واحة الخالدين/ الشهداء الجند/ الشهيد المجاهد: عادل محمد أبو سالم
الشهيد المجاهد
عادل محمد أبو سالم
تاريخ الميلاد: الأحد 24 نوفمبر 1968
تاريخ الاستشهاد: الخميس 26 أكتوبر 1989
المحافظة: الشمال
الحالة الاجتماعية: أعزب
سيرة

الشهيد المجاهد "عادل محمد أبو سالم": الشجاع المقدام

الاعلام الحربي- خاص

قد تكون الكلمات صارخة ترتعد لها القلوب.. وقد تكون الورود شامخة توزع رياحينها بين جنبات المكان وتهفو لها قلوب العاشقين.. قد تكون الطيور الهائمة في فضاء الكون مليئة بالسعادة والحياة وهي تعزف أنشودة الكون اللامتناهية لشعورها بالحرية والجمال.. قد تكون الليالي الساكنة تحمل في طياتها خيوط الفجر المضيئة وتطلق قيود الصباح.. ولكن هذا كله لا يساوي عظمة الشهداء.. فالشهداء لحن خالد لا يعزفه غيرهم ولا يشدو به إلا الشهداء وحدهم.. إنهم يسكنون في دقات القلوب السعيدة وفي لحظات الأسى.. إنهم يرسمون رياح النصر القادم ويقهرون ليل الهزيمة.

الميلاد والنشأة

ولد الشهيد عادل محمد جمعة أبو سالم في مدينة خانيونس الصمود، جنوب قطاع غزة سنة 1968م. هاجرت أسرته في بيت طيما المحتلة عام 1948، كما باقي العائلات الفلسطينية المهجرة من قراها وأراضيها..

نشأ شهيدنا وسط عائلة متواضعة ومحافظة تتخذ الإسلام ديناً وشرع حياة، حاملة الهم الفلسطيني بين أضلعها وثواني عمرها، وكان يكبر شهيدنا وتكبر معه مأساة هذا الشعب المنكوب المشرد هنا وهناك.

نشأ وترعرع بين أزقة المخيمات الفقيرة والمسحوقة ليلتحق بالمرحلة الابتدائية ومن ثم المرحلة الإعدادية في مدارس خانيونس وما أن أنهى دراسته الإعدادية حتى انتقلت عائلته في عام 1985، من مدينة خانيونس الصمود إلى مخيم جباليا الثورة والطلقة.

عاش حياته في المخيم وسط الضيق والفقر الذي يحاصر كل أبناء المخيمات الفلسطينية، وكلما كبر في السن ازدادت معاناته أكثر لإدراكه لواقعه المرير، كان يعرف أن اليهود هم الذين يشكلون الهم اليومي له ولشعبه وأنه وراء كل المصائب وكل المعاناة التي لا تنتهي.. التحق شهيدنا البطل بالتعليم المهني تاركاً تعليمه الأكاديمي حتى يعول إخوانه الصغار وأسرته.

صفاته

كان الشهيد عادل يتمتع بالأخلاق الإسلامية الحميدة، كان شجاعاً يحب الناس ويساعد المحتاج ويوقر الكبير ويعطف على الصغير يساهم في حل المشكلات اليومية التي يعاني منها المخيم ويحبه الجميع، كان حريصاً على صلاة الجماعة وخاصة صلاة الفجر التي كان يؤديها في المسجد وكان يكثر من قراءة القرآن والجلوس في حلقات العلم للتعلم والاستفادة، ويستعير الكتب الإسلامية من مكتبة المسجد.

مشواره الجهادي

ما أن تفجرت الانتفاضة الثورة في الأرض المحتلة عام 1987م، حتى كان الشهيد عادل من أوائل الذين لبوا نداء الواجب فكان أول المتصدين لقوات الاحتلال وعصابات النازية فأخذ يقاوم جنود الاحتلال ويشارك في فعاليات الانتفاضة من الرشق بالحجارة وإلقاء الزجاجات الحارقة على دوريات الاحتلال، والكتابة على الجدران وتوزيع البيانات والمشاركة في الفعاليات الشعبية، وتقديم الخدمات للمواطنين المحتاجين والمشاركة في تأديب الخارجين عن الصف الوطني والساقطين أخلاقياً وكان دائم التجوال لا يهدأ أبداً.. تجده دائماً في الميدان.

عمل الشهيد في اللجان الشعبية التابعة لحركة فتح وفي العام 1988، التحق شهيدنا بكوكبة الإيمان والوعي والثورة.. كوكبة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين المظفرة.. ليكون أحد الناشطين فيها وقام بدور كبير في النشاط السياسي والجهادي والاجتماعي للحركة المجاهدة.. من مساعدة للفقراء والمحتاجين وتوزيع للبيانات وقذف لقوات الاحتلال بالحجارة والزجاجات الحارقة.

