الشهيد المجاهد رجاء حماد الدغمة: قدم الواجب على الإمكان رغم عظم مسئولياته
الإعلام الحربي _ خاص
رحل من كان سنداً وعوناً لأهله .. رحل كأجمل ما يكون الرحيل .. فرغم عظم مسئولياته كان الجهاد في سبيل الله الطريق الوحيد نحو الارتقاء شهيداً للفوز بجنان النعيم .. كان حلمه الشهادة في سبيل الله مقبلاً غير مدبر فهذا ديدن الشجعان الأبطال في كل مكان وزمان.
الصديق الصدوق
كانت نظراته وكلماته الأخيرة وصية الأب لأبنائه إنني ما تركتكم كرهاً ولكن حباً للقاء الله، فأعذروني فيما لم استطع فعله لكم ولا تنسوني من خير دعائكم لي في كل صلاة، ووصيتي لكم عليكم بأمكم وأشقائكم وشقيقتكم الوحيدة "منة الله" والسير على ذات النهج الذي ربيتكم عليه، ولزوجته كانت وصيته أنني ما كنت لأتركك في هذه الدنيا إلا بعد أن تيقنت أنني سأترك لكٍ من بعدي رجالٌ سيضعونك على رؤوسهم التي لا تنحني جباههم إلا لله.
نجله محمد يقول لـ "الإعلام الحربي" :" كانت الأيام الأخيرة من حياة والدي توحي بقرب اجله، فكثيراً ما كان يوصيني وشقيقي الأصغر بوالدتنا وأشقائنا واختنا الصغيرة خيراً "، مؤكداً بأن استشهاد والده ترك فراغاً كبير في حياتهم التي كان يملأها بوجوده بينهم يمنحهم الحب والحنان.
وتابع محمد حديثه بصوت حزين قائلاً :" كان رحمه الله يعاملنا كما الأصدقاء، فهو تزوج في سن مبكر، وأعمارنا متقاربة جداً، فالكثير ممن لا يعرفوننا كانوا يظنوه شقيقنا الأكبر".
وتذكر محمد العديد من المواقف الإنسانية النبيلة والحميدة التي كان يتميز بها والده الشهيد منها بره بوالديه رحمهم الله، وحنانه على أبناءه وحرصه على توفير كل ما يحتاجونه، مؤكداً المضي على خطى والده المجاهد، وتربية وإعداد أشقائه وتنفيذ وصيته.
نعم الزوج والرفيق
أما زوجته الصابرة المحتسبة، فوصفت الشهيد رجاء بالزوج والأب والأخ والصديق والرفيق الذي عاشت معه أجمل سنوات عمرها، قائلة:" تزوجت من أبو محمد (رحمه الله) وأنا لا زلت صغيرة لم يتجاوز عمري الخامسة عشر عاماً، فعشت معه أجمل سنوات عمري، وهو كان لي كل شيء في الدنيا، الزوج والأب والأخ والصديق ".
عاشقاً للجهاد
وتابعت زوجته المكلومة :" الشهيد كان يعشق الجهاد، ولكن كنت دائماً اذكره بأنني وأطفاله ليس لنا احد بعده إلا الله، وعندما بلغ أبنائه مرحلة الشباب، قرر الانضمام لصفوف حركة الجهاد الإسلامي وذراعها العسكري سرايا القدس"، مشيرةً إلى أنها في بداية عمله الجهادي، كانت تمضي ليلها الطويل بكاء عليه.
وتوجهت الزوجة الصابرة بالدعاء لله ان يتقبل زوجها مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا، وان يرزقها وأسرتها الصبر والحسبان على فقدانه الجلل، وأن يعينها على تربية الأولاد كما أراد زوجها الشهيد أبو محمد.
الميلاد والنشأة
ولد شهيدنا المجاهد رجاء حماد الدغمة "أبو محمد" في الثاني والعشرين من ديسمبر لعام 1977م، حيث ينتمي شهيدنا إلى أسرة فلسطينية متواضعة ملتزمة قدمت العديد من أبنائها شهداء على مذبح الحرية.
وشهيدنا رجاء زوجه والداه في سن مبكر من أجل رؤية ذريته قبل وفاتهما، من امرأة صابرة محتسبة، ولديه من الأبناء ستة ذكور وابنة واحدة لا يتجاوز عمرها العام ونصف اسمها "منة الله".
