الاستشهادي المجاهد "سليمان موسى طحاينة": كان كثير الصيام وتلاوة القرآن
الإعلام الحربي _ خاص
سليمان (أبا البراء) ستبكيك شوارع وأزقة بلدة سيلة الحارثية التي تصر على أن تلد العظماء والشهداء في كل مرحلة من مراحل جهاد الشعب ضد الغزاة منذ نابليون حيث جاهد أهل سيلة الحارثية جيوشه الحاقدة ومرورًا بالانتداب البغيض والمجاهد يوسف أبو درة وليس بعبد الكريم طحاينة وصالح طحاينة ونعمان طحاينة وراغب جرادات وهنادي جرادات وبك أيضًا يا سليمان.
الميلاد والنشأة
ولد الشهيد المجاهد سليمان موسى طحاينة (أبو البراء) في قرية سيلة الحارثية بجنين شمال الضفة المحتلة بتاريخ 23 مايو (أيار) 1975م وسط أربعة من الإخوة وأربع من الأخوات في عائلة ملتزمة، تلقى تعليمه في مدارس القرية، وأثناء مرحلة الدراسة تعرض لإصابة في ساقه اليمنى أدت إلى بترها، ولكن هذا لم يثنه عن مواصلة طريق الجهاد والمقاومة، وفي فترة اعتقاله في سجن مجدو حصل على شهادة الثانوية العامة في عامين متلاحقين إحداها في الفرع العلمي والأخرى في الأدبي.
الشهيد المجاهد سليمان لم يكن الوحيد في عائلة طحاينة المجاهدة؛ فقد قدمت قبله شقيقه الشهيد القائد صالح الذي استشهد إثر عملية اغتيال جبانة في الأول من يوليو (تموز) 1996م، وقدمت بعد الشهيد المجاهد سليمان الشهيد المجاهد عبد الكريم طحاينة في العام 2002م والشهيد القائد نعمان طحاينة في العام 2004م.
يشار إلى أن الشهيد تزوج بعد خروجه من السجن، لكنه ترك الدنيا وما فيها ورحل.
صفاته وأخلاقه
التزم شهيدنا الفارس سليمان منذ صغره حيث اعتاد ارتياد المساجد، عرف محبًا للصيام وتلاوة القرآن؛ فهو العاشق للشهادة الطالب لها، حمل بين ضلوعه هم الأمة والوطن، فبدا رجلاً منذ الصغر هادئًا ومتزنًا، كثيرًا ما استيقظ من نومه في ساعات الليل وقوات المحتل تحاصر وتقتحم منزلهم لاعتقال شقيقه الشهيد القائد صالح، فصُقلت شخصيته على كراهية هذا المحتل وحب المجاهدين، كما اتصف بالصمت وقلة الكلام واحترام الكبير والعطف على الصغير، يحاول زرع الابتسامة على وجوه من حوله، فأحبه كل من عرفه عن قرب، وقد عرف عنيدًا في الحق، ثابتًا على مبادئه، لينًا شديد اللين مع إخوانه.
مشواره الجهادي
مشواره بدأ منذ الميلاد؛ فعيونه البريئة استيقظت على طرقات جنود الاحتلال مرارًا تارة تطارد شقيقه وتارة تعتقله وتارة تحرمه شقيقه الذي أحبه وعشق خطاه في غياهب السجون؛ فينمو ويكبر ويزداد حبًا وعشقًا لدرب الهدى وكراهية لأعداء الإسلام وفلسطين، ويرى كل يوم بعينيه جرائم المحتل الذي يقتل ويجرح ويعتقل إخوانه وأصدقاءه، ويرى قمة هذا الإجرام على جسده الذي أطلقوا عليه نيران حقدهم وهو مازال طالبًا في مدرسته في 31 يونيو (حزيران) 1988م لتبتر ساقه اليمنى، ويعيش بقية حياته بطرف صناعي، لكن ذلك زاده إصرارًا وتصميماً، لم يكن هذا العذر ليمنعه من تأدية الواجب المقدس، وقد عشق منذ صغره حركة الجهاد الإسلامي متشربًا أفكاره وقداسته، تتلمذ على يد شقيقه الشهيد القائد صالح بدروس عملية أكثر منها نظرية، فخرج للدنيا للجهاد وللثورة يحمل إصرارًا وعنفوانًا، فساهم في نشاط الحركة خاصة أنه تميز بخط جميل وتصميم فريد، ولكثرة الاعترافات في سجون الاحتلال عليه اعتقلته قوات الحقد في يوليو (تموز) من العام 1995م وحكمت عليه بعامين ونصف دون تحقيق ليمكث رابضًا في سجن مجدو.
