآن الكريم، كثير قيام الليل، مداوماً على صيام الاثنين والخميس والمناسبات، وفي أيامه الأخيرة كان مولعاً بهذا كله مُكثراً من الصيام والقراءة ولا نجد له إلا الدعاء تغمده الله بواسع رحمته مع الأنبياء والصديقين والشهداء.

«كان تاج رأسي، وحبة عيني وقرارة قلبي عبد الله لا تغادر الابتسامة شفتيه، يمتص بها غضب الغاضب، من الأهل والجيران والأصدقاء لدرجة أنه استطاع أن يتجذر في قلوبنا وأن ينغرس في عقولنا ووجداننا جميعاً.. الحقيقة، إن الحديث عن أخلاق عبد الله وصفاته يطول.. كان ـ رحمة الله عليه ـ لا يعرف إلا الحب.. الكراهية لم تُغبَّر قلبه ومشاعره أبداً.. وكثيراً ما كان يتمنى ويدعوا الله بلهجة كنت أشعر منها صدق دعائه أن يمُّن علينا بالوحدة الإسلامية التي تجمع كل من يحمل هَمَّ الإسلام ومشروعه المعاصر، خاصة حركة المقاومة الإسلامية الغرَّاء حماس ـ التي كان يُكن لها حباً متميزاً ـ وحركة الجهاد الإسلامي الرائدة في فلسطين، كوحدة تقابل الشر المتجمع الذي يستهدف أبناء الإسلام والنيل من وجودهم.. عبد الله رمز للطهر والخير ازداد إشعاعاً ونوراً وتألقاً يوم استشهاده، ويوم تحوَّل إلى ملح للأرض يحفظ وجودنا، يوم تحول إلى كلمة سر يعرفه العاشقون والمخلصون وحدهم.. يوم تحول إلى نوار فرح وطاقة للتقدم والتواصل.. ويوم كان دماً وأشلاءً تمنح فلسطين لونها..».  

مشواره الجهادي

أود أن أؤكد هنا أن عبد الله ـ رحمة الله عليه بقدر ما كان يُكثر الحديث، حديثاً مؤنساً يلصقه بقلوبنا أكثر لدرجة أننا نتخيله في كل موقف وفي كل شبر في البيت نحسه ونشم رائحته، وحديثاً ملؤه الخير؛ كان كثير الصمت في ذات الوقت، بمعنى أننا لم نكن نعرف طبيعة تحركاته وتنقلاته، ولكن بعد استشهاده أكد لنا البعض ممن تم اعتقالهم على خلفية انتمائهم للجهاز العسكري (قسم) التابع لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، أن عبد الله كان يعمل في الجهاز منذ كان في الصف الثالث الإعدادي ـ فقد كان طويل القامة قوي البنية ـ وهذا ما جعلني أدرك بعد استشهاده سبب ارتباط روحه وتعلقه بالشهيد أيمن رحمة الله عليه، وسبب بكائه الحار يومها.. عبد الله كان نشيطاً في اللجان التنظيمية كتابة على الجدران وتوزيعاً للبيانات ومشاركة في المظاهرات.   

عبد الله كان كثير المشاركة في الإذاعة المدرسية كفرصة يمكن من خلالها التحدث للطلاب عن مشاعر كانت تسكنه وأفكار تملأ رأسه حول أزمة العالم الإسلامي ومعاناة المسلمين.. ولعل تلك المشاعر والأفكار هي التي بلورت اختياره للاستشهاد والانفجار يوم حاول الصهاينة اغتصاب بقعة جديدة من فلسطين (جبل أبو غنيم) كدلالة واضحة للعلاقة الجدلية بين الفكر والممارسة وكإشارة لحالة الصدق والإيمان التي كان يحياها رضوان الله عليه.  

في ظل الحديث عن مشوار عبد الله الجهادي، أريد أن أؤكد حقيقة وهي أن الجهاد والمقاومة وحتى الاستشهاد برغم عظمته وسموه يصبح شيئاً عادياً ومستمراً في حياة من يقرأ القرآن الكريم وكأنه مُنَزَّل عليه أو مخاطبٌ به مباشرة.  

عبد الله رضوان الله عليه، كان يردد كثيراً مقولة الإمام علي كرّم الله وجهه ورضي الله عنه: «والله لأبقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرتيه».  

الشهادة

الثلاثاء 1-4-1997م، كان يوم صعود عبد الله إلى الله شهيداً.. خرج يومها لأداء صلاة الفجر في المسجد على حسب عادته.. ثم عاد إلى البيت، وبعدها غادره، كنا نظن أنه ذاهب إلى مدرسته، بين السادسة وقبل السابعة من صباح ذلك اليوم، طالعتنا الأخبار بشروق شمسين في ذلك النهار دون ذكر للأسماء.. انتظرنا عودته من المدرسة ولكنه لم يعد، تابعنا جميعاً أخبار المساء.. كنت حينها أُرتب بعض الأوراق وإذا بزغاريد أمي تملأ بيتنا حباً وفرحاً وشوقاً للذاهب الحاضر في قلوبنا وتحضن كل واحد منا، تبلع دمعتها وتبارك لنا شهادة الحبيب.. حمدنا الله جميعاً أن منَّ علينا بشهادة الغالي واسترجعناه سبحانه وتعالى، ونحمد الله أن منَّ عليه بالصبر وحسن العزاء.. عبد الله هو الشمس التي أشرقت والشمس الأخرى كانت (أنور الشبراوي) رحمة الله عليه.. يومها لم يتبنَّ أحد العمليتين.. إلا أن الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور رمضان شلَّح حفظه الله، قام في اليوم الثالث بتبني العمليتين والشهيدين عبد الله و(أنور) وأكد أن (قسم) الجهاز العسكري للحركة هو الذي جهّز الشهيدين والمسؤول عنهما وأنهما من أبناء الجهاد الإسلامي الأعزاء.. وأن تأخر تبني العمليتين راجع إلى عدم تمكن شباب الجهاز من الاتصال بقيادتهم في الخارج وذلك بسبب «الضغوطات التي تفرضها السلطة من جهة وإسرائيل من جهة أخرى على المجاهدين».

الشهيد المجاهد "عبد الله رمضان المدهون": الصغير سناً..الكبير نفساً