رجال من زمن الصحابة.. بقلم/ د. كمال غنيم

السبت 21 مايو 2011

آمن بالأفعال الصامتة عندما اعتقد الناس بالبهرجة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وانسحب من الأضواء في رغبة خفية في تمحيص نية الإخلاص. لم يبخل عندما أقبلت الدنيا عليه، ولم يعدم وسيلة العطاء عندما انصرفت عنه. تكاثرٌ من نوع آخر هو الذي شغله على مدار رحلته، تكاثر الحسنات لا تكاثر المال والبنين وزينة الحياة الدنيا.

 

قال له عبد الرحمن: أين أنت من مزاحمة الدنيا والبروز الإيجابي؟

 

فقال في خجل: لعلني لا أجد في قلبي ما ألمس لدى الناس من حرص وطول أمل، وأجدني نافراً مما يتصارع الناس حوله، حتى بت أخشى أن أكون نسيج وحدي، غريب الأطوار، مستنكر الأحوال!

 

قال عبد الرحمن: إن صدقت الله صدقك!

 

فقال: لم أفهم قصدك.

 

قال عبد الرحمن: اطلب الموت توهب لك الحياة! لأنك استعليت على الدنيا ستأتيك صاغرةً، ولأنك هربت من حب الرياسة والشهرة سيسخر الله لك الخير، ويمنحك ما تسوسه طالما أنه لا يسوسك، فأمير نفسه الحقيقي هو من استطاع أن يقهرها ويصدها, لا من استطاعت أن تقهره وتجرجره إلى ما يحب وما يكره!

 

فقال: يا ويلي إذاً، يا ويلي من خزيٍ وندامة، اللهم باعد بيني وبين شهوات الدنيا كما باعدت بين المشرق والمغرب.

 

قال عبد الرحمن: إن من طلبها وكان فيه ضعف، أخذها وهي عليه أقوى من وحش كاسر. وإن من هرب منها، فلحقت به كانت أقل شأنا في نفسه وأعانه الله عليها.

 

فقال: لتكن لمن إذا قيل من فتىً خال أنه عُني فلم يكسل ولم يتبلدِ! ما لها ولمن يهرب منها؟!

 

قال عبد الرحمن: لا ينبغي أن تختلط المفاهيم، فالمقصود باستجابة الفتى هنا ليس الاستجابة للدنيا والحرص وطول الأمل؛ بل الاستجابة لداعي الخير والقيم والمروءة والنبل. وأنا لا أدعو لك إلا بدوام الخوف منها، والسعي إلى الهرب منها، ولكني في المقابل أدعو الله ألا تلحق إلا بك وبأمثالك من الزاهدين!!

 

فقال: اللهم إني أعوذ بك من شر ما دعا صاحبي! وأسألك أن تصرف عني كيد الدنيا! فإني أخشى أن تصبو نفسي إليها فأكن من الضالين.

 

قال عبد الرحمن: بارك الله فيك، لقد جئت (بالتايهة)!

 

فقال: وما ذاك؟!

 

قال عبد الرحمن: لقد دعوت بما يشبه دعوة يوسف عليه السلام في فتنة الدنيا التي غلّقت الأبواب وقالت: هيت لك، فاستعاذ بالله الذي أحس مثواه، ولمّا اشتد الكرب به جاء في الكتاب الكريم أنه: "قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ"(يوسف: 33). لكنه لمّا لزم الأمر، وكانت الضرورة، وبعد أن اتضحت الحقيقة وانكشفت الصورة لم يتأخر ولم يتلجلج فجاء في الكتاب الكريم أنه: "قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ"(يوسف: 55)...

 

فقال مقاطعاً: يا رجل ذلك يوسف النبي عليه السلام، وهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى!

 

قال عبد الرحمن: لكل زمان دولة ورجال، ولنا في الأنبياء قدوة حسنة. لا أقول لك إلا أن تسعى للخير في كل ميدان، ولك أن تخفي أعمالك تلك عن الناس وعن نفسك، حتى لا تعلم يسارك بما أنفقت يمينك، واجتهد في إخلاص النية وسلامة الطويّة، وكن في تعاملك مع الدنيا كما أحببت، واغرس بصرك في الأرض كما تشاء، ولا ترفع عينيك للسماء إلا في لحظات تأمل ودعاء.

 

فقال: ذلك هو القول الأمثل والله، ففي الاستقامة والهدى خير كبير لا يعلمه كثير من الناس.

 

قال عبد الرحمن: صدقت، لله في خلقه شئون.

 

فقال: لو أصلح كل مؤمن نفسه، صافحته الملائكة في الطرقات، ومشت قدماه على سطح البحر، وما احتاج الناس إلى من يسوسهم.

 

قال عبد الرحمن: لو...

 

فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!

 

قال عبد الرحمن: يا صاحبي "لو" حرف شرط يفيد الامتناع... "رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ"(الحجر: 2)!! الإيمان يحتاج إلى سعي ودلائل حتى يصدقَ صاحبُه. وإيمان الهاربين من مواجهة الحياة لا يمتلك الدليلَ على صدقه. وأفضل المؤمنين أصبرهم على أذى الناس.

 

فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم اجعلنا دوماً مفاتيح خيرٍ مغاليق شر! اللهم نجّنا من فتنة الدنيا! واكتب لنا رضاك والجنّة!