الشهيد المجاهد "ابراهيم اسعد القرا": حين يرتقي العظماء
الإعلام الحربي - خاص
"أكتب وصيتي هذه وانأ مقبل على الشهادة في سبيل الله، لأن الشهادة هي أفضل شيء ممكن أن نتقرب به إلى الله، وأي فضل كفضل الشهادة والله جل جلاله يقول في محكم تنزيله ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة و الإنجيل و القرآن و من أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم )، بتلك الكلمات بدأ شهيدنا الفارس الهمام إبراهيم أسعد القرا "ابو مالك" كتابة وصيته التي خضبها بدمه القاني في معركة "البنيان المرصوص" مسجلاً أروع الانتصارات على عدو الله والمؤمنين..
ويكمل شهيدنا وصيته قائلاً :" لماذا لا نبحث عن الشهادة وقد بحث عنها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، فالشهادة هي السبيل الوحيد لنصرة هذا الدين والدفاع عنه، وأسأل الله أن يتقبلنا في الشهداء، فو الله أني قد اخترت هذا الطريق لإعلاء كلمة التوحيد عالية خفاقة".
هكذا هم أبناء سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين يقبلون على الشهادة من اجل الله وحده ، وإعلاء كلمته وانتصاراً لدينه على ملة الكفر، بل أنهم يحثون إخوانهم من بعدهم على مواصلة الطريق، كما استرسل شهيدنا في وصيته قائلاً :" لا تتركوا الجهاد فما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا وتشبثوا بسلاحكم فبه تكون العزة والغلبة، فوالله أن الحياة بلا جهاد لا طعم لها، مذكراً بقوله تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين)، فلا تتخلفوا عن الجهاد في أي حال من الأحوال ولا تتراجعوا أمام عدوكم بل تقدموا في ساحات الوغى والنزال ولا يضركم كيد الكائدين ولا جيف المنبطحين ولا كلام المنافقين فالجهاد يحقق النصر والشهادة للمؤمنين" ..
صدقت الله وصدقك، فهنيئاً لك الشهادة يا أبا مالك يا من كنت بأخلاقك تسموا .. وفي جهادك أبدعت لما أصررت على مواصلة الطريق ومواجهة الترسانة العسكرية الصهيونية بإمكاناتك المتواضعة فأوقعت فيهم القتل والتدمير حين استهدفت ومن معك من المقاتلين ناقلة الجنود الصهيونية بصاروخ موجه، وكانت شهادتك وأنت تعد نفسك لمواجهة جديدة مع أعداء الله هدية الله لك، حيث جاءتك الشهادة كما تمنيت مقبلاً غير مدبر مسجلاً دمك المراق انتصار الكف على المخرز .
الابن الصالح البار
أبصر شهيدنا المجاهد إبراهيم أسعد القرا "ابو مالك" النور في بلدة "الزنة" شرق محافظة خان يونس التي تعود أصوله إليها بتاريخ 19/3/1989م ، وعاش طفولته في كنف أسرة تتكون من والديه وسبع أشقاء وشقيقتان وكان ترتيبه الأخير بينهم، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة بني سهيلا المشتركة، والإعدادي في مدرسة العودة، وأنهى المرحلة الثانوية من مدرسة المتنبي بنجاح، ثم التحق بجامعة الأقصى حيث حصل منها على شهادة البكالوريوس من كلية التربية والدراسات الإسلامية، وكان شهيدنا احد قادة العمل الطلابي حيث كان عضواً بارزاً في الرابطة الإسلامية الإطار النقابي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. ولم يحظى شهيدنا بفرصة عمل رغم أن تخرجه كان قبل نحو ثلاث سنوات، لكن ذلك لم يمنعه عن مواصلة عمله الدعوي وإمامة الناس في الصلاة وخاصة في شهر رمضان الكريم.
يقول والد الشهيد الحاج اسعد القرا " أبو محمد" الذي أوجعه ألم فراقه :" ابراهيم نشأ وترعرع في خان يونس بين أحضان أسرة مؤمنة بالله محافظة على الدين، وكان يتمتع بالنجابة والشعور بالمسئولية والقدرة على الإبداع والتفكير الخلاق منذ نعومة أظفاره"، ويضيف الوالد الصابر : "كان محبوبا من جميع أقرانه ومن هم أكبر منه في السن، حيث كان يتمتع بالحكمة والصبر والكثير من الصفات التي ميزته عن أترابه وأبناء جيله".
وأكد أبو محمد فخره واعتزازه بما قدمه نجله من عمل بطولي في معركة "البنيان المرصوص"، مشيراً إلى أن التربية الإيمانية والتزامه بالمسجد وإقباله على الله بالطاعات كانت احد الأسباب الرئيسية التي وقفت خلف ثباته ومواصلته المعركة حتى لقيا الله شهيداً مقبلاً غير مدبر.
وتميز الشهيد رحمه الله في فترة طفولته عن أقرانه برجاحة العقل وسعة الفكر، والصمت والتدبر، حيث تقول والدته الصابرة المحتسبة التي شاركتنا الحديث عن فلذة كبدها : "لم يكن إبراهيم كبقية أبناء جيله، يلعب ويجري ويلهو هنا وهناك، ولكن كان يتخير طريقة اللعب واللهو ".
