الشهيد المجاهد "هاني جلال عصفور": رحلة جهاد معبدة بالدم
الإعلام الحربي – خاص
نحن وكلماتنا نقف حيارى.. عاجزين أمام عظمة الدم وأمام شموخ الرجال.. الذين يتسابقون إلى ربهم الكريم وكلهم أمل في أن يرضى عنهم.. يذهبون ثابتين واثقين مطمئنين.. فلكل هؤلاء التحية والإباء.. ولهم الدعاء بأن يتغمدهم الله بواسع رحمته وان يسكنهم فسيح جنانه.. اللهم آمين.
عاشق الشهادة
الشهيد المجاهد هاني جلال عصفور "ابو عبيدة"، كان عاشقاً للشهادة في سبيل الله بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وكل ما تحمله من آداب ومتطلبات إعداد واستعداد وشجاعة وإقدام وثبات، فسعى لنيلها بكل قوة، ولم يلتفت إلى دنيا يصيبها، بل كرس حياته كلها لله، ورغم عظم مسئولياته، حيث انه يعيل أسرة تتكون من زوجته وأربعة بنات وولد واحد، بالإضافة إلى والديه وشقيقه الوحيد "محمد" وتسعة شقيقات، كان يصر على مواصلة طريق ذات الشوكة وهو يقين أن هذا الطريق سيقوده في نهاية المطاف إلى الشهادة في سبيل.
فكثيرا ما كانت تحدثه والدته الصابرة المحتسبة، عن صعوبة هذه الطريق وضرورة الانتباه لأبنائه وأطفاله وشقيقاته ووالديه الذي هم أحوج الناس إليه على حد قولها، لكنه كان يرد عليها بلسان المؤمن الواثق بما وعد الله عباده الصادقين الصابرين،"ان الله لن يضيعهم، وأنه ما سلك هذا الطريق لابتغاء مالاً أو سلطاناً، إنما ابتغاء مرضاة الله ورضوانه".
وأكملت الوالدة الملكومة حديثها لـ "الإعلام الحربي"، ودموع عيونها تتساقط على وجنتيها حزناً وكمداً على فراقه:" بعدما شعرت من نبرات حديثه وصدق انتمائه وعمله لله، ولم احدث بعدها قط عن ترك هذه الطريق، بل كنت أقوم بتجهيز ملابسه وعتاده، وادعوا له بالسلامة، وأظل طوال الليل أصلي لله أن يحفظه ورفاقه حتى عودته"، مؤكدةً أنها لم تكن تشعره بشيء، لكنه كثيراً ما كان يشفق عليها، ويدعوها للنوم رأفة بحالها.
التزام منقطع النظير
وأشادت الأم بالتزام ابنها المنقطع النظير، حيث كان يواظب على صلاة الفجر في جماعة، وصيام النوافل، وقراءة القرآن، مؤكدةً أنه قرأ القرآن خمسة مرات في شهر رمضان الذي ارتقى في ليلة السابع والعشرين فيه شهيداً.
وأضافت الأم الصابرة:" اثنا عشر عاماً قضاها نجلي مرابطاً مجاهداً في سبيل الله"، مؤكدة أنها رغم حزنها على فراق نجلها إلا أن فرحتها بنيله شرف الشهادة كبيرة جداً.
أما والده فأكد انه لم يدخر جهداً ومالاً وكل شيء لتربية نجله هاني، مؤكداً أن هاني كان أول فرحته، وخاصة انه لم يرزق بولد إلا هو وأن شقيقه الوحيد "محمد" جاء بعد تسع بنات.
الساعد الأيمن
وقال أبو هاني بصوت شاحب حزين :" ارتقى هاني شهيداً في سبيل الله، وأسأل الله له القبول والرضا، فقد كان نعم الابن البار بوالديه، الواصل لرحمه، المحب للخير، العابد الصوام القوام المجاهد المرابط المقبل على الشهادة وبقيّ برفقة ثلة مؤمنة صامداً قابضاً على الزناد، حتى أتته الشهادة وهو في ساحات الوغى"، مؤكداً فخره واعتزازه بنجله، رغم حزنه الشديد على فقدانه، لأنه يمثل له حسب وصفه "ساعده الأيمن الذي كان يعتمد عليه في كل شيء".
وتابع حديثه قائلاً :" كان رحمه الله نعم الابن البار الذي يلبي طلباتي دون تردد أو حتى مناقشة"، مبيناً أن الشهيد كان المسئول عن متابعة ارض والده من حرث وجني ثمار الزيتون وعصر الزيت، وبيع ما تنتجه الأرض في الأسواق، بالإضافة إلى شراء كل ما يتطلبه البيت من شتى الأمور المختلفة.