في فترة اعتقاله هذه استطاع شقيقه الشهيد القائد صالح المعتقل هو الآخر، والمحكوم عليه بثلاثين عامًا التحايل على إدارات السجون وتمكن من الهرب _أي الشهيد صالح_ لكنها طاردته ولاحقته حتى تمكنت من اغتياله فتلقى شهيدنا المجاهد سليمان الخبر خلف جدران سجن مجدو، فمنعته الأسلاك الشائكة والجدران العالية وكلاب الحراسة من وداع شقيقه الذي أحب، منعته من أن يلقى نظرة الوداع الأخيرة عليه أومن تقبيل جبينه الطاهر، فأخذ على نفسه عهدًا وقسماً وعشقًا للحاق بركب الصالحين، وأقسم بأن يكون أول المنتقمين رغم القيود والسدود.
خرج شهيدنا المجاهد سليمان من الأسر بعزم وإصرار وقرار لا تراجع فيه، وقرر أن يبر بقسمه، وبعد الانتهاء من التجهيز لعملية الثأر وكما جاء في وصيته، يقف السجن مرة أخرى عائقًا أمامه، ويحول شهيدنا للاعتقال الإداري في يناير (كانون الثاني) من العام 1998م حيث أمضى 6 أشهر، يذكر أن الشهيد اعتقل لمدة أسبوع عند السلطة الفلسطينية عقب توقيع اتفاقية (واي ريفر).
موعد مع الشهادة
لم يكن غريبًا ومستبعدًا استشهاده، لم تكن شهادته مصادفة، بل رغبة وقصدًا وسبق إصرار، والشهادة قيمة روحية، فتقدم شهيدنا الفارس سليمان حاملاً الأمانة والواجب لم يبال بزوجة أو أم أو أي عذر آخر مما يتعذر به الآخرون، فلم يكن ليستطيع أن يقرأ في كتاب ربه:« إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة»، دون أن يوافق على هذه التجارة التي يعرضها رب العزة إلا ليقول:« سمعنا وأطعنا» ويردد:« وعجلت إليك رب لترضى».
وبعد توقيع اتفاقية (واي ريفر) يحمل شهيدنا الفارس سليمان ورفيق دربه الشهيد الفارس يوسف الزغير حقيبته المعبأة بالمواد المتفجرة وقسم الثأر وعشق الشهادة وآهات الأسرى وغضب الأرض، يتقدم ويدخل العمق الصهيوني وفي مدينة القدس الحبيبة يعلن رفضه لكل اتفاقيات العار، يتقدم ويقسم أن يطأ الجنة رغم ساقه المبتورة تلك الجنة التي يهرب من متطلباتها الكثيرون من الأصحاء فيفجر والشهيد المجاهد يوسف حقائب السفر إلى عالم الخلود فيزرعون الرعب في أوساط من زرعوا داخلنا الرعب والقهر ويلحق بركب الشهداء: القسام والشقاقي وصالح طحاينة.
رحل شهيدنا المجاهد سليمان في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 1998م بعد أن زرع في قلوبنا خضرة السنين القادمة، فإلى جنات الخلد أيها الطاهر.

