الشهيد القائد: جهاد جاسر السعودي

الشهيد القائد: جهاد جاسر السعودي

تاريخ الميلاد: الثلاثاء 09 أغسطس 1966

الحالة الإجتماعية: متزوج

المحافظة: غزة

تاريخ الإستشهاد: الخميس 12 يونيو 2003

الشهيد القائد "جهاد جاسر السعودي": رجل المهمات الصعبة

الإعلام الحربي _ خاص

"ما أعظمك أيها الشهيد وأنت ترتقي إلى العلا لتلقى الحور في جنان الخلد تمرح مع الخالدين.. الروح والرياحين تشتاق إليك.. وأنت أعلنت الرحيل وتركت القلوب تنفطر عليك.. تشرق النفس عبيرها لتشتم من عبق الشهادة ونورها..".

من رحم المعاناة والصبر نشأ الشهيد القائد جهاد جاسر السعودي "أبو أحمد" ابن السابعة والثلاثين عاما، ليكون رجلا ًناضجا دون أترابه، تحمل مسئولية أسرته مع والده الذي أنهك جسده المتعب المرض صغيراً، لكنه رغم اضطراره لترك مقاعد العلم ظل حريصاً على أن يشجع أشقاءه وشقيقاته على خوض غمار التعلم مهما كلفه ذلك من مالٍ وجهد، ليرى في نجاحهم بصيص النور الذي كان يحلم به لنفسه، فكان له ذلك.

ورغم المسئوليات الكبيرة التي كانت ملقاة على كاهله، وتحمله مسئولية أسرة كبيرة تتكون من الوالدين وأربعة أخوة وثلاثة شقيقات، لم يتوان للحظة عن حمل لواء العقيدة وشرعنة "أسلمة البندقية الموجهة إلى صدور الأعداء"، فخاض غمار الجهاد والمقاومة في وجه بني صهيون مع إخوانه في حركة الجهاد الإسلامي منذ تكوين اللبنة الأولى لهذا النهج القويم (الإيمان، والوعي، والثورة)، فعانقته الأرض بشدة لأنها اشتاقت لضمه، فهو الذي تربى على حب المقاومة والجهاد والاستشهاد في سبيل الله.

وللشهيد أبو أحمد قصة وحكاية عشق خالدة وسرمدية لفلسطين، قصها علينا شقيقه "أبو هاشم" وأبناء الشهيد الصغار (أحمد، ومحمد، ومحمود، وإسلام وآلاء) الذين لا زالوا يذكرون كلماته المفعمة بحب فلسطين ومقدساتها، فزرع فيهم الانتماء للوطن والعطاء له دون انقطاع.

المعلم والمربي
يقول أبو هاشم الذي التقى بعائلة الشهيد في منزله الواقع شرق حي الشجاعية، شرق مدينة غزة: " لشقيقي الشهيد جهاد تاريخ طويل وحافل بالعمل الجهادي، فكان كثيراً ما يحدثنا عن فلسطين والقدس، التي تستحق منّا العطاء دون انقطاع أو التردد في بذل المال والروح لأجلها".

وعن معاملته لإخوانه وأهله تابع أبو هاشم حديثه، قائلاً: "لم يكن الشهيد رحمه الله بمثابة الأخ البكر فقط، بقدر ما كان أباً ومربيا وموجها وناصحا أمينا، وذلك بسبب المرض الذي ألم بوالدنا فحال دون تمكنه من القيام بواجباته، فتحمل أعباء المسئولية منذ سن مبكرة وهو لم يتجاوز الثانية عشر من عمره حيث عمل خياطاً وفي عديد من الأعمال الشاقة".

ويضيف: "كان رحمه الله على قدر المسئولية ولم يتذمر أبدا أو يتهرب من مسئولياته تجاه أسرتنا الكبيرة، فكان شمعة تذوب أمامهم لتنير لنا دروب حياتنا لتكسوها بالبهجة والفرحة والأمان والاطمئنان، ومثل غيابه رحمه الله نفس الألم الذي يشعر به الطفل اليتيم الذي يفقد أبويه".

علاقة بر ورحمة
وعن بره لوالديه يؤكد أبو هاشم أن الشهيد كانت تربطه بوالديه علاقة مميزة قائمة على الحب والاحترام والتقدير والتبجيل والإيثار، فقد كان يحرص على إرضاء والديه ورسم البسمة على وجهيهما في كل وقت وفي أي مناسبة، كما ساهم بصورة كبيرة في تلبية جميع رغبات ومتطلبات العائلة حتى على حساب نفسه.

أما نجله الأصغر محمود، فلم يجد في جعبته الكثير ليقوله عن سيرة والده الذي فقده وهو لا يتجاوز عمره السنوات الستة، لتنتشر على قسمات وجهه ابتسامة حزينة تحمل في طياتها عديدا من الكلمات والجمل المعبرة: "كم أنا مشتاق لحضنك الدافئ يا والدي، لماذا استعجلت الرحيل وأنا لازلت طفلاً صغيراً يبحث في تراب الأرض عن شيء يلهو به؟".

ويقول محمد ببراءة الطفولة: "كان والدي يحبني كثيراً، حيث كان يصطحبني معه في السيارة دوماً، ويشتري لي الحلوى، بالأمس القريب جاء لينام بجانبي وشقيقي محمد، ثم غادرنا في ساعات الصباح الباكر".

