الشهيد المجاهد: أسامة إبراهيم نغنغية

الشهيد المجاهد: أسامة إبراهيم نغنغية

تاريخ الميلاد: الإثنين 12 فبراير 1979

الحالة الإجتماعية: أعزب

المحافظة: جنين

تاريخ الإستشهاد: الأحد 04 مارس 2001

الشهيد المجاهد "أسامة إبراهيم نغنغية": عشق الشهادة فنالها في ساحات الوغى

الإعلام الحربي _ خاص

الاسم: أسامة إبراهيم عيد نغنغية

العمر: 21 عاماً

السكن: جنين

الوضع العائلي: أعزب

تاريخ الاستشهاد: 04/03/2001

كيفية الاستشهاد: اشتباك مسلح

من مخيم جنين الأسطورة، ذاك المكان الذي ربض على صدور الصهاينة لكيلو متر مربع مدة 57 عاماً. ذاك المكان هو مصنع الأبطال ومنجم الفخر والشجاعة. ذاك المكان الذي وصف كأخطر مكان في العالم. ذاك المكان الذي روّع قلوب الجبابرة من بني صهيون وأذاقهم الموت والهوان ألواناً.. من هناك.. تبدأ قصتنا هذه المرة، مع أحد أبناء مخيم جنين.

لا عجب أن يبرز من وسط ركامه الممزوج بالآلام والتضحيات منذ التهجير الأكبر عام 1948 نماذج نادرة من البطولة والشجاعة والعطاء. في هكذا مناخ جهادي نشأ أسامة إبراهيم تركمان الذي ولد على أرض مخيم جنين الأسطورة في يوم 12/2/1979 متعمشقاً بجدار الأمل بالعودة للمنسى بلد أجداده التي تحتضن الشاطئ الجميل بالقرب من قرى أهالي مخيم جنين الذين تعود أصولهم للشواطئ الفلسطينية الأسيرة من حيفا.

نشأ أسامة متسلحاً بأطنان لا حصر لها من التمرد والجرأة. عيناه تنطقان بالخطر ضد أعداء الله من بني صهيون. لا نعجب كثيراً إن لمحنا في محياه قوة عجيبة لا توازي عمره الفتي فدماؤه تحمل عبق الماضي وشوق العودة كأي لاجئ في مخيم جنين.

هوايته ملاحقة العدو الصهيوني أينما وجد. فيكون من أبرع راشقي الحجارة في المخيم الأسطورة في انتفاضة عام 1987.

بينما كان أسامة يشق طريقه عائدا للمنزل وقد حملت يداه الصغيرتان أقراص الفلافل يصوب نحوه احد جنود الحقد الصهيوني نيرانه نحوه ويصيبه إصابة بالغة في الرأس.

لم يكن أسامة قد تعدى الثانية عشرة من العمر آنذاك، لم يكن أسامة يشكل خطراً على حياة الجنود المدججين بالسلاح!!، لم يكن أسامة يحمل سلاحاً فتاكاً موجهاً نحوهم. لم يكن أسامة سوى طفل بريء يلهو حاملاً طعامه. طفل بريء آخر يسقط ضحية حقد أعمى وهمجية شعواء. إصابة أسامة الخطيرة أعجزت الأطباء في مستشفى جنين فنقل مباشرة لمستشفى نابلس ومنها إلى مستشفى رام الله، ولكن وبعد وصوله لرام الله تجتاح قوات الاحتلال الصهيوني المستشفى بحثاً عنه وتأخذه لمستشفى عين كارم ليخضع لعملية جراحية دقيقة في الرأس لأربع ساعات.

وقد يتساءل بعضنا لماذا يعالجونه؟؟ فيكون الرد أن إصابة أسامة حينها والضجة الإعلامية حينها جعلت قائد المنطقة الوسطى الصهيوني يسارع ليخفي بشاعة الجريمة ببعض المساحيق التجميل للإنسانية المزعومة.

أسامة ابن مخيم جنين يفيق من غيبوبته ويعود سالما للمخيم محتفظا في رأسه بشظية عظمية عجز الأطباء عن استئصالها نظرا لخطورة ذلك على حياته وتهديده بالشلل.