وعن بره بوالديه تحدثت الوالدة الصابرة المحتسبة بصوت شاحب حزين قائلةً: "كانت تربطنا علاقة مميزة قائمة على الحب والاحترام والتقدير والتبجيل والإيثار، فقد كان يحرص على إرضاءنا ورسم البسمة على وجوهنا في كل وقت وفي أي مناسبة، كما ساهم بشكل كبير في تلبية جميع رغباتنا ومتطلباتنا حتى على حساب نفسه وذلك لأنه تربى تربية صالحة نابعة من أصول الدين الإسلامي القويم".
وتواصل وهي تحاول أن تمنع دمعة اشتياق أن تسيل: "كان رحمه الله نموذجا فريدا للشاب المؤمن الملتزم، والابن الصالح البار، ومن المواقف التي أذكرها له إنني عندما كنت أحدثه عن الزواج، كان يحدثني عن الجهاد في سبيل الله والشهادة وعظم أجرها عند الله وما اعد الله للشهداء ولوالديهم من اجر عظيم في جنة الفردوس "، مؤكدةً أنه كان دائماً البحث عن رضا الله ووالديه بالطاعات وغيرها من العبادات.
تميز وإبداع
وعن معاملته لإخوانه وأهله تحدث شقيقه بلال, قائلاً: "كان رحمه الله طيباً خلوقاً مهذباً هادئاً، مطيعاً، باراً، للأمانة كان كما الضيف الذي عاش معنا سنوات من عمره ورحل عنَّا إلى مولاه الذي أكرمه وأحسن مثواه "، ويضيف " كان لا يهدأ ولا يستكين دائم الحركة، وحياته كانت كلها لله، الليل رباط ، والنهار دعوة وإعداد واستعداد".
ويكمل شقيقه بلال: "لقد استشعر الشهيد "إبراهيم" رحمه الله المعنى الصادق لقوله صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم شاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، فكان يحرص منذ صغره وحتى آخر أيامه على تأدية الصلوات المفروضة في المسجد جماعة، وكان يحرص على حفظ القرآن وتلاوته، والسير على نهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ولم نكد ندرك عليه تغيبه عن صلاة الفجر أو صلاة العشاء في المسجد بوجه خاص".
أسود تعشق الشهادة
تعرف الشهيد إبراهيم على خيار الجهاد والمقاومة وهو لازال شبلاً صغيراً ، حيث تعرف على نهج الجهاد والمقاومة وهو في مرحلة الدراسة الإعدادية من خلال التحاق بالرابطة الإسلامية الإطار الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي، وكان ذلك في عام 2001م، في خضم انتفاضة الأقصى المباركة، حيث كان يرى بعينه ظلم بني يهود وهمجيتهم، فقرر منذ ذلك الوقت الزود عن شعبه والدفاع عنه، وفي عام 2007 كان له ما تمنى حيث التحق بصفوف الجناح العسكري "سرايا القدس" بعد أن تلقى عدة دورات عسكرية أهلته لأن يكون مقاتلاً عنيداً صلباً ضد أعداء الله الصهاينة.
وعُرف عن الشهيد رغبته بتنفيذ عملية استشهادية ضد اليهود الخنازير، لكن هذا الحلم لم يتحقق بسبب ظرف ما حال دون ذلك.
وترجل البطل المقدام
ويسجل للشهيد مشاركته الفاعلة في معركة "السماء الزرقاء" حيث كان ضمن وحدة المدفعية والإسناد التي ضربت المحتل بالقذائف والصواريخ. وظل حب الجهاد والرغبة في الثأر من بني صهيون تزداد يوماً بعد يوم بسبب تفاقم ظلم بني يهود واشتداد حصارهم لشعبنا المرابط الصامد، حتى كانت معركة "البنيان المرصوص" فقرر شهيدنا هذه المرة خوض المعركة بكل قوة واستماتة، وكان له ذلك عندما اجتاح جيش الاحتلال قطاع غزة براً، فتقدم و أحد المجاهدين نحو إحدى آليات الاحتلال ومن على بعد عشرات الأمتار نصب صاروخه الموجه نحوها، فأصابها إصابة مباشرة، حيث تطايرت أجزاء منها في المكان، واشتعلت النيران بداخلها، وتم العثور في المكان أدوات يستخدمها الاحتلال للإسعافات الأولية.
رحلة الخلود
هذا الانتصار الإلهي لإبراهيم منحه وإخوانه المجاهدين دفعة قوية نحو بذل المزيد من الجهود لإيقاع الهزيمة في صفوف الجنود الصهاينة، حيث قرر في اليوم التالي استهداف آلية صهيونية أخرى، ولكن قدر الله كان أسرع، حيث استهدفته طائرات الاستطلاع الصهيونية بصاروخ، فارتقى مدرج بدمائه مقبلاً غير مدبر نحو علياء المجد في تاريخ 21/7/2014م، وهو صائم، فهنيئاً لك الشهادة يا أبا مالك ولأهلك وذويك الصبر والسلوان، ولذراعك العسكري سرايا القدس النصر والتمكين على أعداء الله .










