القبة الحديدية بين حسابات الواقع وتحديات المستقبل/ بقلم: مأمون أبو عامر

السبت 16 أبريل 2011

منذ أن تمكنت المقاومة في قطاع غزة من إطلاق صاروخ من صنع محلي، باتجاه المستوطنات الصهيونية المجاورة لقطاع غزة والتي تقع في المنطقة التي يطلق عليها حسب التسمية الإسرائيلية "غلاف غزة"، ومن يتابع تتطور إطلاق الصواريخ من حيث الكم والكيف وبالمعدلات التي نشرتها المصادر الأمنية الإسرائيلية يجد أنها كانت على نحو تصاعدي بدأ من إطلاق 4 صواريخ عام 2001 حتى وصلت إلى 946 صاروخاً عام 2006.

 

وبلغت عام 2008 حوالي 2862 صاروخاً، وذلك بحسب الإحصائيات الإسرائيلية الرسمية، والتي تعد الصواريخ التي تسقط داخل منطقة الخط الأخضر فقط ، الأمر الذي دفع وزير الدفاع وقتها عمير بيرتس في عام 2007 ، وبعد التشاور مع الخبراء العسكريين إلى رفع مستوى التهديد النفسي الذي تشكله الصواريخ من مستوى التهديد التكتيكي إلى التهديد الاستراتيجي، الأمر الذي يستدعي العمل لحل هذه المعضلة، وبالرغم من مجابهته لمعارضة واسعة من الخبراء العسكريين ومعارضتهم لمشروع تطوير منظومة صاروخية متطورة لمواجهة الصواريخ قصيرة المدى خاصة بعد أن أشارت مؤسسة "رافائيل" العسكرية المتخصصة بإنتاج الوسائل القتالية المتطورة إلى أن هذا المشروع سيكلف خزينة الدولة حوالي مليار شيكل أي ما يعادل 250 مليون دولار.

 

ورأى المعارضون أن العدد الإجمالي للقتلى الإسرائيليين من هذه الصواريخ هو فقط 7 مواطنين في خلال ستة أعوام لا يستدعي هذه التكلفة، وقد كان على رأس المعارضين لهذا المشروع مدير عام الوزارة وقتها الجنرال غابي أشكنازي والذي أوكلت إليه مهمة رئاسة اللجنة المتخصصة لإنتاج منظومة الدفاع لإسقاط الصواريخ القصيرة المدى والتي أطلق عليه فيما بعد " القبة الحديدية"لم ينته المشروع بسقوط عمير بيرتس من وزارة الدفاع في أعقاب حرب لبنان 2006.

 

فقد مضى وزير الجيش الإسرائيلي إيهود باراك قدما في تنفيذ المشروع لإخراجه إلى حيز التنفيذ ضمن مشروع متكامل يشمل "القبة الحديدية "، و"العصا السحرية " للصواريخ المتوسطة، "حتس" للصواريخ البعيدة، لحماية الجبهة الداخلية في (إسرائيل) من تهديد الصواريخ التي تؤرق كلاً من الجيش و المواطنين، لعدم وجود رد مناسب على هذه الصواريخ في حالة اندلاع مواجهة شاملة في المنطقة، حيث ستكون الجبهة الداخلية الإسرائيلية هي الجبهة المركزية للحرب، بعد أن اعتادت (إسرائيل) على مدار ستين عاماً من قيامها بنقل الحرب إلى داخل حدود الدول العربية التي حاربتها.

 

واليوم بعد أن خرجت أول منظومة من " القبة الحديدية" إلى حيز النور، وتم نشر منظومتين منها في المنطقة الجنوبية والأخرى بالقرب من المجدل وبعد مرحلة من التشكك والريبة في إمكانية فاعليتها الميدانية.

 

جاءت المواجهة الأخيرة بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال لتكشف عن الواقع، فقد شهدنا أن هذه المنظومة وبحسب المصادر العسكرية الإسرائيلية التي ادعت إسقاط 8 صواريخ من 9 صواريخ كانت موجهة باتجاه المدن، عملت المنظومة على التصدي لها، أي بنسبة نجاح ميداني تفوق 85% ، وبالرغم من أن المقاومة وبحسب المصادر الفلسطينية قد أطلقت أكثر من 150 ما بين صاروخ وقذيفة هاون، فإن المقاومة قد أطلقت 18 -20 صاروخ غراد وهو النوع المستهدف من الصواريخ حاليا، وقد فسرت المصادر الإسرائيلية عدم التعرض لباقي الصواريخ بأن المنظومة المزودة بأحدث الحاسابات الإلكترونية قادرة على تحديد مسار الصواريخ في الجو في خلال ثانية ونصف، وهي بذلك تقرر التصدي لأي صاروخ بحسب المنطقة التي من المتوقع أن يسقط فيها الصاروخ.

 

وتقدر المصادر العسكرية الإسرائيلية أنه وبحسب الإحصاءات فإن ربع الصواريخ تسقط على أهدافها والباقي يسقط في المناطق الخالية ولذلك فإن المنظومة تواجه فقط ربع الصواريخ، الأمر الذي يعطي هذه المنظومة الفرصة للتصدي للصواريخ الفاعلة.

 

هذا الواقع أعطى القيادة العسكرية الإسرائيلية الانطباع بأن هذه المنظومة نجحت في هذه المواجهة المحدودة في الحد من قدرة المقاومة الفلسطينية من إصابة أهدافها، وبتوفير مبالغ طائلة لو أنها أطلقت صاروخاً مضاداً لكل صاروخ فلسطيني تكلفته لا تتجاوز 300 دولارسيكلف الجيش الإسرائيلي مابين 80-100ألف دولار لكل صاروخ تطلقه المنظومة، هذا الشعور بالارتياح دفع القيادة السياسية والعسكرية إلى العمل فورا على نشر عدد من هذه المنظومات والتي تقدر المصادر العسكرية أن حاجة الجبهة الداخلية إلى 13 منظومة بالحد الأدنى أو20 منظومة منها لتكون قادرة على تغطية شاملة وكاملة على الجبهتين الشمالية والجنوبية للصواريخ.

 

الآن وبعد أن اعتبرت القيادة السياسية الإسرائيلية أن قدرتها على المناورة أمام المقاومة الفلسطينية واللبنانية قد ازدادت بعد أن تأكد لها إمكانية حماية الجبهة الداخلية من صواريخ المقاومة والتفرغ للعمل ضد المقاومة ميدانيا للضغط عليها سياسيا ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه أمام القيادة العسكرية الإسرائيلية كيف ستواجه المشكلة- صواريخ المقاومة - في حال اندلعت مواجهة واسعة النطاق ولاسيما أنها تواجه صعوبة توفير منظومات جديدة في الوقت القريب، و ستكون بحاجة إلى عامين آخرين لكي تنتج منظومتين جديدتين وبتمويل أمريكي تبلغ تكلفتها 205 ملايين دولار، للمساهمة في تغطية الجبهة الجنوبية أمام صواريخ المقاومة.

 

والسؤال الآخر المطروح أمام المقاومة حول كيف يمكنها اتباع تكتيكات جديدة وتطوير آليات العمل في إطلاق الصواريخ في المرحلة القادمة بعد أن دخلت اختباراً حقيقيا في مواجهة هذه المنظومة لإبطال مفعولها وإصابة الأهداف المرجوة، ورفع التكلفة لمواجهة هذه الصواريخ والتي يعتبرها بعض المحللين الاقتصاديين ضربة قوية حيث تمكنت المقاومة من إرهاق الميزانية العسكرية الإسرائيلية ؟