الشهيد القائد الميداني "محمد عبد الحميد شعت": فرحة الارتقاء مغمورة بألم الفراق
الإعلام الحربي – خاص
من أين أبدأ يا محمد سرد بداية حكايتك..؟، ثلاثة عقود عِشتها بين أهلك ومحبيك ترسم الابتسامة وتنشر المحبة بينهم، وتبذل قصارى جهدك لتصنع الصاروخ مع إخوانك المجاهدين.. لم يشأ والديك منعك رغم أنك كنت لهم أحب أبنائهم، لأنهم يدركان عظمة ما كنت تقوم به، فكانا يحرسانك بدعواتهم، وقلوبهم ترتجف خوفاً من اللحظة التي سيفتقدانك فيها كما القمر في ليلة البدر حين يغيب نوره، رحلت يا أبا عبد الحميد بعد أن زرعت فينا حبك، وفي قلب عدوك الرعب، ووضعت مع إخوانك المجاهدين اللبنة الأخيرة " لأم المعارك".
"الإعلام الحربي" كان في ضيافة عائلة الشهيد محمد عبد الحميد شعت (30) عاماً بمنطقة سكناهم بمنطقة المنارة، حيث كان الاستقبال بحفاوة المنتصر، الفخور بصنيع مجد فلذة كبدهم، رغم أن الدموع سبقت عبارات الثناء والحمد، لما كان يتمتع به الشهيد من مكانة رفيعةً في قلب كل واحد من أفراد عائلته ومحبيه الذين حاولوا الدلو بدلوهم لكن الكلمات والعبارات كانت تقف عاجزة وتتوه في بحور رجالٌ صنعوا نصراً ومجداً ومفخرةً وأعادوا لفلسطين مكانتها وأعادوا للجهاد وجهته نحو قبلة المسلمين الأولى ومسرى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.
حلاوة الشوق ومرارة الفراق
"محمد كان بمثابة النور الذي يضيء سماء المنطقة ويرسم البسمة على شفاه المحيطين به, غير مدخر في سبيل ذلك المال والوقت والراحة وحتى النفس, لتكلل حياته الحافلة بالتضحية بشهادة طالما تطلع لها بشوق شديد"، بتلك الكلمات بدأ الوالد الصابر عبد الحميد شعت "أبو محمد" حديثه عن نجله " محمد" الذي ارتقى إلى علياء المجد مع ثلاثة من أبناء عائلته وأصيب أربعة أخرين من بينهم طفلة وامرأة في مجزرة صهيونية استهدفتهم أثناء جلوسهم تحت المظلة المقامة أمام منزلهم يتبادلون أطراف الحديث ويتذوقون الحلوى الرمضانية "القطايف" بعد صلاة العشاء مباشرة.
وأكمل أبو محمد حديثه بصوت امتزجت فيه حرارة الشوق ومرارة الفراق واصفاً نجله بالشاب المتدين الخلوق المطيع له المحب للجميع، مؤكداً أن فراقه شكل صدمة وفاجعة لكل من عرفه نظراً لما كان يتمتع به الشهيد من دماثة أخلاق وابتسامة لم تغادر محياه، واستدرك قائلاَ " لكنه قدر الله أن اصطفاه ليكون إلى جواره في علياء المجد مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا ".
وأشار إلى أنه لم يفقد ابنه البكر وأول فرحته وفرحة جده وعائلتهم كونه الحفيد الأول لهم، فحسب بل أن الشهيد كان يمثل له ساعده الأيمن وأكثر أبنائه قرباً منه وطاعة له، متمنياً من الله عز وجل أن يجمعه وإياه وكل المسلمين في جنة الرحمن التي وعد بها عباده الصابرين.
أما والدته فبدأت حديثها بالحمد والثناء على فضل الله ومِنته بالقول وهي تخبئ بين عينها دمعة الفخر الممزوجة بألم الفراق:" الحمد لله الذي شرفني باستشهاده، كما شرفني في حياته القصيرة التي عاشها بيننا، وأسأله جل في علاه أن يجمعني وزوجي وكل أهلنا وأحبابنا به تحت مظلة رحمته في الفردوس الأعلى مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا".
