الشهيد القائد الميداني: أحمد مرزوق معمر

الشهيد القائد الميداني: أحمد مرزوق معمر

تاريخ الميلاد: الأحد 10 مايو 1981

الحالة الإجتماعية: متزوج

المحافظة: خانيونس

تاريخ الإستشهاد: الثلاثاء 29 يوليو 2014

الشهيد القائد الميداني "أحمد مرزوق معمر": أربك حسابات الاحتلال وقتل جنود نخبته

الإعلام الحربي _ خاص

الحديث عن الشهادة والشهداء بصفة عامة ذو شجون، ولكن الحديث عن رجال ليس من عالمنا بل كانوا يعيشون بيننا كما النسيم العليل الذي ما أن نشعر برونقه وطيب هواه يفارقنا..، يشعرنا ونحن نخط بأقلامنا قصة حياتهم المكبلة بالعز والفخار بالخجل والغِبطة، فهم من سخروا كل ما يملكوا من إمكانات وقدرات ووقت وحياة قصيرة متكدسة بالانجازات في سبيل الله، وكان لجهدهم وعملهم المتواصل ثماره التي أثلجت صدور المؤمنين، وقضت مضاجع العدو وآلمته لِدرجة التي أفقدته صوابه وكشفت وجهه الحقيقي، حين قرر صب جام غضبه، وأطلق العنان لطائرات موته استهداف الأبرياء العزل لإخماد نار عنجهيته، وإسكات الأصوات الصاخبة التائهة المرتجفة التي تضج من حوله من خلال صناعة انتصارات وهمية عنوانها الأطفال الرضع والشيوخ الركع.

سنتحدث اليوم عن رجل صنع ومن معه ملحمة بطولية، حين عزف بأنامله سيمفونية الانتصار على أعتى قوة عسكرية في المنطقة العربية المحتلة، مُكبداً إياها خسائر جسيمة في العتاد والأرواح، الأمر الذي أرغم قادة جيش الاحتلال الصهيوني إلى الاعتراف والتراجع والتقهقر أمام الضربات الدقيقة والموجعة التي تلقاها جيشهم المهزوم في معركة "البنيان المرصوص" من تلك الثلة المؤمنة، ودفعه أيضاً إلى إعادة رسم خطط تمركزه وتحركاته مرة تلو الأخرى، والتي كان أخرها اتخاذ قرار بإبعاد المواقع العسكرية والمستوطنات المحيطة بغلاف غزة عن مرمى قذائف الهاون والصواريخ الموجهة التي تنطلق من قطاع غزة نحو فلسطين المحتلة.

إنها حكاية الشهيد القائد الميداني أحمد مرزوق نادي معمر 33عاماً ، الذي قض مضاجع العدو الصهيوني، ودفع قادتها إلى إطلاق العنان لطائرات الموت الصهيوأمريكية الـ "إف16" باستهداف عمارة سكنيه من ثلاثة طوابق، وما يحيط بها من بيوت ورياض أطفال، بأكثر من ثلاثة صواريخ أطلقت على التوالي، مما أدى لارتقاء أكثر من خمسين شهيداً معظمهم من الأطفال والشيوخ والنساء، وإصابة المئات من العزل بجراح مختلفة، في مجزرة مروعة يندى لها الجبين، زاعمةً أن الهدف من تلك المجزرة اغتيال الشهيد المهندس "احمد" الذي كان على الدوام يتحرك في كل مناطق الاشتباك مع العدو ، وحين قرر زيارة أطفاله وزوجته في ثاني أيام عيد الفطر ليطبع على وجوههم قبلة الوداع، كانت الشهادة هدية الله له ولطفليه ( يزن وحلا) وشقيقته "هند"، فيما نجت زوجته التي كانت حامل في الشهور الأخيرة بأعجوبة، ليرزقها الله بطفلة أطلقت عليها اسم "حلا" التي جاءت لتحمل اسم والدها وارثه البطولي، حقاً إنها شرف الشهادة التي لا ينالها كل من يحرص عليها، ولكن الله يختص بها من يشاء من عباده.

