الإعلام الحربي – غزة:
قبل عام تقريبا اعتقل الشاب "ساري عرابي" من بلدة "رافات" القريبة من مدينة رام الله لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية لتهمة كتابة مقالات ضد السلطة الفلسطينية، ومنذ ذلك الحين تسعى العائلة بكل ما أوتيت من روابط وعلاقات اجتماعية وفصائلية وحقوقية لإطلاق سراحه ولكن دون جدوى؛ لينضم بذلك إلى المئات من الشبان المعتقلين والمحسوبين على تيار المقاومة. وما زاد الأمور تعقيدا بالنسبة لعائلة "عرابي" الحكم الصادر عن محكمة عسكرية فلسطينية ضده والقاضي بحبسه ثلاث سنوات فعليا، والتهمة وفق لائحة الاتهام: "تهديد الاستقرار العام" في المنطقة، وفق وصف والدته.
وتضيف الوالدة المكلومة في حديث لها لصحيفة الاستقلال: "ساري معتقل منذ عام ولا يزال أمامه عامان كاملان في حال عدم الإفراج عنه، وحين الإعلان عن اتفاق المصالحة تأملنا خيرا أن يفرج عنه خاصة أن الحديث يدور عن تبيض السجون من المعتقلين السياسيين". وتابعت بأسى: "هذه ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها ساري، ولكن ليس في سجون السلطة الفلسطينية، فقد اعتقل أكثر من مرة لدى سلطات الاحتلال الصهيوني؛ مما جعله يتأخر في دراسته لأكثر من ثلاثة أعوام".
وتنقل الأم عن ساري أثناء زيارته أمله بالإفراج عنه -بعد التوقيع على اتفاق القاهرة- وعن باقي زملائه من المعتقلين السياسيين. معتبرة أن تنفيذ اتفاق المصالحة بدون الإفراج عن المعتقلين السياسيين -ومن بينهم ساري- سيفقده مضمونه الحقيقي. هذا وتعتبر قضية المعتقلين السياسيين من القضايا الشائكة والتي كانت سببا في تعطيل اتفاق المصالحة على مدار سنوات ماضية، حيث كانت حركة حماس تشترط تبييض سجون السلطة الفلسطينية من المعتقلين السياسيين قبل التوقيع على أي اتفاق.
استهداف كوادر "الجهاد"
إلى ذلك ذكر أحد كوادر "الجهاد الإسلامي" الذي استدعي قبل أيام أن جهاز المخابرات الفلسطينية يسعى إلى معرفة دور الحركة وعناصرها في ظل إمكانية اندلاع انتفاضة ثالثة دعت لها فعاليات شبابية مؤخرا عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأشار المجاهد -فضّل عدم ذكر اسمه لدواع أمنية- إلى أن التساؤلات التي تثار حول مدى إمكانية أن تحقق المصالحة الفلسطينية في حالة حدوث الاستقرار: كيف سيكون دور حركة الجهاد الإسلامي على الأرض من الناحية العسكرية؟ مؤكدا أن طبيعة تلك الأسئلة تشبه إلى حد كبير الأسئلة التي يوجهها "ضباط مخابرات العدو" للمجاهدين الذين يعتقلون.
وفي السياق ذاته تواصل أجهزة أمن السلطة اعتقال القيادي في الحركة الشيخ عبد الحكيم مسالمة في مقر بيتونيا العسكري، وكان الشيخ مسالمة مطاردا لقوات الاحتلال الصهيوني منذ تسع سنوات، واعتقله جهاز المخابرات العامة في يوم الخامس عشر من شهر تشرين الثاني من العام الماضي، وهو من قرية سنجل شمال شرق مدينة رام الله.
وأشارت حركة الجهاد الإسلامي -في بيان لها - إلى أن أجهزة السلطة تواصل اعتقال عدد من كوادرها في بلدات عتيل وصيدا وعلار قضاء طولكرم، "ومنهم أسرى محررون"، فيما لا زال المجاهدون: مأمون بدوي (25 عاما)، وسامر أبو خزنة (20 عاما)، وقاسم أبو خليل (21 عاما)، ومحمود أبو خليل (23 عاما) -شقيق الاستشهادي "محمد" منفذ عملية "نتانيا" البطولية عام 2005م-، وبهاء أبو خليل (22 عاما) -شقيق الشهيد عادل أبو خليل، من أبرز مساعدي القائد العام لسرايا القدس في الضفة المحتلة الشهيد لؤي السعدي- يقبعون جميعا في سجون السلطة.