من أعمال الشهيد

في أحد الأيام كان حظر التجول مفروضاً على مخيم جبالياً حيث قام شهيدنا بعمل تمثال على هيئة شخص ووضعه بشكل شبه طبيعي مستنداً على أحد أعمدة الكهرباء في الشارع الفاصل بين بلوك 6 و7 بهدف استدراج جنود الاحتلال إلى هذه المنطقة وبالفعل وبعد مطاردة ساخنة للمواطنين لاحظ أفراد الدورية بأن هناك شخصاً يقف مستنداً على عمود الكهرباء لابساً بنطال جِينَزْ وجاكيت وطاقية صفراء وقاموا بالنداء عليه بمكبرات الصوت وأخذوا يلحون عليه ويتوعدون بإطلاق النار عليه وبعد وقت قصير حضرت إلى المكان قوات تعزيز وخبراء في المتفجرات وحدثت فوضى في صفوف قوات الاحتلال الإسرائيلية حيث اعتقدوا أنه شخص يحمل عبوات ناسفة يريد أن يفجر نفسه فيهم فدب الرعب في قلوبهم وبعد أن تأكدوا أنه دمية فيها متفجرات ففجرها خبراء المتفجرات الصهاينة عن بُعد بَعد أن خارت قواهم من شدة الخوف فقد قذف الله في قلوبهم الرعب فأصبحوا لعبة للناس يتسلون بها.

الشهادة

فجر يوم الخميس الموافق 26/10/1989م، حيث شهر أكتوبر الوردي.. شهر الانتصارات والشهداء.. استيقظ شهيدنا عادل أبو سالم مبكراً ليؤدي صلاة الفجر في جماعة ثم يعد العدة للمواجهة مع المحتلين ويقوم بواجبه المقدس، كان يوماً تشرينياً وردياً يحمل في أيامه ذكرى معركة الشجاعية وانتصارات أكتوبر وأمجاد المسلمين وكانت العبارة التي يريد المجاهدون كتابتها على جدران المخيم «الدم قانون المرحلة وأن وعد بلفور أعطى من لا يملك وطناً لمن لا يستحق». ونفى لبعض الشعارات المشبوهة والمدسوسة باسم حركة الجهاد الإسلامي وكانت عصابات العملاء (القوات الخاصة) تتربص بالشهيد وعرف شهيدنا أن هناك قوات خاصة في المنطقة فحاول الاختفاء عن عيونهم ولكنهم لاحقوه وتبعوه في كل مكان، وكأن هناك إصراراً متمكناً فيهم أنهم يجب أن يقتلوه فأطلقوا عليه الرصاص الحاقد المملوء بحقد أعمى وهمجية عمياء. أصيب شهيدنا البطل بعدة رصاصات اخترقت ظهره وقدمه وكل أنحاء جسمه، ولكنه رغم ذلك اختفى عن أعينهم فأخذوا يبحثون عنه في كل مكان حتى عثروا عليه في أحد أزقة المخيم التي عشقها وعاش بينها ورغم جراحه القاتلة إلا أنهم أوسعوه ضرباً وركلاً بأقدامهم حتى لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يصيح في وجوههم القبيحة الله أكبر.. الله أكبر..

وينطق بالشهادتين وبدور بعينيه بنظر للحياة الخالدة التي لا تعرف النهاية، بينما تتواصل ركلاتهم لجسده الطاهر وضرباتهم له بأعقاب بنادقهم وهو غارق في سعادة لا تنتهي.. سعادة اللقاء والأجر والثواب التي وعد الله بها ولا يشعر بهم ولا يلتفت لهم ولا ترهقه ركلاتهم لأنه يعلم علم اليقين أن جزاء الشهادة كبيرة عند الله وأنه سيحشر مع النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً إن شاء الله.

وبعد استشهاده قامت قوات الاحتلال بحجز جثمانه الطاهر عن أهله وذويه حتى يمنعوا إخوانه وذويه من تأبينه ووداعه ولكنها الملائكة هي التي شيعته وهي تحيط بجثمانه من كل مكان.

وسمح العدو لعدد بسيط من عائلته بدفنه إلا أن إخوانه وأحباءه وأبناء المخيم أصروا على وداعه فانتظروه في المقبرة.. كيف لا وهو الذي قدم حياته رخيصة من أجلهم.. من أجل حياة ينشدونها وأمل يعيشون عليه، لقد فوجئ جنود الاحتلال أن المقبرة ملأى بمن يحبون الشهيد وبعد أن شاهد الناي جثمانه الطاهر وهو يقترب من القبر هتفوا بأعلى صوتهم (الله أكبر) ففر جنود الاحتلال تتبعهم حجارة المنتفضين الثائرين واشتعلت الأرض لهيباً تحت أقدام الصهاينة المحتلين، فكان شعاره الذي خطه بيده (الدم قانون المرحلة) عنواناً لدمه الزكي الذي روى به تراب فلسطين الحبيبة وأنه لا طريق ولا سبيل إلا طريق الدم والشهادة ولا سبيل إلا الكفاح المسلح لتحرير فلسطين ونيل الحرية والاستقلال.

هذا هو الدرب وهذا هو الطريق وهذا هو السبيل كما رسمه لنا الشهداء الأحرار الذين سلكوا طريق العز والفخار لا تلهيهم الحياة الدنيا وزينتها وزخرفها ولا تغرنهم أبداً، لقد اختاروا طريقهم رغم الصعاب وحققوا غايتهم المبتغاة وأرضوا ربهم فرضى عنهم. لقد أطلقت أم الشهيد الزغاريد عندما علمت باستشهاد ابنها لأنها تعلم أنه حي عند الله يرزق وأنه ستلاقيه عند الله يوم القيامة.. إنه العرس الكبير الذي لا ينتهي في ساحة لا تنتهي في ليلة لا تنتهي.. هذا هو العرس الفلسطيني ونقول كما قال الشاعر توفيق زياد: بالهنا يا أمه زفي إلى أحضانه أحلى صبية... بالهنا يا أمه بيعي ثيابك واشتري له بندقية.