الشهيد المجاهد: جهاد محمد زكارنة

الشهيد المجاهد: جهاد محمد زكارنة

تاريخ الميلاد: الأربعاء 30 نوفمبر -0001

تاريخ الإستشهاد: الأحد 30 أكتوبر 2005

الشهيد المجاهد "جهاد محمد زكارنة": قصة صمود ومقاومة

الإعلام الحربي- خاصِ

 

تحدق بنا عشرات من عيون الشهداء ونحن تحت سقف غرفة جهاد تلاحقنا تلك النظرات التي يصعب وصفها إلا أنها نظرة رجال تحدوا الموت واقبلوا عليه بملء أرادتهم.

قباطيا قلعة الثوار الأحرار.. ومعقل مجاهدي وقادة سرايا القدس الميامين.. قباطيا التي اسمها كفيل بان ترتجف منه فرائص الجنرالات من بني صهيون.. قباطيا التي احتلت بفعالها وتضحياتها سدة الجهاد في الانتفاضة الأولى ها هي تنهض كالعنقاء من تحت الرماد تشدها سواعد أبناء سرايا القدس.

أسرة مجاهدة

من رحم البطولة والعنفوان نشأ جهاد زكارنة ابن العشرين عاما ليكون رجلا ناضجا دون أترابه. والده من أسرة تصدت لمحاولات العدو الصهيوني تطبيع المناطق بنجسها عند تشكيل روابط القرى وسجن مع خمسة من أخوته وضيق عليه عيشه. في هذا الجو المشحون بروح التحدي والإباء والعاصف بأعاصير المقاومة ورفض الخنوع تنشق زكارنة من اتونها الملتهب هواء الجهاد.

البداية

مع شقيقه ثائر يقضي جهاد وقته ينظف العتاد ويحضر العبوات ويرصد الطرق قبل الهجوم. ويغيب عن أخيه ثائر ليقضي سويعات في خلوته مع ربه في المسجد أو مداومته على الصيام كل اثنين وخميس .. ثائر المعروف بالسحو بائع خضار في النهار ومجاهد صنديد في الليل من ابرز قادة كتائب الأقصى التابعة لتنظيم فتح في جنين سطر ملاحم بطولية تتجسد في تمكنه من فك الحصار عن ثمان من المطلوبين في البلدة والاشتباك مع عشرات الآليات هو ومجموعته التي نسج عروتها بحبال المقاومة والتحدي.

ويردد أهالي البلدة قصص تمكن "ابي العباس" من قتل جندي صهيوني ونجاح "أبي العباس" بقنص ضابط صهيوني وشجاعة "ابي العباس" في تفخيخ الطريق المتاخمة لمعسكر الزبابدة تلك البلدة المجاورة لقباطية وإصابة عدد من الجنود فيها. ويغدو "أبو العباس" رجلا خارق العبقرية ومفرطا بالبسالة والبطولة تحلق هامات أهالي قباطية في السحاب لمجرد كونه قبطاوي أصيل دون أن يكتشف احد أن هذا "الأبو العباس" لم يكن سوى " ثائر زكارنة " السحو.

شحنة أخرى تضاعف ما في نفس جهاد بملازمته ثائر وتلقنه الدورس الجهادية والفنون القتالية على يديه. وتهجم قطعان المخابرات وتختطف جهاد من بيته للضغط على السحو من اجل تسليم نفسه بعد أن بات يشكل عنصر إزعاج مبالغ فيه ضدهم وطبعا يواجه ثائر هذا الطلب بالرفض مرددا على مسامع ضابط المخابرات الذي اتصل به يهدده بقتل أخيه جهاد أن لم يستسلم " افرموا جهاد كفتة!!" كناية على استحالة تلبيته لمطلبهم .

ويدس له احد الخون بندقية كلاشنكوف مفخخة فلا يكاد يجربها حتى تنفجر ويلقى ثائر نحبه فورا، بينما كان جهاد في الأسر. ثم يعتقل شقيق جهاد حسنى ووالده بعد استشهاده بأيام لتكون هذه الأسرة قد ذاقت من الفظائع الهمجية للصهاينة ما يفوق الوصف .

الانتماء

خرج جهاد من سجنه مشحونا وعازما على الجهاد لنيل الشهادة ثأرا لثائر ولكرامة شعبه ويغدو جهاد مطلوبا خطيرا ترصد له مئات الخطط والكمائن دون جدوى ليتم القبض عليه أو حتى اغتياله كما سبق واغتيل ثائر ولكنه حذر ومناور بارع على حداثة سنه يقرر جهاد أن أفضل الدروب للوصول لهدفه في الجهاد في سيبل الله هي إطار إسلامي قوي وفاعل فينتمي إلى حركة الجهاد الإسلامي ويلازم مروح زيد ورفاقه من قادة سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في جنين .

ويغدو بيته مأوى آمن للمطلوبين لجنود الاحتلال الصهيوني. في غرفة جهاد تتزاحم صور أبطال جنين من الشهداء واستشهادييها رجالا ونساءا وتحتل صورة الشقاقي مكانا بارزا بين الصور وقد علق بجانبها قصيدة عن سرايا القدس تخبرنا والدته أنها ملهمته ومصدر عنفوانه.

