الاعلام الحربي – غزة:
لا يعرف العشاق أين سيلتقون في السجن أم في الموت أم في ظل وردة.. هكذا كان اللقاء بين طفلة لم يتجاوز عمرها الحادية عشر وهي تنظر إلى والدها متأملة في لحظات عشق وعناق، فأصابها الحنين إلى لمس أباها وعناقه كما تحن إلى خبز أمها وقبلتها.
الطفلة عبير يوسف سكافي من مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة.. تنسج حكايتها العشقية مع والدها المحكوم لأربعة مؤبدات في سجون الاحتلال الإسرائيلي وهو من مقاتلي كتائب الأقصى في الانتفاضة الفلسطينية، ومعتقل منذ ثماني سنوات.
يشير جدها عبد الرحيم سكافي إلى أن عبير كانت متعقلة بوالدها كثيرا، "وقبل ثلاث سنوات زارته في سجن بئر السبع -شرق مدينة بئر السبع المحتلة- وفي ختام الزيارة كعادتها تدخل عبير إلى عناق والدها ليطبع على جبينها قبلة طالما انتظرتها، لكنه وفي زيارة الوداع الأخيرة، حالت ألواح الزجاج العازلة دون حصول عبير على مرادها".
ويضيف الجد وقلبه يتفطر ألما على حفيدته: "حاولت عبير كسر الزجاج الفاصل بأن تضرب يدها عليه بقوة، وفي الجهة المقابلة كان والدها يقف محاولا كسره كما تريد ابنته ولكن دون جدوى، فبكت الطفلة وبكى والدها لأنه لم يستطع أن يكون أبًا قادرا على معانقة ابنته كبقية الآباء، وبكت طفلته لأنها لم تكن كبقية أطفال العالم الذين يسكنون مع آبائهم". وتابع: "عبير كانت تتحدث في الزيارة عبر جهاز "الانتركوم"، وعند انتهاء الزيارة همت بالدخول إلى غرفة الزيارة، لكن الضابط الإسرائيلي كان حديثة للزائرين والأسرى: "يلا يلا انتهت الزيارة".
ويكمل جدها قائلا: "ومنذ أن انتهت الزيارة مع والدها ولم تتمكن من معانقته، بكت كثيرا وأصيبت بشلل بسيط في حركة رجلها اليمنى حيث لم تستطع أن تقف عليها، وبدأت تزداد حالتها سوءًا، وفي أثناء دوامها المدرسي لم تستطع عبير أن تحمل القلم لتكتب فيه، ثم أصيبت بشلل كامل ولم تستطع النطق والحديث مع من هم حولها".
"كان في خيال عبير آخر تلك اللحظات التي شاهدت فيها والدها وهو يحاول كسر القيد الذي فرضه الاحتلال الصهيوني، وفي خيال والدها ابنته التي عشقته عشق العاشقين الحائرة بين آهات الفراق"، يقول لسان حال الجدّ. وأضاف جد الطفلة الشهيدة: "مرض والدها كما مرضت ابنته، فأصيب بنوبة قلبية نقل على إثرها إلى سجن مستشفى الرملة وتدهورت صحته هناك، وقُدم بعدها طلب إلى إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية بأن يُسمح لابنته بزيارته ليعانقها، ولكن إدارة السجن لم تعلق بشيء على هذا الطلب الذي دام لأكثر من ستة شهور".
تحلم بالقانون
كانت عبير -كما يقول جدها- متفوقة في دراستها وتحلم بدراسة القانون لتكون محامية دفاع عن والدها وعن كل الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، "وهي التي كانت حاضرة في مسيرات التضامن مع الأسرى، فلم تغب عن أي مسيرة تضامن إلى حين إصابتها بالمرض". وقال: "في يوم الجمعة الماضي رحلت روح عبير إلى بارئها، تشكو إليه ظلم بني البشر، وكلها شوق إلى عناق والدها".
هذا وكانت جماهير محافظة الخليل شيعت الطفلة عبير في جنازة مهيبة بحضور شخصيات فلسطينية جماهيرية ورسمية، وقد أوضح مدير نادي الأسير في الخليل أمجد النجار بالقول: "الكيان الصهيوني مسؤول بالكامل عن قتل الطفلة عبير سكافي"، مطالبا المؤسسات الحقوقية والإنسانية واللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن تكثف دورها في التخفيف عن معاناة الأسرى وذويهم".
من الجدير ذكره أن حكاية الطفلة عبير هي جزء من حكايات متعددة من عذابات أهالي الأسرى وأطفالهم، حيث تفاقمت تلك المعاناة مع قرار إدارة مصلحة السجون في الآونة الأخيرة بمنع دخول الأطفال لذويهم، والاكتفاء بأن تكون الزيارة من خلف اللوح الزجاجي الفاصل بينهم.