ميلاده ونشأته
الشهيد القائد أحمد مرزوق نادي معمر الملقب بـ "أبو البراء" جاء فجر ميلاده في 5/10/ 1981م، في المملكة العربية السعودية، وكان ميلاده مصدر بشر وسرور لأسرته ، ولكن فرحة أسرته سرعان ما غابت، حين خطف الموت أمه وهو لازال طفل رضيع لا يتجاوز عمره الست أشهر ، ليعيش مرحلة طفولته يتيم الأم، وفي بلاد الغربة بعيداً عن الأهل، كبرَ وترعرع في كنف أسرة متدينة ملتزمة، تتكون من والده، وزوجة الأب، وستة من الأخوة وسبع أخوات.

ودرس شهيدنا المرحلة الابتدائية في السعودية، قبل أن يقرر والده العودة إلى ارض الوطن، حيث أكمل تعليمه للمرحلة الإعدادية في مدرسة "النجاح" بمدينة رفح، وكان من الطلبة المتميزين والمتفوقين، ثم واصل دراسته للمرحلة الثانوية في مدرسة "بئر السبع" بنجاح، ليلتحق بعدها بأحد الجامعات الفلسطينية، حيث درس فيها تخصص " الجيولوجيا وعلوم الأرض".

الداعية المحب للخير
وتميز الشهيد احمد الذي بدأ حياته ملتزماً حافظاً لأجزاء من القرآن الكريم، وملماً بالكثير من العلوم الشرعية والفقهية، بالخطابة، فكان خطيباً مفوهاً، محباً للخير وأهله حريصاً على دعوة الناس إلى الخير، وتعريفهم بأمور دينهم ودنياهم، فكان حديثه الندي "رحمه الله" يجذب الكبير والصغير ليصغي إليه.

وعُرف الشهيد المهندس أحمد بطيبة قلبه، وأخلاقه العالية الرفيعة، وبره بوالده الذي وافته المنية قبل نحو شهر ونيف، كما تميز بحرصه على عمل الخير ومساعدة المحتاجين، وكان "رحمه الله" رؤوف رقيق حين يتعامل مع كبار السن من الرجال والنساء، وتروي زوجته "أم يزن" كيف كان الشهيد يولي اهتماماً كبيراً بأحد النساء الطاعنات بالسن، التي كانت جارة له، حتى أنه كان يحرم نفسه من ألذ وأطيب الطعام ليطعمها إياه بيده، ويجلس معها ليخفف عنها ما تعانيه أوجاع وهموم الدنيا، وكان يعتبرها بمثابة أمه التي عوضه الله بها، لترتقي معه شهيدةً في المجزرة المروعة التي ارتكبها العدو الصهيوني.

وتكمل زوجته حديثها عن أخلاق زوجها، وشدة حبه لأطفاله وتعلقه بهم وتعلقهم به، قائلةً :" كان زوجاً أحن ما يكون الزوج على زوجته، وأب أرق ما يكون الأب مع أبنائه يلاعبهم ويلاطفهم ويعلمهم ويأكلهم بأيديه ويلبسهم الملابس ويأخذهم معه لزيارة أقاربه وأصدقائه، وأخ صديق لإخوانه رفيقاً بهم ناصحاً لهم، زاهداً في الدنيا، مقبلاً على طاعة الله"، مؤكدةً أنها فقدت زوج يصعب أن تجد له مثيل في هذا العصر وهذا الزمان، نظراً لما كان يتمتع به الشهيد من صفات أشبه بصفات الصحابة رضوان الله عليهم.

عاشق العلم والمعرفة
وكان الشهيد "أبو البراء" إلى جانب حياته الأسرية، يحرص كل الحرص على الارتقاء بنفسه وتطوير قدراته، فكان دائم التواصل والبحث مع أساتذته والمختصين في مجال علوم الأرض والخرائط من داخل فلسطين وخارجها، حتى انه قرر أكمال دراسته لمرحلة الماجستير ولكن الظرف العام حال دون أن يحقق حلمه بسبب الحصار وإغلاق المعابر.