ومع هذه الشظية يتحول أسامة من الوداعة والسكون إلى إنسان نزق عصبي المزاج.. سريع الانفعال تنمو في قلبه الصغير رغبة الانتقام والثأر لما حل به وسبب له تأخراً في مسيرته التعليمية فيترك المدرسة ويبحث عن مهنة.

وتمر الأيام ويكبر أسامة ويلازم المسجد ويتعلق قلبه به وبسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية يلتحق أسامة بجهاز المخابرات التابع للسلطة الفلسطينية عام 1997 ولكنه يترك العمل بعد انطلاق انتفاضة الأقصى في أيلول 2000. وينتمي لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي بعد ملازمته للقائد المجاهد إياد الحردان الذي يمده بالسلاح ويجنده في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في جنين.. ويصبح عمله الجديد البحث عن الشهادة والسعي وراءها بكل الوسائل فيشن هجماته على معسكر الجلمة الواقع إلى الشمال من مدينة جنين.

غالبنا دموعنا عندما أخبرتنا "أم عدنان" والدة أسامة بحادثة حصلت قبل استشهاد أسامة فقالت: "اكتشفت سعي أسامة للشهادة عندما استشهد عجوز سبعيني مريض بعد استنشاقه غازاً مسيلاً للدموع في جبع.. وعاد أسامة من تشييعه باسما فجلس بجواري وقال: "أتدرين يا أمي أنا اغبط هذا العجوز لأنه نال الشهادة بكل سهولة.. أما أنا فمنذ خمسين يوما وأنا أرابط بسلاحي على حاجز الجلمة لأنال الشهادة ولم أُحظ بها حتى اللحظة".

صدمة حقيقة تصاب بها الأم وحزن يعتصر قلبها لأنها تشعر أن ولدها يتسرب من بين يديها فتطلب منه أن يسافر معها للأردن وفعلا يجهز أسامة أوراقه الثبوتية استعداداً للسفر وقبل السفر بيوم يجلس أسامة كعادته بجوار أمه فيقول لها: "تريدين أن تهربي بي من الموت؟" فتبهت الأم ولفرط دهشتها ترد بالإيجاب. فيرد بشموخ تصفه الأم بكل فخر: "أترين لو أننا سافرنا ومت في حادث سير أو ما شابه أنكون قد فررنا من الموت هنا لأموت هناك؟"، فتعدل الأم عن قرار السفر مفوضة أمرها لله.

وفي ليلة باردة قارصة تجتاح قوات عسكرية صهيونية واد برقين المتاخم لمخيم جنين وهدفها الشيخ نصر جرار القيادي في حماس.. ويتسلل أسامة ليلا وقد حمل سلاحه ويتمترس فوق احد أسطح البيوت المجاورة ويمطر القوات الغازية بنيران مدفعه الرشاش فيصيب ويقتل عددا منهم وينتظر أسامة بزوغ الشمس واندثار فلولهم المهزومة تحت وطأة ضرباته لقاصمة فيجمع ما تركوه بعد هروبهم من أسلحة وذخائر وعتاد وملابس وحتى حمالة الجرحى يعود بها إلى بيته في مخيم جنين.

وبعد هذه الواقعة البطولية ينكشف أمر أسامة وانتماءه لحركة الجهاد الإسلامي رغم انخراطه في أجهزة السلطة الفلسطينية.. وتتواصل الاتصالات بين مكتب الارتباط والسلطة الفلسطينية لاستعادة ما غنمه أسامة من عتاد تابع للجيش الصهيوني فيرفض أسامة تسليمه إلا بعد أن يتم تصويره وعرضه لوسائل الإعلام دون إبرازه هو شخصيا وطبعا يقابل هذا المطلب بالرفض القاطع فتبقى الغنائم بحوزة أهله حتى الساعة.

وبعد هذه الواقعة يصبح أسامة مطلوبا ومطارداً ولكنه وسط مخيم جنين العصي دوما عن الاقتحام. فيعد العدة لرحلة الشهادة التي تمناها دوماً وسعى إليها فيصوم العشر الأوائل من ذي الحجة تقربا لله تعالى ويواظب على العبادة والاستغفار والصلاة وصلة الرحم.

