حكايات "شموع تحترق" خلف القضبان

السبت 16 أبريل 2011

الاعلام الحربي – غزة:

 

عينا "ناره" ابنة الأعوام الستة أخذت تصرخ بصمت مريع: "لا بد للمؤبد أن ينكسر".. قالت وهي تتوسط عددا كبيرا من أمهات وآباء الأسرى في اعتصامهم الأسبوعي بمقر الصليب الأحمر بغزة، وكأنها في ظل انتشار الثورات العربية التحررية تعلن بهذا النداء حقها في أن تستصرخ الكون لكي ينال والدها الأسير ناهض الأقرع -المحكوم بثلاثة مؤبدات- حريته.. والتي كبّلتها قوات الاحتلال منذ اعتقلته في عام 2009م، قضى أربعة أعوام وبقي ما بقي من المؤبدات الثلاثة.. فما أصعب لفظها على القلب!!.. كيف سيقضيهن الأعرج في الزنازين مرغما على فراق زوجه وأبنائه الأربعة.. والذين لم يتمكنوا من زيارته ولو مرة واحدة منذ اعتقاله!!.

 

تلك المعاناة أخذت تتكرر في تجاعيد وجوه كل الأمهات اللاتي جلسن يرقبن كاميرات الإعلام وخطابات السياسيين كل يوم "اثنين" دون كللٍ أو ملل، بصبرٍ وتجلد.. منهن ممنوعات عن زيارة أبنائهن منذ خمسة أعوام بحجج أمنية واهية. المرير هنا أني كلما حاولتُ أن أبدأ الحوار مع إحداهن.. تتسربُ الدمعة قبل أن يبدأن الحديث، وأُفاجأ بأن نفس المعاناة تتكرر على ألسنتهن: "لي ولدٌ شهيد والآخر أسير، أو لي شهيدان..."..

 

صادروا وسيلة الاتصال

فهذه والدة الأسير حسين اللوح -محكوم مدى الحياة ومعتقل منذ 9 أعوام- تقول: "كلّما مرّ علينا عيد أو مناسبة نفتقدُ "حسينا" كثيرا، فوالده تُوفي وهو يدعو الله أن يودعه قبل أن يرحل عن هذه الحياة، أما شقيقه الأصغر -وكذلك شقيقته- تزوج وحسين لا يزال قابعا في السجون". وحين ردت على سؤال: "هل تتصلين به أو يتصل بك؟"، قالت بأسى شديد: "دفعنا له أكثر من2500 دينارا ليتمكن من محادثتنا من داخل السجن، ولكن الاحتلال صادر وسيلة الاتصال منذ ستة أعوام، ومن حينها لم أستطع زيارته ولا حتى مهاتفته".

 

أما والد الشهيدين محمد وحسني الصرافيتي، والأسير علي الصرافيتي -المحكوم بستة عشر عاما، قضى منهن 9 أعوام- فقال: "مُنعت من زيارة (علي) منذ عام 2003م وأمه صدر بحقها منع أمني في العام 2006م بعد استشهاد شقيقه حسني، ولا زلنا ننتظر لحظة لنطمئن فيها عليه أو كي نتمكن من زيارته".

 

لم تغب بسمته

أما والدة الأسير رائد الحاج أحمد -خرج استشهاديا، واعتقلته قوات الاحتلال عند معبر بيت حانون-إيرز، وحُكم عشرين عاما، قضى منها سبعة أعوام- فتقول: "غاب عنا سنين أسره السبعة ولم تغب بسمته التي تدب في كل أركان البيت وزواياه، ولم أتمكن من زيارته أبدا منذ اعتقل، وها أنا أداوم على الاعتصام في الصليب وأتابعُ كل برامج الأسرى وإذاعة الأسرى لعلّني أتمكن من الاطمئنان عليه".

 

وأضافت: "ما يزيد حزني وجعًا أنني كثيرا ما أسمع أن الأسير فلان قد خرج من السجن والأسير فلان قد نال حريته، وابني لا زال يقبع في زنازين الظلم والطواغيت.. كذلك أن أمامه ما بقي من الحكم الصادر بحقه.. فكيف يهنأ بالي؟ أو كيف أنام وابني في السجن يذوق كل أنواع التعذيب النفسي والجسدي والإنساني، وليس هناك من أحدٍ يهتمُ بقضيته وقضية إخوانه الأسرى وأخواته الأسيرات على محمل الجد؟".

 

وأردفت قائلة: "لو باستطاعتي منح قلب أم الأسير بخوفه وبحرصه على أبنائها الأسرى لكل الذين ينادون بحقوق الإنسان والحريات، لعرفوا كيف لا ينام قلب الأم من شدة خوفه وقلقه على الأسير، ولشدة معاناة الأسرى في سجون وزنازين الاحتلال".

 

أسير ومطارد

أن يسجن الزوج ما بين كرٍ وفر في زنازين الاحتلال لم يكن أمرا هينا أبدا على زوج الأسير علاء صلاح، والذي لم يهنأ يوما بحياةٍ آمنة، فإن لم يكن أسيرًا كان مطاردا حتى سجن، إلى أن اعتقل أخيرا بعد عشرة أعوامٍ طارده العدو خلالها مغتنما أي فرصةٍ لاعتقالهِ، إلى أن تحقق مراد العدو المتجبر، فأسره في العام 2004م.

 

"علاء" الذي اعتقل في العام 1990م لمدة عام وفي العام 1992م، عاود الاحتلال اعتقاله مرة أخرى، وقد طورد في العام 1994م بتهمة الخطف والقتل، وحوكم عشرة أعوام ليعتقل بعدها مجددا ويحكم بناء على ذلك بالسجن مدى الحياة.. وهو أب لابنتين: الصغرى فيهن أصبح عمرها اثنا عشر عاما ولم تنعم بحنانه أبدا، فقد بدأت مطاردته منذ كان عمرها ثلاثة شهور، فكيف لها إذن أن تتحمل أعباء الحياة الفائتة والقادمة وحدها؟.. ووالدها أيضا حمل على عاتقه وجع وطنه وأهله.

في حين ذلك أضافت زوجه: "لا يمر علينا عيد أو مناسبة سعيدة أو حزينة إلا ونشعر بحجم الفراغ الذي تركه خلفه، وتحديدا الفراغ الذي بدأت مساحته تتسع بمنعنا عن زيارته منذ خمسة أعوام وأكثر، فزاد هذا الطين بلة.. كما زادنا حزنا".

 

وفي لقاء، أوضحت الأسيرة المحررة (أم محمود الزق) أن حضورها الدائم لاعتصام أهالي الأسرى والأسيرات هو بمثابة رسالة وفاء وتضامن مع كل الأخوات الأسيرات اللاتي عايشن أحلك الظروف في زنازين الظلم الصهيونية؛ "لأن الأسرى والأسيرات هم قلبي النابض وكثيرا ما أشعر أنهم أبنائي وبناتي؛ لأني عرفت جيدا معنى معاناتهم وأدركت كل الذي يذوقونه من تعذيب واضطهاد وحرمان لأقل الحقوق الإنسانية"، وفق وصف الأسيرة المحررة. وأضافت: "نأمل أن يمن الله علينا بلقاء وفرج قريب، يكونُ فيهأسرانا قد نالوا مناهم بالحرية والتحرير، وسعدتْ قلوب أمهاتهم وأزواجهم برؤيتهم".