الشهيد المجاهد "حميد صبح أبو فوجو": طيف شهادته لازال يفوح مسكاً
الإعلام الحربي – خاص
إنهم الشهداءُ الأبرار قناديل تضيء لنا طريق الحرية والعزة والكرامة.. أبطال مضوا يحملون أرواحهم على أكفهم.. لا يبتغون دنيا زائلة.. ولا زينة فانية.. بل يبتغون جنان وانهار في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. حملوا هم دينهم ودعوتهم.. وتعجلوا الخطى نحو لقاء ربهم كمسير أهل الحب للميعاد.. حميد فوجو أتيت كالصقر تنبش الصخر .. فأنت شهيد الحق والواجب في زمن الاندثار.. أرقت وأزهقت نفسك في سبيل الله لتسجل اسمك في سجل الخالدين ولتعانق جنان رب العالمين ..
بزوغ الفجر
كانت فلسطين في الثامن عشر من شهر يوليو/ تموز للعام الثاني والتسعين بعد التسعمائة وألف للميلاد على موعد مع ميلاد الفارس حميد صبح محمد فوجو أحد فرسان البطولة والفداء. عاش شهيدنا حميد وتربى في أسرة فلسطينية ميسورة الحال تحت ظلم وقهر الاحتلال، فصبرت واحتسبت معاناتها في سبيل الله ، وعملت على تربية أبنائها التربية الإسلامية ، وطاب غرسها.
ونشأ بين أحضان عائلته المكونة من والديه وسبعة أشقاء وأربعة شقيقات وقدر الله أن يكون الابن الأخير للعائلة .
ودرس شهيدنا المغوار في مدارس الحكومة، وكان جيداً في تحصيله العلمي ثم أكمل الثانوية في مدرسة كمال عدوان غرب مدينة رفح وحصل على معدل جيد, ولكن لم يلتحق بالجامعة نظراً للظروف الصعبة التي تعيشها عائلته, فذهب إلى العمل لمساعدة والده .
صفاته وأخلاقه
كان شهيدنا محافظاً على صلة الأرحام باستمرار مطيعاً لوالديه باراً بهما حيث كان أحب إخوانه إليهما, وتميز بمحافظته على صلاة الجماعة في مسجد "الإمام أنس بن مالك" وخاصة صلاة الفجر, حتى أنه قبيل استشهاده أوصى إخوانه الشباب على صلاة الفجر بالمسجد, وعرف الشهيد بحسن الخلق والورع والتقوى, والصلابة في قول الحق والثبات عليه.
والد الشهيد حميد فوجو قال لـ"الإعلام الحربي" أن نجله " حميد" كان الابن المدلل له من بين أبنائه، محبوباً من قبل الجميع , ولين الجانب مع جيرانه وأهله وأصدقائه وجميع أهالي الحي بروحه المرحة.
وأضاف: "خلال فترة الحرب الأخيرة كنا أشد تعلقاً به وأكثر شغفاً من ذي قبل لرؤياه، ولم ندري حينها أنها كانت اللحظات الأخيرة التي تسبق استشهاده ورحيله الأبدي. مشيراً إلى أن ابنه اختار طريق العزة والفخار طريق الشهادة ليكون في عليين بجوار من سبقوه، فنال ما تمنى وارتقى شهيداً، وكان فقده موجعاً جداً.
من جانبها قالت والدة الشهيد "حميد فوجو " أنها فقدت مهجة القلب والروح والابن الحنون البار ذو الأخلاق الحسنة, مضيفةً بأن نجلها جاء خفيفاً على الدنيا ورحل خفيفاً كلمح البصر, كان حنوناً رقيق القلب محباً والمرح مع الجميع.
وبينت أنها كانت تجهز فلذة كبدها كل ليلة وتودعه عندما كان يخرج للرباط على الثغور, وكان دائماً ما يطلب منها الدعاء له بأن يتمزق جسده في سبيل الله.
وأضافت: "رحيل حميد خلّف فراغاً كبيراً في قلبي, لكن طيفه لم يغب أبداً وظلت روحه الطاهرة ترافقني وتملئ الحياة".
أما "أبو خالد" رفيق درب الشهيد حميد فوجو فقد تحدث عن العديد من المواقف النبيلة التي جسدها الشهيد خلال فترة حياته، وتطرق إلى جوانب أخرى تميز بها الشهيد حيث كان إنساناً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ورقيق القلب وبشوش الوجه وهادئ الطباع. مشيداً بدماثته وسمو أخلاقه، موضحاً أن استشهاده كان فاجعة كبيرة ألمّت بقلوب جميع من عرفه. وبين أن الشهيد "حميد فوجو" كان كثير الدعاء والرجاء بأن يقتل في سبيل الله وأن يتناثر جسده أشلاء ليأتي هذا الجسد المقطع شفيعاً له يوم القيامة، فصدق الله فصدقه الله وأرتحل شهيداً مقبلاً غير مدبر.