فيما قال شقيقه محمد 16 عاماً الذي يكبره قليلاً: "كان والدي نعم الأب الحريص على إسعاد أسرته، ورسم البسمة على وجوهنا في كل وقت وفي أي مناسبة، كما ساهم كثيرا في تلبية جميع رغباتنا ومتطلباتنا حتى على حساب نفسه؛ وذلك لأنه تربى تربية صالحة نابعة من أصول الدين الإسلامي القويم"، مشيراً إلى أن والده رحمه الله كان يضطر أن يعمل لفترتين يومياً ليوفر لأسرته كل مقومات الحياة الكريمة.

وتابع محمد حديثه: "كان والدي كثيراً ما يحدثنا عن فلسطين والجهاد والمقاومة، ويؤكد لنا أهمية العلم كسلاح إستراتيجي في مواجهة أعدائنا والتغلب على كل ما يعترينا في الحياة من صعوبات"، مؤكداً أن والده كان يعامله وأشقائه كأخوة وأصدقاء له، فكان نعمَّ المربي والمعلم والقائد الذي زرع فيهم حب الوطن وعشق فلسطين وروح الجهاد والعلم.

الرجل الملتزم
وعن علاقته بالله سبحانه وتعالى يقول جاره أبو حاتم وصديق طفولته: "لقد استشعر الشهيد أبو أحمد رحمه الله المعنى الصادق لقوله صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم شاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، فكان يحرص منذ صغره وحتى آخر أيامه على تأدية الصلوات المفروضة في المسجد جماعة، وكان يحرص على حفظ القرآن وتلاوته، والسير على نهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ولم نكد ندرك عليه تغيبه عن صلاة الفجر أو صلاة العشاء في مسجد البشير"، مؤكداً على حسن خلق الشهيد جهاد ومعاملته الحسنة لجيرانه، ومشاركته إياهم أتراحهم وأفراحهم.

المجاهد الثائر دوماً
أما عن انتماء الشهيد "أبو أحمد" لحركة الجهاد الإسلامي كنهج وسبيل حياة يبتغي الإنسان عبره نيل رضا المولى عز وجل، فكانت بداياته مع انطلاقة الشرارة الأولى من حي الشجاعية يوم زفت كل فلسطين شهداء حركة الجهاد الإسلامي أقمار فلسطين الخمسة، فكانت انتفاضة الحجارة والتمرد على الاحتلال الصهيوني، حيث دأبت حركة الجهاد الإسلامي آنذاك على تنظيم المهرجانات والفعاليات المنددة بالاحتلال، بالإضافة إلى مواجهة الاحتلال بالحجارة وقنابل "المولوتوف" وتنفيذ عدة عمليات جهادية بالسكاكين وسلاح "الكارلو" وغيرها من الإمكانات التي كانت متوفرة.

الشهيد جهاد كان من أوائل الذين التحقوا بمجموعات "سيف الإسلام" والقوى الإسلامية المجاهدة " قسم" التابعتين لحركة الجهاد الإسلامي، واللتان كانتا تقفان خلف تنفيذ مئات الهجمات الجهادية ضد جنود الاحتلال والصهاينة المغتصبين.

ومع اشتداد ملاحقة المجاهدين وتعرض حركة الجهاد الإسلامي لضربة قاسية نهاية عام 89م، اعتقل فيها معظم أبناء حركة الجهاد الإسلامي، كان الشهيد جهاد واحداً من الذين رفعوا راية الجهاد خفاقة وعملوا ليل نهار ليؤكدوا أن الاحتلال لم يمح حركة الجهاد الإسلامي عبر تلك الاعتقالات، إنه لا زال خارج أسوار سجون الاحتلال جيش من أبناء الشعب الفلسطيني يحمل فكر ونهج الجهاد الإسلامي.

وتعرض الشهيد جهاد في تلك الفترة الحاسمة من تاريخ شعبنا الفلسطيني للاعتقال لعدة أشهر، ومع دخول السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 94م تعرض مرة أخرى لمحنة الاعتقال لانتمائه لحركة الجهاد الإسلامي، ومع بداية انطلاقة انتفاضة الأقصى المباركة، كان الشهيد جهاد من أوائل الذين التحقوا بسرايا القدس. ويؤكد عدد من رفاقه أن الشهيد جهاد كان شديد الإلحاح على قادته ومسئوليه لتنفيذ عمل جهادي ضد الاحتلال، مؤكدين وقوف الشهيد جهاد وراء تنفيذ عشرات الهجمات الجهادية.

ويحدثنا أبو هاشم عن شقيقه أبي أحمد في آخر أيامه قائلا: "كان هناك عديد من الإرهاصات التي بشرت بقرب موعد استشهاده رحمه الله، أبرزها أنه ليلة استشهاده سهر مع أفراد عائلته قائلا: يبدو أن الرحيل قد أزف، وابتسم وضحك، وفي صبيحة يوم 12- 6-2003م كان رحمه الله مجاز من عمله في مصنع الخياطة، ولكنه خرج بعد أدائه لصلاة الفجر مع رفيقه الشهيد سائد غباين لتنفيذ مهمة جهادية، وشاءت الأقدار أن يتم استهداف السيارة التي كان يقودها الشهيد القائد ياسر طه ومعه زوجته وطفلته أفنان بعدة صواريخ، في تلك اللحظة كانت تمر بها سيارة الشهيد جهاد ورفيقه سائد غباين، فاستشهدوا جميعاً على الفور فيما أصيب عدد من المواطنين".

العدو الصهيوني عبْر صحفه "العبرية" افتخر بضربته التي أصابت عصفورين بعدة صواريخ في آن واحد، فيما زفت سرايا القدس الشهيدين جهاد السعودي وسائد غباين والشهيد القسامي ياسر طه وزوجته وابنته.

الشهيد القائد: جهاد جاسر السعودي