صور ثار الأخ الشهيد تجتاح تلك الغرفة نراها معلقة على كل جدار و حتى السقف. هذا هو بيته ومكانه الذي يأوي إليه ليلا قبيل الفجر من كل صباح بعد جولة أخرى موفقة ضد جنود الاحتلال .

وبعد استشهاد مروح زيد في عملية عسكرية كبرى حاصرت الشهيد في بيته و هدمته فوقه عقب رفضه تسليم نفسه يعلن جهاد عن نفسه بأفعاله لا بأقواله ليكون قائد سرايا القدس في قباطية . يجهز الأسلحة ويتفحصها بحذر ودهاء ويشكل من السرايا قوى ضاربة تشن غاراتها بمرافقته ويجند من شباب قباطية خلية قوية عصية على الاحتلال ويجعل علاقته بأسرته سطحية حتى لا تشده الدنيا لأنه قرر اختيار الآخرة فقط .

جهاد الذي لم يتجاوز العشرين إلا بأيام قلائل وبعد عام من الضربات الموجعة يدبر عملية الخضيرة التي نفذها صديقه "حسن أبو زيد" بتاريخ 27/10/2005 ردا على اغتيال القائد لؤي السعدي وعلى اثر العملية وإعلان هوية منفذها تجتاح قوات معززة من جنود الاحتلال الصهيونية قباطية وتتصدى لها سرايا القدس .

البطولة والشهادة

عقب محاصرة منزل محمد نزال في حارة الزكارنة في 30/10/2005 يتحصن جهاد زكارنة ونائبه ارشد كميل في المنزل وبإقبال على الشهادة وبشجاعة نادرة يتعالي هتافهم و تكبيرهما رافضين الاستجابة لتهديدات القوات الصهيونية التي حاصرتهم عبر مكبرات الصوت .

ارشد يلقى الرفيق الأعلى أولا

مع مجموعة من سرايا القدس وداخل ذالك المنزل يكبر ارشد ويسحب زناد بندقيته مقبلا غير مدبر يصوب نحو أعداء الله ولكن رصاصة غادرة تصيبه في رأسه بإصابة مباشرة فيلقى ربه شهيدا وتنهال رصاصات حقدهم لتجعل جسده غربالا. ارشد هو الشهيد الثاني في الأسرة وذلك بعد اغتيال شقيقه الاكبر محمد احد مقاتلي كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس في عملية جبانة في نيسان 2002 خلال عملية السور الواقي العدوانية والتي استشهد فيها مع سبعة آخرين من بينهم الشهيد قيس عدوان في طوباس .

وقبيل اغتياله اعتقل شقيقه الأصغر رامي وكان والده قد اعتقل أيضا لنشاطه المميز في حركة فتح. وظل ارشد مطاردا ومطلوبا لاكثر من عام قبل استشهاده رحمه الله.

جهاد يضحى بنفسه

وينتبه جهاد أن القوات المحاصرة تصوب نحو رفاقه لإصابتهم بقنبلة من مسافة قريبة فيلقى نفسه فوقهم ويلقيهم أرضا ويزحف معهم ليتمكن من معه من الفرار ويصاب هو بإصابة بالغة في العنق وتنهب الجو مروحيتي اباتشي وتطلقان الصواريخ تجاه المنزل حتى بعد توقف إطلاق النار من داخل المنزل واستمراره من خارجه بعد خرج اهالي قباطية عن بكرة أبيهم لنجدة المحاصرين، وبعد انقشاع سحب الغبار يخرج جنود العدو جسدين هامدين للشهيدين جهاد وصديقه الحميم ارشد البالغ من العمر 21 عاما .

ويصف المسئولون عن العملية بأنها فازت بصيد ثمين. ويغدو اسلوب الاحتفال به نمط سادي حاقد حينما يطالبون احد الأسرى ممن اعتقلوا في تلك العملية بان يطأ بقدمه وجه جهاد ليكون الرفض القاطع هو الرد. وبعد التنكيل بالأسير وبحقدهم على جثة هامدة يسحبون الجسد الطاهر خارجا وعلى مرأى من أهالي البلدة الذين تجمهروا عقب شيوع خبر شهادة جهاد الصديق الحميم للصغير قبل الكبير يقوم جنود الحقد الصهيوني بهرس وجه جهاد تحت عجلات جيب عسكري ضخم.

رحل جهاد مسلما الراية لمن بعده .. رحل تاركا الدنيا بزخرفها .. رحل بعد أن طبع في قلوب من عرفوه معنى أن تكون إنسانا ومعنى أن تكون مجاهدا ومعنى أن تكون حانيا عطوفا ورسم حروف العزة والبطولة على صفحة مشرقة من تاريخ فلسطين الحافل بالأبطال. تاركا في وصيته رجاءا حارا للوالد والوالدة للإخوة الاربعة وللأخوات الثلاث بنبذ الحزن والبكاء وتوزيع الحلوى.

الشهيد المجاهد: جهاد محمد زكارنة