وتجدر الإشارة إلى أن الشهيد هاني جلال عصفور قد جاء فجر ميلاده في الخامس عشر من يونيو لعام ألف وتسعمائة وثمانون، فكان قدومه مصدر بشر وسرور لعائلته التي كانت تنتظر قدومه على شوق، وتتكون أسرة شهيدنا من والديه وتسعة شقيقات وشقيق وحيد "محمد".
شهيدنا متزوج ولديه أربع بنات وابن واحد وحيد اسمه "عبيدة" عمره خمس سنوات، وتلقى أبو عبيدة مراحل تعليمه المختلفة في مدارس عبسان التابعة لوزارة التربية والتعليم، وأنهى المرحلة الثانوية بنجاح من مدرسة المتنبي، لكن فضل التوجه لسوق العمل من أجل أن يساعد والده على تحمل أعباء الحياة.
مشواره الجهادي
تعرف شهيدنا هاني على حركة الجهاد الإسلامي في سن مبكر، وكان من أوائل الأشبال الذين انتموا لحركة الجهاد الإسلامي، وكان ذلك تقريباً في عام 1999م، وبدأ منذ صغره ينظر لهذه الحركة المجاهدة في صفوف أجياله، حيث استطاع تشكيل أول مجموعة للعمل الجماهيري في ذلك الوقت، فبعد أن كان وحده من يتسلق الأعمدة ليرفع إعلام الجهاد ويلصق على الجدران صور الشهداء، حسب ما حدثنا احد أصدقائه المقربين، أصبح معه مجموعة من الأشبال التي آمنت بفكر "الإيمان، والوعي، والثورة".
ويقول صديقه ورفيق دربه المجاهد في صفوف سرايا القدس أبو علي :" في تلك الفترة لم يكن إلا هاني ضمن صفوف الجهاد الإسلامي من الأشبال في منطقته، وكان وحده من يقوم بلصق الرايات".
وأضاف "جاءني وطلب مني الخروج معه في ساعات الفجر، وعندما جاءني ليوقظني، استحليت النوم ورفضت الخروج، فقام وحده بلصق صور الشهداء"، مؤكداً أنه اليوم الثاني عندما شاهد الشوارع ممتلئة بالصور، قرر التعرف على تلك الحركة التي جعلت من صديقه مقبلاً على العمل حتى لو كان وحده.
أما عن انضمامه لسرايا القدس فأكد أبو علي أن الشهيد كان حريص كل الحرص على الالتحاق بركب الأطهار، وكان له ذلك في عام 2002م بعد إلحاحٍ شديد منه على قادته ، مبيناً أن الشهيد هاني طلب منهم إلحاقه بوحدة الاستشهاديين، ولكن القيادة رفضت طلبه لاعتبارات تتعلق بوضعه الأسري.
وأوضح أبو علي أن الشهيد تلقى عدة دورات عسكرية أهلته للعمل في وحدة الرصد وكذلك ضمن وحدات المرابطين على الثغور، مثنياً على بطولات أبو عبيدة الذي شارك في التصدي للاجتياحات الصهيونية لمنطقة عبسان وخزاعة شرق محافظة خان يونس.
ويسجل للشهيد هاني مشاركته في دك المغتصبات الصهيونية المحيطة بغلاف غزة بقذائف الهاون في كافة معارك سرايا القدس "بشائر الانتصار"، و"كسر الصمت"، و"السماء الزرقاء" و "البنيان المرصوص"، إلى جانب عمله كقائد مجموعة عسكرية.
رحلة الخلود
تقول والدته انه مع استمرار العدوان بدأ سكان المنطقة بالرحيل إلى داخل المدينة، وبقينا فيها حتى أواخر أيام العدوان، لكن الشهيد هاني طلب مني ومن والده اخذ أطفاله وشقيقاته والانتقال بهم إلى داخل المدينة، وكان ذلك قبل استشهاده بيوم واحد.
أما عن استشهاد فتحدث رفيق دربه ابو علي إلى أن الشهيد فضل التقدم الى الصفوف الأولى لمواجهة العدو الصهيوني، قائلاً :" كنت برفقة هاني ضمن وحدة الإسناد القريبة من خط المواجهة، لكن الشهيد هاني طلب الانتقال إلى حيث يوجد الشهيدين المجاهد محمد القرا ورجاء الدغمة، وكأنه كان على موعد مع القدر، حيث تم استهدافهم واستشهادهم الثلاثة في ذات المكان".
فكان استشهاد مساء يوم الخميس 7/24/ 2014م الموافق 27 رمضان، حيث ارتقا ورفاقه محمد القرا ورجاء الدغمة في قصف صهيوني بطائرة الاف 16 للمكان الذي كانوا بداخله عندما كانوا يعدون العدة لمواجهة جنود الاحتلال. مبيناً أن مكان استشهاد هاني ومحمد ولا يبعد عن أماكن تجمع الآليات الصهيونية الا بضع امتار.