لم يقف الشهيد احمد معمر مكتوف الأيدي بعد تخرجه في انتظار فرصة العمل في المؤسسات الحكومية، بل توجه إلى سوق العمل ، وأنشأ ورشة متواضعةً لصيانة وبيع أجهزة الحاسوب إلى جانب عمله الدعوي.

رحلته الجهادية
الشهيد المهندس أحمد معمر كان كما الشهيد المعلم الدكتور فتحي الشقاقي، مشغفاً بالقراءة والمعرفة والإلمام بكافة العلوم المعرفية والثقافية، حريصاً على العلم صبوراً عليه، كما كان قلبه متعلق بفلسطين القضية، لهذا كان التحاق الشهيد احمد معمر بحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، التي ترفع شعار "الإيمان، الوعي، الثورة"، حيث عمل فور دخوله حركة الجهاد في سلك الدعوة والوعظ، لكن عشقه لفلسطين كان دائماً يحثه على بذل المزيد من الجهد والوقت فتوجه إلى الإخوة طالباً الانضمام إلى صفوف سرايا القدس في عام 2007م، حيث تم إلحاقه ضمن القسم الوضعية، فكان من أفضل الشباب المجاهدين الذين التحقوا بهذه القسم الذي يقع عليه الكثير من المسئوليات الدقيقة، وبعد انتهاء الدورة تم اعتماده كعنصر أساسي في القسم بحكم تخصصه وسرعة بديهته وقدرته العالية على استيعاب كل ما يتطلبه ذلك القسم من مهام، وإيجاد البدائل.

واستطاع الشهيد أن يضع بصمات واضحة بذلك القسم بحكم دراسته لعلوم الخرائط والبرامج الجغرافية، وكان لهذه البصمات الأثر الواضح في تحقيق الانتصار على العدو الصهيوني في معركة بشائر الانتصار و"السماء الزرقاء" و"كسر الصمت" وصولاً إلى معركة "البنيان المرصوص".

وحرص الشهيد أحمد معمر على نقل كل ما يمتلك وما يتوصل إليه من معلومات إلى إخوانه المجاهدين، فقام ومن معه من إخوانه المهندسين بناءً على تعليمات من القيادة العسكرية العليا، بإعداد جيل من رجال سرايا القدس المتخصصين في الوضعية والتوجيه، بالإضافة إلى إعداد نخبة من سرايا المدفعية قادرة على استخدام سلاح الهاون بأعيرته المختلفة، والقذائف الصاروخية (107) بدقة عالية في إصابة الهدف، كان لهذا التدريب ثماره في معارك "بشائر الانتصار " و" السماء الزرقاء" و"كسر الصمت" و"البنيان المرصوص".

قاتل اليهود ومربك حساباتهم
وفي لقاءٍ جمع "الإعلام الحربي" بأحد قادة سرايا القدس الميدانيين "أبو إبراهيم" أثنى على دور الشهيد "احمد" الأساسي في الإعداد والتجهيز، والتربيض، واختيار الأهداف بدقة عالية حسب أهميتها العسكرية في مرحلة الإعداد، مؤكداً على دور الشهيد الواضح أيضاً أثناء معركة "البنيان المرصوص"، من حيث التواصل مع كافة الجهات المعنية داخل لواء خان يونس، لإدارة العمليات على الأرض، الأمر الذي كان له أثره الواضح على سير المعركة وفق الخطة التي وضعتها قيادة سرايا القدس من قبل.

وقال أبو إبراهيم :" الشهيد احمد كان رجلاً ممتلئاً إيمانًا، ووعيًا، وعشقًا، وثورة من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. عاش بيننا لكنه لم يكن لنا، لقد أدركنا هذه الحقيقة حين ارتقت روحه إلى بارئها".

وأكمل حديثه :" أحمد كان يصل الليل بالنهار، ويعمل على تطوير قسم الوضعية، من خلال البحث والمطالعة والتواصل مع الأكاديميين المختصين في مجال علوم الأرض والخرائط، وكان لهذا الجهد أثره الواضح في كافة المعارك التي خاضتها سرايا القدس والتي كان أخرها معركة البنيان المرصوص"، مؤكداً أن كافة الرميات التي أدت إلى قتل وإصابة جنود صهاينة سواء داخل المعسكرات الصهيونية المتواجدة خلف السياج الأمني الفاصل بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة، أو في صفوف جنود الاحتلال أثناء التوغل البري لمحافظة خان يونس، كان للشهيد احمد بصماته الواضحة فيها.

