الشهيد المجاهد: سليمان جمعة عميش

الشهيد المجاهد: سليمان جمعة عميش

تاريخ الميلاد: الجمعة 29 يونيو 1990

الحالة الإجتماعية: أعزب

المحافظة: خانيونس

تاريخ الإستشهاد: الثلاثاء 13 يناير 2009

الشهيد المجاهد "سليمان جمعة عميش": رجل المواقف الصعبة واللحظات الحاسمة

الإعلام الحربي- خاص

كانت السماء ملبدة بالطائرات الحربية المقاتلة، بينما تتقدم على الأرض مئات الآليات المدرعة من عدة محاور لاقتحام بلدة "خزاعة" الواقعة على الحدود الشرقية لمحافظة خان يونس مع الاراضي المحتلة لعام 1948م، فيما كانت النساء والأطفال والشيوخ يفرون من بيوتهم نحو مدارس وكالة والغوث لتشغيل اللاجئين خوفاً من أن تغتالهم الترسانة العسكرية الصهيونية كما فعلت بسكان قرية السموني شرق غزة، وظناً منهم أن تلك الأماكن لن تطالها آلت الموت الصهيونية لكونها تابعة لمنظمات دولية.  

أمام تلك الصورة المؤلمة لشعب اعزل يفر من القتل إلى القتل، كان بصيص الأمل يشع من الوجوه المتوضئة التي أبت إلا أن تمترس خلف جذوع أشجار الزيتون كما شهداء معركة جنين متسلحين بالإيمان الله، وعاقدين العزم على خوض غمار المعركة حتى الرمق الأخير.  

اللحظات الحاسمة  

في تلك الأثناء كان الشهيد الفارس سليمان جمعة عميش "قديح" يشد من أزر رفاقه المجاهدين الذي صمتت أنفاسهم عندما رأوا عشرات بل مئات المدرعات تقترب من المناطق السكنية وهي تقتلع كل ما يقف في طريقها من أشجار وبيوت متواضعة، ليردد كلماته التي لا زالت حاضرة في وجدان من شاركوه تلك المعركة وكُتب لهما الحياة، حيث قال:" إن هذا طريقنا الذي اختاره الله لنا، فلنتوحد كجماعة واحدة رغم اختلاف انتماءاتنا وتشكيلاتنا العسكرية، ولنقاتلهم صف واحد كي نوقع فيهما اكبر قدرٍ من الخسائر".  

جهاد واستشهاد

وكانت المعركة كما يقول رفيقه المجاهد في سرايا القدس "أبو محمد" :" حامية الوطيس عجز جنود الاحتلال في ساعاتها الأولى عن حسمها رغم فارق الإمكانات، فلجأوا إلى الاستعانة بسلاح طائرات الاستطلاع التي لم تكن لتفارق سماء غزة، لتتمكن بعد استخدام الفسفور الأبيض الذي شل حركتنا والأمر الذي ساهم في تحديد أماكن تواجد بعضنا واستهدافهم بدقة".  

وأضاف أبو محمد" لقد كان الشهيد سليمان ضمن وحدة المدفعية التي أوكل إليها قصف أماكن تجمع الآليات الصهيونية، ومع بدء المعركة البرية أبى سليمان إلا أن يكون في خندق المواجهة الأول، وكان له ما تمنى، عندما اشتبك وعدد من إخوانه المجاهدين مع مجموعة من لواء جفعاتي أرادت أن تعتلي سطح أحد المنازل المرتفعة لتسيطر على كامل المنطقة، حيث اجبرت على التقهقر والتراجع إلى داخل الآليات المصفحة".  

وفي لقاء جمع مراسل موقع "الإعلام الحربي" بلواء خان يونس بأسرة الشهيد سليمان في منزل عائلته الواقع على بعد مئات الأمتار من الحدود الشرقية المحاذية للأراضي المحتلة، حيث عاش طفولته بين حقول الخضراء والطبيعة الخلابة التي كانت مرتعه وملعبه، قبل أن تأتي آلت الدمار لتحولها إلى اثر بعد عين، لتغفو عينه على صوت هدير الدبابات وأزيز الرصاص العشوائي وأصوات المدافع...وتستيقظ على صرخات وعويل الضحايا الذين لا حول لهم ولا قوة .  

نفتقده ... وننتظر اللقاء

ويقول والده الحاج جمعة "62" عاماً بلغته البسيطة بصوت حمل في جعبته أوجاع عشرات السنين:" معركتنا مع العدو الصهيوني طويلة وممتدة، ولن تنتهي إلا بزوال هذا الكيان الغريب عن أرضنا، وما نجلي سليمان إلا واحداً من آلاف الشهداء الذين امنوا بحتمية النصر على الكيان، فكانت الشهادة في سبيل الله اصطفاءاً لهما"، مؤكداً أن حزنه وتوجعه لا على نيل فلذة كبده الشهادة في سبيل الله وهو مقدم غير مدبر، بل على فراقه، متأملاً من الله العلي القدير ان يجمعه معه في الفردوس الأعلى.  

ويضيف الوالد الصابر" إن غلاوة الابن عند الأب لا يمكن تصورها إلا من تجرع الم فقدانها، فتخيل انك تزرع شجرة صغيرة، في كل يوم تحيطها بعنايتك ورعايتك وترويها من عرق جبينك، لتكبر تلك الشجر وتصبح مثمرة، فماذا سيكون شعورك عندما تراها تقطع أمام عينيك وأنت لا حول لك ولا قوة، فذلك شعور الأب عندما يفقد أحد أبنائه"، مستدركاً القول " ولكن عزائنا أننا نزف أبنائنا وفلذات أكبادنا إلى حور العين في عليين مع الشهداء والصديقين. 