ولفتت الأم الصابرة إلى انه لا يمكن احتواء كافة المحطات في حياة نجلها الشهيد المفعمة بالنشاط والعطاء في حوار أو عدة لقاءات، مؤكدةً أن ابنها أحب الفكر والنهج الجهادي الذي يدعوا دائما إلى مقاتلة العدو الصهيوني ومقاومتهم بكل الوسائل المتاحة، منذ كان شبلاً صغيراً، حيث التحق بالرابطة الإسلامية وهو طالب ثم كان انضمامه لصفوف حركة الجهاد ثم التحق في صفوف سرايا القدس التي عشقها كما لم يعشق شيئاً في حياته أكثر منها إلا حب الله ورسوله ووالديه.
وما أن بدأت حديثها عن حكاية عشقه للشهادة حتى تاهت كلماتها في حسن خلقه وأدبه وتدينه وحياءه، وبدأ صوتها يختفي تارة ويعلو تارة أخرى، وهي تسرد قصة حياة نجلها الشهيد محمد الذي مرّغ أنوف بني صهيون في أكثر من عملية جهادية شارك في تنفيذها قبل أن يلتحق بوحدة التصنيع.
أما خاله أبو عبد الرحمن شعت، فبدأ حديثه برثاء ابن شقيقته محمد قائلاَ :" محمد كان رجل والرجال قليل، وذكراه في قلوبنا لازالت تدق، واسمه نور في عيوننا يشع، رحمه الله كان شهماً شجاعاً، عاشقاً للجهاد في سبيل الله منذ نعومة أظافره، مدافعاً عن أبناء شعبه، التحق في صفوف حركة الجهاد وهو لا زال شبلاً صغيراً، وما أن أنهى الثانوية العامة حتى أصبح جندياً في صفوف سرايا القدس يرابط ويقاتل في صفوفها".
وتابع حديثه قائلاً :" كان محمد يتمنى الشهادة كما يتمنى بني صهيون الحياة، فهو عاش حياته منذ صغره زاهداً في الدنيا عابداً طائعاً باراً مهذباً خجولاً ملتزماً بطاعة الله".
الشقيق الحنون
أما شقيقه "علي" فتحدث عن عمق العلاقة التي كانت تربطه بشقيقه "محمد"، واصفاً الشهيد بوالده الثاني الذي كان يلجأ إليه ويستشيره كما والده حال واجهته أي مشكلة أو استعصت عليه أي مسألة، معرباً عن فخره واعتزازه بشقيقه الذي قضى شهيداَ بعد رحلة جهاد خاضها ضد أعداء الله الصهاينة.
في حين تذكرت شقيقته "أم سمير" عديد المواقف النبيلة التي كان يقوم بها الشهيد لإسعادهم من خلال أخذهم في رحل جماعية لشاطئ البحر وغيره من أماكن الترفيه، واصفةً إياه بالأخ والصديق.
وأكملت شقيقته حديثها بصوت حزين سبقته عدة دمعات:" لم يتركنا محمد رحمه الله يوماً، فقد كان له مواقف عدة تدل على بطولته ورجولته وشجاعته وعطفه وحنانه وكرمه وأخلاقه وغيرته، كان بالفعل لنا أخاً طيب القلب لم يدخر جهداً لإسعادنا يوماً"، سائلةً المولى عز وجل أن يجمعها به في الفردوس الأعلى من الجنة.
ليس له مثيل
بينما أشاد عمه عبد الباسط 48 عاماً "أبو محمد" الذي شاركنا الحوار، بخلق الشهيد ( محمد ) سيرته وعلاقاته الواسعة وحبه لفعل الخير ووصله لأرحامه وبره لهم، وهدوءه وابتسامته التي كانت لا تفارق شفاه، مؤكداً على عمق العلاقة التي كانت تربطه به واصفاً إياها بعلاقة الأب بابنه، والصديق بصديقه.
وقال "أبو محمد" :" محمد كان شهماً جدعاً عز ما تنخاه، ليس له مثيل، ولا يمكن لنا أن ننساه أبداً"، مؤكداً أن محمد رحمه الله سعى لنيل الشهادة في سبيل الله منذ أن التحق بصفوف حركة الجهاد الإسلامي شبلاً، فصدق الله فصدقه.