في أحضان المسجد
تلقى شهيدنا حميد تربيته الإيمانية في مسجد "أنس بن مالك" القريب من منزله، حيث التزم بالصلاة في المسجد، وكان يصلي الصلوات الخمس حاضراً في جماعة ، وخاصة صلاة الفجر، وكان يحث إخوانه من الشباب المسلم على الالتزام في صلاة الفجر والمحافظة عليها.
واكتسب الشهيد التربية المسجدية من خلال مداومته على الصلاة منذ الصغر حتى أصبح شاباً مسلماً غيوراً على عرضه ودينه ووطنه، وصنف رحمه الله من ضمن الشخصيات المحبوبة من قبل شباب وشيوخ المسجد، وكان يجلس لحضور كل الدروس الدينية وجلسات تلاوة وحفظ القرآن الكريم.
مشواره الجهادي
ليس غريبا لرجل يتصف بتلك المواصفات الحميدة، إلا أن يكون أسداً من أسود لله في المعارك التي تدك العدو ليل نهار من أجل تحرير أرضنا ومقدساتنا . فتمكن شهيدنا المجاهد حميد "أبا بلال" من الانخراط في صفوف حركة الجهاد الإسلامي منذ نعومة أظافره, فقد كان شبلاً في الثالثة عشرة من عمره وهو يشارك في المهرجانات التي تقيمها الحركة الجهادية وكان يشارك في تشيع جثامين الشهداء وزيارة ذويهم ويقدم لهم واجب العزاء وتدرج في العمل الحركي والتنظيمي والعسكري حتى كبر سنه وأصبح قائداً ميدانياً في سرايا القدس .
والتحق شهيدنا بالعديد من الدورات العسكرية التي أقامتها سرايا القدس لمقاتليها, وشارك في عمليات إطلاق الصواريخ صوب المستوطنات والمواقع والمدن الصهيونية في عدة جولات سابقة مع المحتل. وكان شهيدنا يخرج في الليل الحالك والناس نيام لكي يحرس الأرض التي بارك الله فيها وكان ملتزما برباطه على الثغور لا يهتم لبرد الشتاء ولا حرارة الصيف .
رحيل الزهور
التحق الشهيد المجاهد حميد فوجو بوحدة الاستشهاديين التابعة لسرايا القدس بعد أن خضع لعدة دورات أكاديمية وعسكرية مكثفة خاصة بالوحدة. وكانت إحدى مجموعات وحدة الاستشهاديين التي ينتمي لها شهيدنا حميد مرابطة على ثغور شاطئ بحر مدينة رفح خلال معركة البنيان المرصوص لصد أي محاولة لعمليات الإنزال البحري الصهيوني قرابة الشاطئ. حيث كانت الإشارات العسكرية تصل لهذه الوحدة من قبل الرصد والمتابعة التي تقوم بمتابعة تحركات الزوارق البحرية الصهيونية التي تعمل على مدار الساعة قبالة سواحل القطاع الأمر الذي يتطلب منها اليقظة التامة طوال الوقت للتعامل مع أي حدث طارئ.
في صبيحة اليوم الثاني والعشرون من شهر رمضان المبارك، في تمام الساعة الواحدة فجراً تم رصد تحرك غير اعتيادي لعدد من الزوارق المطاطية الصهيونية قبالة شاطئ مدينة رفح، حيث تبين فيما بعد أنها تعمل إلكترونياً وتحمل عدداً من الدمى التي تصدر أصوات بشكل ملفت. فتم التنبه لهذا الكمين من قبل المجاهدين والذي تم التعامل معه بحذر شديد بغية عدم الوقوع فيه وكشف الأهداف التي يحاول العدو الصهيوني الوصول إليها وجمع المعلومات عنها.
وعلى هذا الأساس أصدرت القيادة العسكرية لسرايا القدس أوامرها إلى كافة المجموعات العسكرية المرابطة على الشاطئ بالتعامل مع عمليات الإنزال والتقدم البحري بعد جمع كافة المعلومات المتعلقة بهذه العملية ومن ثم التعامل معها عسكرياً وفق طبيعة الهدف.
في بتاريخ 20/7/2014، أثناء الكمين الذي أعده استشهاديي سرايا القدس للقوة البحرية الصهيونية، أطلقت طائرات الاستطلاع الحاقدة عدداً من الصواريخ باتجاه هذه الوحدة المرابطة مما أدى إلى ارتقاء الاستشهادي الصائم حميد فوجو ورفيقيه الاستشهاديين المجاهدين صهيب ابو قورة واحمد زنون.