طفولة مفعمة بالحياة

وتطرق والده خلال حديثه المفعم بالحب لنجله الشهيد الى ما كان يتمتع به الشهيد منذ نعومة بأظفاره من حسن الخلق والتزاماً بطاعة الله، قائلاً  :" منذ طفولته كان باراً مطيعاً لنا، لا يرفض لنا طلباً، محباً لإخوانه ومشاركاً لجيرانه أتراحهم وأفراحهم"، لافتاً إلى ما كان يتمتع به الشهيد من حباً للأرض حيث يقضي معظم أوقاته في رعاية الأرض التي أبى إلا يقتل وهو يدافع عنها.  

وبين أبو سليمان إلى أن جرائم الاحتلال الصهيوني بحق الإنسان الفلسطيني والأرض والأشجار الطيور والحيوانات هي من أشعلت في قلب كل محب غيور روح الانتقام من هذا العدو المتغطرس، ومؤكداً أن جرائم الاحتلال بحق شعبنا الفلسطيني والمقدسات الإسلامية لن تمر بدون عقاب رباني.  

ويقول شقيقه احمد :" ان استشهاد شقيقه ترك فراغاً قاتلاً داخل البيت، بعدما كان يعج بالحياة والسرور والبهجة "، واصفاً شقيقه بـ " فاكهة البيت".  

وأوضح أحمد انه رغم حزنه على فراق شقيقه إلا انه فخوراً بالعمل البطولي الذي برهن عليه شقيقه بدمه في حرب 2008-2009م، مؤكداً أن جرائم الاحتلال التي كانت تبثها الفضائيات بشكل مباشر ، كانت أحد أهم الأسباب التي أججت في وجدان شقيقه روح الانتقام والرغبة في الثأر من بني صهيون.  

طاعة .. جهاد ...شهادة

أما رفيقه في حركة الجهاد الإسلامي "جهاد"، فأكد أن الأيام الأخيرة من حياة رفيقه كانت مولعة بالإيمان بالله والطاعات، حيث قال :" كان تقبله الله في أيامه الأخيرة مقبلاً بشكل منقطع النظير نحو طاعة الله والدعاء بان يتقبله شهيداً سبيله"، مشيداً بالروح القتالية العالية والشجاعة والإقدام التي أبداهما الشهيد خلال مواجهته لقوات الاحتلال المجتاحة لبلدة " خزاعة"، والتي كانت تدل على مدى حرص الشهيد على نيل الشهادة في سبيل الله.ولفت جهاد إلى علاقة الشهيد الطيبة مع كل أبناء الاتجاهات الأخرى، سواء الوطنية منها أو الإسلامية.

ميلاده .. نشأته .. دراسته

ويذكر أن الشهيد سليمان جمعة عميش "قديح" قد جاء فجر ميلاده يوم السادس والعشرين من فبراير لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانون، لاسرة فلسطينية متواضعة اتخذت الإسلام منهجاً وسبيل حياة, تتكون  من والديه  وأربعة إخوة وشقيقتين.   

بدأ الشهيد سليمان مشواره الدراسي كما كل أطفال  فلسطين الذين يعيشون تحت وطأة الاحتلال وعنجهيته، فدرس المرحلة الابتدائية والاعدادية في مدارس خزاعة، وكان من الطلبة المتميزين بهدوئهم ومواظبتهم وحضورهم داخل الفصل،  ومن ثم انتقل لدراسة المرحلة الثانوية ولكن اغلاق الاحتلال الصهيوني والمعابر وفقدان والده لمصدر دخله الوحيد، دفعه لترك مقاعد الدراسة والعمل في الزراعة لمساعدة والده على تحمل أعباء أسرته.  

طريق الجهاد

وعلى الرغم انه ترك مقاعد الدراسة إلا انه ظل حرصاً على مشاركة إخوانه في حركة الجهاد الإسلامي في حلقات التحفيظ والجلسات الدعوية بمسجد " الرضوان"، التي ساهمت في تشكيل شخصيته الإسلامية الواعدة، المنتمية إلى خيار" الإيمان، الوعي، الثورة"، فقد كان دائم الاشتراك في فعاليات وأنشطة الحرك، فشب سليمان وكبرت معه أحاسيسه بالألم وجراح شعبه، وزاد حرصه على الالتحاق بصفوف سرايا القدس، فكان له ما تمنى حيث تم اختياره ليكون ضمن وحدة الرصد والمتابعة، وبسبب التزامه تم اختياره ليكون ضمن الوحدة المدفعية.

أما عن عمله العسكري، فيؤكد أحد رفاقه المجاهدين "أبو محمد" أن الشهيد كان يتميز بحرصه الشديد على المشاركة في كافة المواجهات مع جنود الاحتلال الصهيوني، لافتاً إلى الدور البطولي للشهيد خلال تصديه للآليات الصهيونية المجتاحة لمدن ومخيمات وقرى قطاع غزة.

قصة استشهاده

وكان الشهيد سليمان ورفيقه الشهيد الفارس علاء أبو ريدة وسبعة آخرون قد ارتقوا  إلى العلياء، فجر يوم الثالث عشر من يناير لعام 2009 اثر استهدافهم بصاروخ واحد على الأقل أثناء تصديه للاجتياح الصهيوني الغاشم على بلدة خزاعة، ضمن الحرب المسعورة التي أطلق عليها العدو الصهيوني "عملية الرصاص المصبوب" والتي سقط فيها نحو (1500) مواطناً فلسطينياً، وأصيب نحو خمسة آلاف آخرون بجروح متفاوتة، فيما دمرت مئات المنازل تدميراً كلياً، ، ناهيك عن آلاف الدونمات الزراعية التي سويت بالأرض.

الشهيد المجاهد: سليمان جمعة عميش