من جهته وجه ابن عمه أبو وسام 55 عاماً شكره الجزيل للإعلام الحربي الذي يساهم دوماً في نقل الحقيقة إلى جماهير شعبنا وامتنا والعالم اجمع، وأكمل حديثه قائلاً عن الشهيد المجاهد محمد :" الحقيقة أنه من الصعب اختزال حياة أي شهيد في برهة من الزمن أو في عجالة إعلامية سريعة، لكن شهادة لله، وانا كنت غائب بعض الشيء عن الوطن، إلا إنني كنت اعلم من هو هذا الرجل "محمد" ومن هم هؤلاء الرجال الذين قاتلوا وجاهدوا وقدموا أغلى ما يملكون في سبيل الله وفي سبيل الوطن".
واستطرد قائلاً :" الشهيد محمد رحمه الله ، كان كتلة من الأخلاق والتضحية والإيثار والكرم وسماحة الوجه، والاحترام لدرجة الخجل الذي يمنح الرجل مزيدا من الجمال".
وأضاف: " لقد سمعت عنه الكثير، لكن الحرب مع العدو لم تنتهي بعد كي نكتب عن حقيقة هؤلاء الرجال الذين جاهدوا ضد المحتل في سبيل الله ورفعة الدين وتحرير الأقصى"، مؤكداً أن رحيل محمد ترك ألماً يصعب التعبير عنه بالكلمات رغم التقائه به منذ برهة من الزمن، قائلاً :" المرء ليس بحاجة إلى سنوات طويلة كي يعرف معادن الرجال، ومحمد كان من الرجال التواقة للقاء الله، وعزاءنا انه نال شرف الشهادة في سبيل الله التي سعى لها سعيها".
أما صديقه محمد أبو زكريا 30 عاماً، فأكد أن الحديث عن صديق طفولته وشبابه ورجولته يحتاج للوقت الكثير الكثير، مؤكداً أنه لا زال يتذكر الشهيد محمد في كل مكان كان لهم فيه حكاية، وقصة وخاطرة وذكرى تأبى النسيان.
وقال محمد بصوت امتزجت فيه دموع المحبة والوفاء لصديق عمره :" محمد رحمه الله كان رجل غير عادي، في طريقة تفكيره، وإدارته لحياته، وعشقه لفلسطين والإسلام، على عكس ميول اهتمامات من هم في جيله في مرحلة الطفولة والشباب"، مؤكداً أن محمد منذ كان طفلاً صغيراً كان حريصاً على رسم خريطة فلسطين في دفتره ولصق صور الشهداء، وكتابة الشعارات الجهادية ضد الاحتلال.
سأذهب إليه في الجنة
ولطفلته سلوى ابنة الأربع سنوات حكايتها مع والدها "محمد" الذي أحبته وتعلقت به، قائلة بصوتها الطفولي عند سؤالها عن والدها :" بابا راح الجنة، وانا راح اذهب عنده بس اكبر".
ميلاده ونشأته
هذا وجاء فجر ميلاد شهيدنا المجاهد "محمد عبد الحميد محمد شعت " في 4/10/1985م في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة لأسرة فلسطينية مجاهدة حملت عبء رعاية وإعداد أبنائها التسعة خمسة أبناء وأربع بنات بالإضافة إلى الوالدين، وكان الشهيد البكر في البنين.
درس شهيدنا المجاهد محمد مراحل تعليمه الابتدائية في مدرسة الشيخ جبر، ثم أكمل دراسته للمرحلة الابتدائية في مدرسة معن الابتدائية بعد انتقلت عائلته للعيش في منطقة "المنارة"، ودرس الإعدادية في مدرسة البرش، ثم درس الثانوية في مدرسة كمال ناصر، والتحق بجامعة القدس المفتوحة، لكن لم يكمل مشواره التعليمي، بسبب انشغاله في العمل مع والده في مهنة الحدادة، التي عشقها.
شهيدنا المجاهد محمد شعت متزوج من زوجة صابرة محتسبة ولديه طفلة هي البكر سلوى أربع سنوات، وطفل اسمه عبد الحميد عام ونصف.
