الشهيد القائد: سامي محمد الشيخ خليل

الشهيد القائد: سامي محمد الشيخ خليل

تاريخ الميلاد: الأربعاء 01 يناير 1964

الحالة الإجتماعية: أعزب

المحافظة: غزة

تاريخ الإستشهاد: الثلاثاء 06 أكتوبر 1987

الشهيد القائد "سامي محمد الشيخ خليل": أبرّ بقسمه فأطلق رصاصة الوفاء للعهد على رأس الجلاّد

الإعلام الحربي – خاص

كان التاريخ محفوراً هناك.. في حي الشجاعية.. عندما التقت أقمار حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين على دوار الشجاعية وهم: (محمد الجمل، سامي الشيخ خليل، زهدي قريقع، أحمد حلس)، وجهاً لوجه مع جنود العدو ورجال مخابراته، واشتبكوا معهم بعد شهور من الملاحقة والمطاردة التي أثخنت الاحتلالَ وعملاءه. فارتقى الشهداء وقد سبقهم مصباح الصوري شهيداً إلى علياء المجد مسطرين أروع آيات العز والفخار، فتوزع دمهم على جداول وأنهار فلسطين معلنا بدء فيضان وطوفان الثورة المباركة.  

كان دم "النشامى" قبل ذلك بأيام رصاصات في وعي الأمة لتفيق من سباتها، ليدخل الشعب الفلسطيني معها أهم محطة في تاريخه المعاصر، وتدخل الأمة معها أجمل لحظاتها في النهوض والثقة بالنفس وليرتقي الشهيد البطل سامي الشيخ خليل مضرجاً بدمائه الزكية ويلتحق بركب الصحابة والصديقين والشهداء.  

إصرار على المضي

في منزل عائلة الشهيد سامي الشيخ خليل بمنطقة حي الشجاعية التقى الاعلام الحربي والده الحاج "أبو عبد الرحمن" -82 عاماً- والذي رسمت السنين على ملامح وجهه المشرق بالأمل تاريخاً طويلاً من المعاناة والعذابات، فيما تزينت جدران غرفة الضيافة بصور الشهيد سامي لتحكي قصة بطل حفر لنفسه اسماً في قلب كل فلسطيني عاشق لترابه ومقدساته المباركة.  

ما إن بدأنا بالسؤال عن الشهيد سامي حتى تهلل وجه والده وقد اعتلت جبهته ابتسامة أخفت خلفها ملامح حزن تراكمت على جسده المنهك من الإعياء والتعب، فأخذ يقول: "قبل ثلاثة وعشرين عاماً التقيت به بعد هروبه ورفاقه من سجن غزة المركزي ثلاثة مرات، وطلبت منه في اللقاء الأخير بعدما اشتد علينا تضييق الاحتلال أن يهرب كما فعل بعض زملائه، لكنه أصر على البقاء، قائلاً كلمات لازال صداها يدوي في أذني: (الخروج من غزة ليس عائقا أمامنا، فبإمكاننا في يوم وليلة أن نسافر لأي بلد نختاره، لكن اعذرني يا والدي فقد اخترت ورفاقي البقاء على هذه الأرض المباركة لنطهرها من دنس بني صهيون، أو نموت فوق ترابها شهداء لنحيي بدمائنا روح العزة والكرامة في شباب أمتنا)".  

وتابع حديثه: "أيقنت ساعتها أن حياة نجلي ورفاقه على هذه الدنيا باتت مجرد أيام وربما ساعات وستنتهي، فالعدو الصهيوني يمتلك أعتى ترسانة عسكرية واستخباراتية في المنطقة ولديه العملاء المندسين في صفوف شعبنا، سخرها جميعها للوصول إليهم.. وهو ما كنت أخشاه طوال فترة مطاردتهم، حتى أنني طلبت منه عدم محاولة رؤيتي لأننا نخضع لمراقبة شديدة من الاحتلال وأعوانه".  

وتعرضت عائلة الشهيد في تلك الفترة لشتى صنوف الضغط والتضييق لإكراهها على الإدلاء بأي معلومات عن مكان اختبائه أو على الأقل تزويدها بمعلومات عنه، وقد تمت مداهمة المنزل عشرات المرات، وتكسير الأثاث والشتم والتهديد والوعيد.

ولقد اعتقل والده وأخوه في السجن لمدد قصيرة متفاوتة، كان آخرها اعتقال الوالد لمدة 18 يوماً في محاولة لإرغامه على الإبلاغ عن مكان وجود سامي بشتى الطرق، ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل.  