وفي ليلة عيد الأضحى المبارك 10/ ذي الحجة /1422 الموافق 4/3/2001 يعلو رنين الهاتف معلناً خبر إصابة أسامة ابن الحادية والعشرين في اشتباك مسلح على الطريق الالتفافي بالقرب من الجلمة ذاك المكان المحرم على أي أحد عدا دوريات الجيش الصهيوني ويخرج أهالي مخيم جنين عن بكرة أبيهم وفي مسيرة من المشاعل والفوانيس والكشافات يتوجّه المئات منهم نحو الشارع الالتفافي ويخلون جسده الملقى هناك وينقلونه للمشفى في جنين.

تحدثنا أم عدنان عن ذاك اليوم فتقول: "فجر العيد ذهبت للمستشفى ووجدت أسامة ممددا فوق أحد الأسرة جثة هامدة وقد اخترقت عشرات الرصاصات جسده وقد غطي وجهه بالدماء التي كانت ما تزال تنزف من ثقوب عديدة من جسده".

وتضيف: "بعد صلاة العيد خرجت من البيت لأودع أسامة في المسجد واملأ عيني منه وقد جزعت جاراتي من قراري ولكني توجهت بعزيمة نحوه فوجدته ممدداً وقد لف بالعلم وبرايات الجهاد الإسلامي وتحسست لحيته التي خضبها بالحناء من قبل وشعرة وطبعت على محياه قبلة أخيرة وقلت له" نلت ما أردت دوماً فهنيئاً لك شهادتك "دون أن اذرف أي دمعة عليه". وتسهب في حديثها فتقول: "توقع الجميع انفجاري بين لحظة وأخرى بالبكاء وكان رجال الإسعاف جاهزون بالنشادر على المقبرة تحسباً لإصابتي بالإغماء على فقدان أسامة ولكني ولغاية الآن لم ابك أسامة ولن أفعل فقد كنت قد دعوت الله بعد سماعي خبر شهادته بان يلهمني الصبر والسلوان وقد استجاب الله لي وانزل برد الصبر، وجميل التوكل عليه في قلبي ليطفئ نيران شوقي لأسامة، وحزني على فراقه"، وعندما عدت للبيت وجدت وفود المعزيات يبكين بحرقة فلقت بصوت عال: "أسامة استشهد من زمان وليس اليوم".

وتردد حارات مخيم جنين الهتاف والتكبير وقد جابت شوارعه مسيرة ضخمة وصل المشيعون فيها من مختلف قرى وضواحي جنين ولتتحول تكبيرات العيد إلى تكبيرات غضب عارم زلزل المخيم وشحن شبابه بان الثأر قادم لا محالة وإن دماء أسامة البطل لن تذهب هدراً.

تمر بذاكرتنا صورة أم عدنان بعد فترة وجيزة على استشهاد أسامة وقد صادفتها في أحد بيوت العزاء لشهيد آخر في مخيم جنين سمعتها تقول: "أقلب ملابس أسامة يوماً بعد يوم وأتنشق رائحة عرقه عليها ولكن أجدني عاجزة عن البكاء عليه. فوالله لم ابك أسامة منذ استشهد ولكني أجد الفراق صعبا وأجد في قلبي صبراً وجلداً لم أعهده يوماً عند أم ثكلى".

من بين سبعة من الإخوة وثلاث من الأخوات نهض عملاق قوي اسمه أسامة تركمان يحلق عاليا فوق الجراح ليطبع في أفق مخيم جنين الأسطورة ملحمة جديدة من الشجاعة والإباء. أسامة مثال آخر من الشجاعة التي قلّ أن يجود بمثلها الزمان. أسامة الذي أصيب ثلاث مرات في الانتفاضة الأخيرة وقد نجا في كل منها من موت محقق اثر اشتباكه مع جنود الاحتلال يسطر بشجاعته وحبه للشهادة معنى آخر للتحدي، وتاركاً خلفه من أبطال وشجعان مخيم جنين أمثال محمود الطوالبة والصفوري وأبناء عائلة الشيخ بسام السعدي وغيرهم من ينوبون عنه في المهام الجسام من مواجهة أعتى جيش في العالم اجمع ببعض عبوات مصنعة يدوياً بعد عام من استشهاده في اجتياح مخيم جنين عام 2002.

الشهيد المجاهد: أسامة إبراهيم نغنغية