عاشق الجهاد
وعشق الشهيد "محمد" فلسطين منذ نعومة أظفاره، وعشق الجهاد حتى باتت فلسطين وتحريرها كل أمانيه وكل مطلبه في الحياة، وشارك شهيدنا "محمد" في فعاليات انتفاضة الحجارة فكان رغم صغره سنه يقذف العدو بالحجارة والقنابل اليدوية مع أبناء شعبه، حتى وجد شهيدنا ضآلته التي يبحث عنها، ليلتحق في صفوف حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في عام 1999م، حيث الجهاد والاستشهاد وتفجير الطاقات والعطاء المتناهي في خط المواجهة الأولى.
ومع تطور وتصاعد وتيرة الانتفاضة والتحولات في آليات ووسائل المقاومة التحق الشهيد المجاهد "محمد" بصفوف سرايا القدس ليكون جندياً يدافع عن طهارة أرض فلسطين المقدسة في بداية تشكيل النواة الأولى لسرايا القدس، حيث في بداية الأمر عمل ضمن وحدة الرصد والمتابعة، ثم تلقى عدة دورات متخصصة ضمن وحدة الاستشهاديين.
ويسجل للشهيد "محمد" المشاركة الفعلية في عدة عمليات جهادية، منها زرع عبوات ناسفة في طريق الآليات الصهيونية في منطقة "موراج"، بالإضافة إلى مشاركته في عدة عمليات يصعب كشف النقاب عنها.
ومع بداية تشكيل الوحدة الصاروخية كان الشهيد "محمد" من أوائل الذين انضموا لهذه الوحدة المهمة، ويسجل له فيها صناعة مئات الصواريخ القدسية، والعمل على تطويرها وتحسينها مع إخوانه في تلك الوحدة، كما يسجل للشهيد مشاركته في قصف المواقع الصهيونية والمستوطنات المحيطة بغلاف غزة بعشرات الصواريخ القدسية.
استشهاده
في مساء يوم 18/7/2014م، كانت ليلة العشرين من رمضان، حيث اشتد القصف الصهيوني على كافة المناطق الفلسطينية وخاصة القريبة من الحدود، التجأ شهيدنا "محمد" وأسرته إلى وسط البلد حيث بيت خاله وديوان عائلته، فقضى أخر ساعتين في منزل خاله مع والده، وتجاذبا معاً أطراف الحديث، وكان حينئذ مجموعة من سكان المناطق الشرقية قد هرعوا من وسط البلد من شد القصف، وسكنوا في دواوين العائلات الفلسطينية وبيوتهم، فأخذ الشهيد يوزع مع خاله أبو عبد الرحمن الطعام على النازحين لديهم، ثم تناول طعام الإفطار مع والده وأسرته، وبعد أن افطر، وأطمئن على أسرته، قرر العودة إلى منزل عائلته في منطقة المنارة، مشياً على الأقدام، وأنطلق مسرعاً، وفي الطريق شعر شهيدنا بأن طائرات الاحتلال تلاحقه، فواصل مسيره بأقصى سرعة حتى وصل إلى منزل خاله سامي شعت "أبو خميس"، الذي وجده جالساً مع زوجته وأربعة من أبنائه وابنتهما الطفلة تحت المظلة، فجلس معهم وشرب الشاي وتناول القطايف، وأثناء الحديث معهم، تم استهدافهم بصاروخ من طائرة استطلاع، حيث أصيب محمد على الفور، فيما هرب اثنان من أبناء خاله خارج المظلة، فتم استهدافهم بصاروخ أخر أصابهم إصابة مباشرة، في تلك الأثناء قام خاله سامي الاتصال بشقيقه المسعف رفعت أبو خميس " رحمه الله "، فحضر ومعه ثلاث سيارات إسعاف، نقلت سبعة أشخاص من بينهم الشهداء امجد ومحمد، واحمد، ومحمد الذي استشهد بعد ستة أيام في احد مشافي العريش بمصر العربية حيث كان في غيبوبة من شدة إصابته في جميع أنحاء جسده الطاهر، وكان استشهاده يوم 24/7/2014م. وتم دفنه في مقبرة عائلة شعت مع أبناء خاله غرب خان يونس. تقبل شهدائنا في علياء المجد ورزق أهلهم وذويهم الصبر والسلوان.