أنار طريقه بالإيمان

وأشار أبو عبد الرحمن إلى أن نجله الشهيد كان منذ صغره ملتزماً بالمسجد ومحباً للمسلمين في بقاع الأرض، لافتاً إلى أنه في أحد الأيام تغيّب سامي على غير عادته عن البيت لمدة يوم وليلة، الأمر الذي أصاب أسرته بحالة من القلق عليه، ليكتشفوا أن سبب غيابه أنه ذهب إلى مدينة القدس للرباط في المسجد الأقصى والتصدي لتحرشات المستوطنين اليهود المستعرة.  

ميلاده

ويذكر أن الشهيد سامي الشيخ خليل قد أشرقت شمس ميلاده في عام 1964م بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، ودرس في المدارس حتى الصف الثالث الإعدادي، ثم تعلم في الصناعة "باتحاد الكنائس بغزة" قسم الحدادة، وحصل بعدها على شهادة، وتتكون أسرته من شقيقين وخمس أخوات، وتوفيت والدته عام 1986م.  

انتماؤه لفلسطين والجهاد

كان فؤاد الشهيد جهادياً منذ صباه، ينبض بالمقاومة والجهاد ضد العدو المحتل، ويذكر والده أنه في سنة 1985 كان الشهيد سامي يسير في المدينة مع بعض أصدقائه، وكان يلبس الكوفية الفلسطينية، فاعتقله جنود الاحتلال مع أصحابه، وعند الإفراج عنه عاتبه أصدقاؤه وبشدة على موقفه فأجابهم بعناده المعهود بأن (الجهاد لا يعرف الوسطية أو الخوف)، مشيراً إلى ما كان يتمتع به الشهيد من شجاعة وصلابة في الموقف وجرأة منقطعة النظير وقلب لا يعرف الخوف.  

اعتقاله

وفي مطلع عام 1986 اعتقل الشهيد سامي مع قريب له منظم في حركة فتح، حيث ذهبا معاً لردع أحد العملاء، ومنذ الأيام الأولى لاعتقاله تعرف الشهيد على حركة الجهاد الإسلامي، وانتمى إلى مشروعها الثوري ليكون أول الشموع المضيئة التي أنارت بيت المقدس وكل أكناف فلسطين. ويؤكد أبو عبد الرحمن بأن سامي قضى فترة محدودة في سجون الاحتلال منعت أسرته من زيارته مرتين بسبب ضربه لأحد السجانين ضرباً مبرحاً في إحدى الممرات، حيث كان الشهيد يجيد لعبة "الكاراتيه" وكان على وشك الحصول على الحزام الأسود.  

الهروب لمواصلة الجهاد

وحول عملية الهروب الشهيرة يقول والده: "أثناء وجود الشهيد سامي في السجن وفي أحد الأيام جاء جنود جيش الاحتلال بكثرة، وبصورة مفاجئة أحاطوا البيت من كل الجهات، عندها فهمنا ضمناً أن سامي حصل معه شيء، وبالفعل، سمعنا بعدها مباشرة من الأخبار عن الهروب من سجن غزة المركزي (السرايا)".  

عندما هرب الشهيد سامي مع إخوانه من السجن استقر بهم المقام في أحد البيوت بمدينة غزة، كان منظر الشهداء غير مألوف على الإطلاق في زمن سقطت فيه كل البنادق، كان الشهداء يمتشقون سلاحهم وهم يتبادلون النكت على الجندي الصهيوني الذي لا يهزم ومدى هشاشة الكيان الصهيوني أمام بسالة المجاهدين الربانيين، وإحدى هذه النكت كانت بعد اغتيال مسئول الشرطة العسكرية في قطاع غزة، الضابط "رون طال".  

وهي عند موقف جباليا وسط غزة، حيث لاحظ الشهيد سامي ورفيقه محمد أحد رجال المخابرات وهو يجلس في حالة من الاسترخاء في سيارته من بين السيارات التي ازدحم بها موقف جباليا، كأنه آمن على حياته، فتقدم نحوه الشهيد سامي بمسدسه الذي صوبه على رأس رجل المخابرات وضغط على الزناد فلم يخرج الرصاص وانتبه ضابط المخابرات فضرب بيد سامي ليسقط من يده المسدس، ولكن سامي تحرك في الوقت المناسب وسحب يده بقوة، وأنزل الأمان بسرعة وأطلق من مسدسه خمس رصاصات أطاحت بكبرياء "إسرائيل" على امتدادها.  