وبين أبو إبراهيم أن الشهيد "أبو البراء" كان يعمل أثناء المعركة على انتقاء أهداف جديدة من خلال التواصل مع الجهات المختصة بسرايا القدس، الأمر الذي أربك حسابات العدو ودفعه في بعض الأحيان إلى تغيير خطته العسكرية، ذلك بعد شعوره انه تحت مرمى نيران سرايا القدس.

وأشار أبو إبراهيم إلى أن قيادة سرايا القدس كانت اختارت الشهيد "احمد" لقيادة قسم الوضعية بلواء خان يونس خلال الفترة الواقعة بين ( 2012- 2014م)، مؤكداً أن الفترة التي شغل فيها الشهيد "أحمد" مسئولية قيادة القسم حرص على الارتقاء بها من خلال إيجاد بدائل لكافة المشاكل التي كانت تواجه المجاهدين بسبب الحصار وقلة الإمكانات، حتى باتت احد أهم الوحدات القتالية على مستوى العمل الجهادي.

ولم يخفِ أبو إبراهيم الخسارة الكبيرة التي تعرضت لها سرايا القدس باستشهاد " أبو البراء معمر" ومن كان معه من رفاقه المجاهدين أمثال الشهيد خالد لقان، واحمد سحويل، ومحمود دحلان وغيرهم، إلا انه استدرك قائلاً أن :" سرايا القدس استطاعت في وقت قياسي إعداد جيل جديد بإمكانات وقدرات عالية، ستجعل العدو الصهيوني يحسب مليون حساب لكل خطوة سيخطوها نحو قطاع غزة ومحيطها المحتل".

قصة استشهاده
وعن قصة استشهاد "احمد" حدثنا رفيقه المجاهد في سرايا القدس، أبو مصعب قائلاً :" الشهيد أحمد لم يكن يختبئ تحت الأرض، بل كان دوماً يتحرك في مناطق التماس مع العدو، ويعد العدة ويشحذ همم المجاهدين، ويتواصل مع القيادة العسكرية"، مؤكداً أن العدو الصهيوني أراد من خلال المجزرة التي ارتكبها باغتيال الشهيد "احمد" الثأر لعنجهيته التي مُرغت في التراب.

وتابع قائلاً :" الشهيد احمد أراد في ثاني أيام عيد الفطر زيارة عائلته في الشقة السكنية التي كان يقطنوها، مستغلاً حالة التهدئة، ولكن العدو الصهيوني الذي سال لاعبه، حين تيقن من وجود الشهيد بين أسرته، اتخذ قراره بارتكاب المجزرة المروعة دون سابق إنذار.

وحول تفاصيل عملية الاغتيال، أكد أبو مصعب أن العدو الصهيوني أقدم صباح يوم 7/29/ 2014م الموافق الثاني من شوال لعام 1435ه ثاني أيام عيد الفطر، على قصف عمارة سكنية تتكون من ثلاث طوابق والمنازل المحيطة بها، بثلاث صواريخ متتالية، أدت لارتقاء الشهيد أحمد وطفلاه "يزن وحلا"، وشقيقته هند، ومعهم أكثر من خمسين شهيدٍ من النساء والشيوخ والأطفال، وإصابة العشرات بجروح مختلفة من بينهم زوجته التي نجت من القصف بأعجوبة، وكانت حامل في شهورها الأخيرة، ورزقها الله بطفلةٍ جديدة سمتها "حلا" على اسم شقيقتها التي ارتقت مع والدها إلى علياء المجد بإذن الله، مشدداً على أن الجرائم الصهيونية بحق العزل لم تفت من عضدَّ المجاهدين بل زادتهم إصراراً على مواصلة المعركة وقتال العدو الصهيوني حتى تحرير فلسطين كل فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.


احمد معمر

احمد معمر

الشهيد القائد الميداني: أحمد مرزوق معمر