الإعلام الحربي – غزة:
ما أن يخرج أسير فلسطيني من سجون الاحتلال الصهيوني الغاصب حتى تملأ الفرحة سماء الحرية وأرض الانتصارات التي حققوها قبل أن يذوقوا مرارة الأسر، ويكمل إخوانهم الشهداء طريق النصر والاستقلال على درب سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام، ودرب المعلم القائد الشهيد "فتحي الشقاقي".
لكن هذه الفرحة سرعان ما تمتزج بالغربة من جديد، بعد أن يكتشف أبطالنا الأحرار استشهاد بعض إخوة السلاح والجهاد، وتغير ملامح المكان الذي عهدوه منذ صباهم، ليبدؤوا خوض مرحلة جديدة من الصراع، ولكن هذه المرة تتمثل في مجابهة ومقاومة الغربة، والتكيف مع الأوضاع المأساوية التي يعيشها سكان القطاع خارج السجون.
غربة خارج المعتقلات
ويقول الأسير المحرر عوض عبد الفتاح "31 عامًا" من سكان مدينة الخليل في حديثه له: "السجن سلاح ذو حدّين، فإما أن تعيش فيه وتتعلم أو تعيش وتتألم، ونحن كشعب فلسطيني مع الظروف التي تمر علينا والتغيرات التي تمر بنا جعلت من حالاتنا النفسية درعا قويا لتحمل الصدمات؛ لأن هذه الحياة سفينة وسائرة ولا بد لنا أن نركب الموج". وأشار عبد الفتاح إلى أنه صدم كثيرا بسبب واقع الانقسام الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، "فهم أصبحوا يعادون بعضهم بعضا، ولم تكن تتوفر الإمكانات ليتحدوا ويفجروا انتفاضة جديدة ضد الاحتلال وممارساته".
ولم يختلف الأسير المحرر نادر طه -"32 عاما" من مدينة طولكرم، وقضى تسع سنوات من حياته داخل السجون- في حديثه عن الأسير عبد الفتاح، حيث يقول: "منذ أول لحظة خرجت فيها من الأسر، لم أشعر بكل هذه السنوات التي قضيتها داخل السجون من شدة الفرحة، ولكن مع مرور الوقت والأيام واحتكاكي بالناس عانيت كثيرا في التأقلم مع الواقع المعيشي لسكان القطاع، وشعرت أنني في مكان غريب، فأصدقائي استشهدوا والأماكن التي أعرفها تغيرت، والحواري والشوارع والدكاكين اختلفت معالمها، وأنا تغيرت لم أعد ذاك الشاب في ريعان صباه".
أما الأسير المحرر محمد أبو هولي -"22عاما" من سكان قطاع غزة، وقضى خمس سنوات في الأسر- فيقول: "أتمنى أن أعود ليوم واحد فقط عند أصدقائي في الأسر؛ لفقداني طعم الحياة الاجتماعية الحقيقية التي باتت غائبة تمامًا بين الناس والجيران في قطاع غزة، وكم حزنت كثيرا عندما رأيت إخواني من حركتي فتح وحماس مختلفين دائما، وتاركين خلفهم معاناة الأسرى داخل السجون الذين اعتقل فداء للقضية الفلسطينية".
وحول تكيفه مع الواقع الجديد يوضح أبو هولي أنه يعيش وحيدا معظم وقته رغم الفترة التي قضاها مع أهله وأصدقائه خارج الأسر، ويضيف: "لم أستطع التعايش مع الوضع الجديد، وما زلت أحب الجلوس وحيدا لساعات طوال، وأحسست أن كل شي أمارسه في حياتي مثل حياة السجن تمامًا".
مرض السجن
ويوضح د. سمير زقوت -اختصاصي علم النفس في برنامج غزة للصحة النفسية- من جانبه أن بعض الأسرى المحررين لا زالوا يعايشون فترة الأسر داخلهم في كثير من الأحيان، حتى جعلتهم هذه الحالة يتمنون أن العودة إليه ثانيةً.
وقال: "هذا ما يسمى في علم النفس "مرض السجن" فكثير من السجناء -خصوصا ذوي الأحكام العالية- لا يستطيعون التكيف مع الوضع الجديد". ويذكر زقوت موقفًا مع أحد الأسرى: "عندما خرج أحد الأسرى القدامى من السجن انعزل عن الناس واشترى منزلا بعيدا واستقر فيه، وهذه الظاهرة انتشرت في الفترة الأخيرة لسبب اتباع سلطات الاحتلال سياسة العزل الانفرادي التي تنعكس سلبا على حياة الأسير فيما بعد".
وقد أوضح عضو لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية ياسر مزهر بدوره أـن الدور الكبير الذي يبذله الأسرى داخل السجون الصهيونية والمعاناة التي يتحملونها والمنصبّة عليهم من إدارة السجون تؤثر عليهم نفسيا وصحيا بصورة كبيرة خارج السجن. وقال: "لا بد لأهل وأصدقاء الأسير أن يحاولوا الوقوف إلى جواره؛ حتى يخرج من حالة العزلة والكبت والوحدة التي اعتاد عليها داخل السجون، وعليهم مساعدته أيضا ليعود عنصرا اجتماعيا فعالا".