ومن المفارقات المضحكة أن اغتيال الضابط الصهيوني جاء في يوم عيد الأضحى المبارك وكان الشهداء يضحكون، وكان سامي يومها مصابا بالأنفلونزا ونائماً فضحك الشهيد مصباح وقال له مازحاً: "آه يا سامي.. الله ما في حدا مثل سامي ضحى يوم العيد بالضابط، نحن بقينا بدون أضاحي".

ولقد كانت هذه الفترة مرحلة جهاد كبرى قادها الشهيد سامي وإخوانه أوقعت عديداً من جنود وضباط العدو ومستوطنيه بين قتلى وجرحى وبثت الفزع في أوساط أجهزة العدو، وخرجت الصحف العبرية آنذاك بعناوين عريضة "الجهاد الإسلامي اسم جديد يثير الرعب في غزة" وبدأت شوارع غزة التي كانت تزدحم بالمستوطنين وضباط المخابرات تتطهر من دنسهم وتعود لتاريخها المليء بالبطولات والعصيّ على الانكسار لأي محتل غاشم.  

استشهاد الفارس

في مساء يوم 06/10/1987م كانت عصبة الإيمان في سيارتين الأولى تضم الشهداء (حلس وقريقع) والثانية تضم الشهداء (الجمل وسامي الشيخ خليل) وغيرهم ممن لم تكتب لهم الشهادة، كان الأبطال كما يبدو في مهمة جهادية أو استطلاعية لأنهم كانوا معاً وبأسلحتهم، وكان العدو ينصب كميناً لهم قبالة مسجد التوفيق بالشجاعية وتركوا السيارة الأولى تمر دون اعتراض، وعندما وصلت السيارة الثانية اعترضوها ووقف ضابط مخابرات صهيوني وقال بصريح العبارة: "سلّم نفسك يا سامي" فعندها أسرع سامي بإطلاق الرصاص عليه من مسدسه فأرداه قتيلاً على الفور، وكان هذا الضابط -كما كشفت التفاصيل فيما بعد- هو الذي حقق مع سامي في السجن فضغط بالتهديد عليه كثيراً، فصرخ سامي في وجهه: "سوف أقتلك ولو آخر يوم في حياتي".

وفي آخر يوم بحياة الشهيد رحمه الله أطلق سامي رصاصة الوفاء للعهد والقسم على رأس الجلاد فأوفى بوعده كاملاً، وبعدها بدأت المعركة التي انتهت باستشهاد الفرسان الأربعة بعد مطاردة السيارة الأولى.  

وقد وقعت المعركة مقابل مسجد التوفيق الذي تربى فيه سامي وبلور عقليته ورؤيته الجهادية الحضارية، فكما كان المسجد شاهداً على حياته كان شاهداً كذلك على استشهاده.  

عرس لم نشهده

وحول مراسم تشييع الشهيد سامي، يقول جاره أ. نبيل أبو سرية: "بعد اندلاع معركة الشجاعية وشيوع خبر استشهاد الأقمار الخمسة، عمت مواجهات عنيفة مدن قطاع غزة والضفة الغربية كافة بما فيها القدس، في المقابل فرضت قوات الاحتلال منعا للتجوال لمدة ثلاثة أيام، وحالت دون تشييع الشهداء في موكب جنائزي مهيب، حيث طلبت من والد الشهيد اختيار عدد محدود من أبناء عائلته لحضور مراسم دفنه".  

ويضيف: "لكن ذلك لم يمنعنا من فتح بيت عزاء للشهيد استمر لأكثر من عشرة أيام، حضره وفود من جميع مدن فلسطين المحتلة عام 48، والقدس والضفة الغربية، ناهيك عن المؤسسات والأطر المختلفة في قطاع غزة" مؤكداً على أن الحضور الكبير للمواطنين من كل أرجاء الوطن كان بمثابة تأييد شعبي لمسير الأبطال، والنواة الأولى التي انطلقت عبرها انتفاضة الحجارة بعد أقل من شهرين على استشهادهم.  

هكذا صعدت أرواح الشهداء الأربعة إلى خالقهم تسبقهم إليه دماؤهم الطاهرة وشوقهم إلى الجنة، وهكذا يا سامي، وهكذا.. يا سيدي يرتقي الرجال، فكما سبقك القسام ومصباح ومعك الجمل وحلس وقريقع.. ارتقى بعدك علي العماوي وخالد شحادة وعماد عقل وياسر النمروطي وهشام حمد وهاني عابد.. وهكذا هو الدم يرسم أفق المرحلة شاهداً على امتلاكها مفردات القوة.

الشهيد القائد: سامي محمد الشيخ خليل