درس شهيدنا المجاهد للمرحلة الإعدادية في مدارس عبسان، ثم توجه لسوق العمل في قطاع الزراعة لإعالة أسرته، ثم عمل في نهاية المطاف سائق مركبة لتوزيع البضائع على المحال التجارية.
صفاته وعلاقاته بالآخرين
كان الشهيد "أبو محمد" إنساناً طيب النفس، محباً لأصدقائه، بسيطاً ومتسامحاً، حنوناً ورحيماً بمن هو أصغر منه، وكان دائم الزيارة لأهالي الشهداء والأسرى، دائم صلة أرحامه، كما كان دائم التفقد لإخوانه ويشعر تجاههم بالمحبة والأخوة الصادقة، وكان يدخل الابتسامة على كل بيت يدخله، وكان باراً ومحباً لوالديه في حياتهما، وكان حريصاً على الصلوات الخمس في مسجد بلدته عبسان ويحث أبنائه وإخوانه وأصدقائه للمواظبة على أدائها.
مشواره الجهادي
منذ أن تفتحت عيناه على الحياة رأى الاحتلال الصهيوني جاثم على صدر شعبه وأمته، فقرر أن يقاوم المحتل الجاثم، وأن ينذر نفسه في سبيل الله، من أجل تحرير أرضنا المباركة، حيث التحق شهيدنا بصفوف حركة الجهاد الإسلامي في عام 2006، ثم كان انتمائه لسرايا القدس في عام 2007م, وعمل في بداية الأمر ضمن وحدة الاستطلاع التابعة لسرايا القدس، وشارك في العديد من عمليات رصد الأهداف العسكرية، حيث عُرف شهيدنا بإقدامه وشجاعته الباسلة وتصديه المتواصل للقوات الصهيونية عند اجتياحها لمنطقة عبسان.
وفي المعركة الأخيرة شارك شهيدنا المجاهد أبو محمد إخوانه في رصد تحركات العدو الصهيوني على طول الشريط الحدودي، وفي استهداف أماكن تجمع الآليات والجنود الصهاينة بقذائف الهاون التي كان لها الباع الطويل في معركة "البنيان المرصوص".
قصة استشهاده
مع اشتداد المعركة، وبدء العدوان البري على قطاع غزة، طلب الشهيد رجاء من زوجته اصطحاب أطفاله الصغار وابنته إلى دار أهلها، لكن زوجته رفضت في بداية الأمر تركه وأبنائه الكبار في البيت، طالبة منه الذهاب جميعاً إلى بيت أهلها، لكن الشهيد أصر عليها، فما كان منها إلا النزول عند رغبته، وفي ساعات المساء من ذات اليوم الموافق 17/7/2014م، تلقت الزوجة الصابرة اتصالاً هاتفياً أن العدو الصهيوني استهدف بيتها، فأصيب زوجها وأبنائها، فتوجهت الزوجة الصابرة مسرعةً نحو مستشفى ناصر بخان يونس، وعيونها تذرف الدموع، وما أن وصلت حتى أطمئنت على أبنائها وزوجها الذي كان مصاب وفي حالة غيبوبة، فتوجهت بالصلاة ركعتين شكر لله، واضطر الأطباء بعد ثلاثة ايام من بقاء الشهيد رجاء في غيبوبة نقله إلى المستشفيات المصرية بالعريش لاستكمال رحلة علاجه، فكان قضاء الله وقدره أن اصطفاه عصر يوم 2014/7/20م، تلقت الزوجة الصابرة وأبنائها خبر استشهاد رب العائلة بصبر واحتساب، وكان وقع الخبر كالصاعقة التي ألمت بأسرته، نظراً لما كان يمثله الشهيد للأسرة من مصدر أمن وطمأنينة، ويعتبر المعيل الوحيد لها، فهو كما قالت زوجته :" كان رحمه الله لنا الزوج والأب والأخ والصديق وكل شيء، فنحن لسنا لنا احد إلا هو وهو ليس له احد إلا نحن ".
ونسأل الله أن يتقبل شهيدنا "أبا محمد" الذي قدم الواجب على الإمكان، وترك الأهل والأحباب واختار درب الشهادة في سبيل الله رغم عظم مسئولياته، التي تمنحه العذر الشرعي كونه المسئول الوحيد عن شقيقه المريض وعائلته المكونة من زوجته وسبعة أفراد، وأن يعوضهم جميعاً خيراً في الدنيا والآخرة.