وقد دعت الحركة في بيانها أجهزة أمن السلطة للكف عن هذه السياسة التي لا تخدم مصالح شعبنا وتؤثر على علاقاته الداخلية، وطالبت الحركة القوى والفصائل الفلسطينية المجتمعة في العاصمة المصرية إلى صياغة ميثاق شرف وطني يُحرِّم الاعتقال السياسي والتنسيق الأمني مع العدو، "ويحافظ على الثوابت ويصون الحقوق".
مئات المعتقلين
وفي آخر الإحصاءات المتعلقة بالمعتقلين السياسيين في سجون السلطة -معظمهم من كوادر حركتي الجهاد الإسلامي وحماس- فقد بلغ عددهم أكثر من 600 معتقل، إلى جانب استدعاء أكثر من 30 ألف من كوادر الحركتين.
وقد تضمن الاتفاق بندا واضحا ينص على "الإفراج عن المعتقلين لدى الطرفين"، وكمبادرة حسن نية قامت حكومة غزة بالإفراج عن عدد من المعتقلين لديها فيما لم تعلن حكومة الضفة عن أي تحرك للإفراج عن معتقلين لديها حتى الآن.
ويقول وزير الأسرى - وصفي قبها: "عدد المعتقلين لدى الأجهزة الأمنية ما بين 350-400 معتقلا في سجون الجنيد وبتونيا والخليل وأريحا، إضافة إلى عدد من الموقوفين الذي يفوق الـ150 في كل محافظات الضفة وعند كلالأجهزة الأمنية من مخابرات واستخبارات وأمن وقائي".
وأشار قبها، إلى أن قضية الاعتقالات السياسية من أخطر القضايا وأكثرها حساسية؛ "خاصة أن هذه الاعتقالات لم تتوقف حتى بعد الإعلان عن (اتفاق مبادئ) بين الطرفين، حيث سجلت 20 حالة اعتقال لكوادر من حركتي الجهاد الإسلامي وحماس خلال أسبوع فقط، في حين استدعي أكثر من 60 للمقابلة لدى الأجهزة الأمنية".
ترقب حذر
ووفق ما أكده قبها فإن الاتفاق ينص على الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين بعد التوقيع النهائي بين الطرفين في القاهرة. وشكك قبها بنوايا الأجهزة الأمنية حول إمكانية الإفراج عن المعتقلين بصورة كاملة، قائلا: "إن هذه الاعتقالات لا تمهد لمناخ مصالحة حقيقي، وهناك من يحاول أن يفسد الأجواء ويسممها باللعب على ورقة المعتقلين". وحول ادعاءات الأجهزة الأمنية بعدم وجود معتقلين سياسيين لديها، وأن الاعتقال يجري على خلفية جنائية ومدينة وليست سياسية.. قال قبها: "من يعتقل هم خيرة المجاهدين والمقاومين للاحتلال، وممن قضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال.. فكيف يمكن وصفهم بالمجرمين والجنائيين؟!..".
وحول إمكانية التنصل من الإفراج عن المعتقلين السياسيين لدى الأجهزة الأمنية، قال قبها: "سننتظر الأيام القادمة ونرى تطبيق الاتفاق، حيث سيفرج عن المعتقلين، وبعض الحالات ستشكل لجان خاصة للنظر في ظروف اعتقالهم، وبحالة المماطلة في التطبيق سيكون لنا صوت وموقف ضد كل من يحاول التشويش وعرقلة تطبيق الاتفاق التصالحي".
ويشار هنا إلى أن ملف الاعتقال السياسي كان من أكثر الملفات التي شكلت "عقبة أداء" أمام توصل حركتي فتح وحماس إلى اتفاق ينهي حالة التشرذم التي شهدتها الحالة الفلسطينية على مدار السنوات الأربعة الماضية.. فهل يستطيع الطرفان تجاوز تلك العقبة والانتقال خطوة إلى الأمام نحو تنفيذ ما نص عليه اتفاق القاهرة الأخير بمباركة فصائلية وعربية وإقليمية وأوروبية؟!.. هذا ما ستكشفه قادمات الأيام.

