يأتي رؤساء اميركا الى السلطة عادة بوعود خلابة للشرق الاوسط والصراع العربي الصهيوني والقضية الفلسطينية. لكن هذه الوعود تصطدم دائما بالحاجز الصهيوني المرفوع في جبينه عبارة تكاد تكون توراتية: "لا دولة فلسطينية مستقلة". لذلك جاء خطاب باراك اوباما امام مؤتمر "ايباك" مؤسفا ومحبطا ومخجلا، اذ لم يستطع "رئيس الرؤساء" ان يصمد اكثر من ثلاثة ايام امام الغضبة الصهيونية بعد تلميحه ـ مجرد تلميح ـ الى دولة فلسطينية في حدود العام 1967.
هذا الموقف أزعج الراغبين بهذه الدولة ولو على "ظهر حمار"، لكنه بالتأكيد أغبط الحالمين بفلسطين من البحر الى النهر. لم يشذ اوباما عن القاعدة التي اتبعها الرؤساء الاميركيون منذ انشاء الكيان الصهيوني على ارض فلسطين.
كل شيء قابل للكلام والتفاوض والتسويات... الا الكيان الصهيوني وأمنه. لا أحد يجرؤ على الكلام الذي يجرح شعور الكيان عندما يقترب موعد الانتخابات الرئاسية. ولذلك اختار اوباما أهم مناسبة داعمة للكيان الصهيوني ليطلق حملته الانتخابية، لأنه يعرف جيدا ان ما من ابن امرأة في الولايات المتحدة يجرؤ على تحدي "ايباك" ويبقى واقفا على رجليه. على مسافة عشرة ايام مضت على الذكرى الثالثة والستين لنكبة فلسطين، وفي العيد الحادي عشر للتحرير في لبنان، ينظر الفلسطينيون الطيبون في الشتات والداخل حولهم وحواليهم، فلا يجدون بدا من اعادة النظر في عقدين كاملين من التفاوض العقيم مع الكيان برعاية اميركية لم تحقق للقضية الفلسطينية سوى المزيد من الاحتلال لارضهم ومقدساتهم ولارادتهم. فها هي المستوطنات تنبت كالفطر في آخر أمل لهم بأرض يقيمون عليها دولتهم المستقلة.
وها هو القمع الصهيوني يتصاعد قتلا ودما وتدميرا ومزيدا من الاسرى. وها هي القدس الموعودين بها عاصمة لدولتهم تذوي امام اعينهم ومسامعهم. وها هم رؤساء اميركا يطعمونهم آمالا واهية رئيسا بعد رئيس وجيلا بعد جيل. بعد عشرين عاما من المفاوضات يقارن الفلسطينيون البسطاء الشرفاء الانقياء، بعيدا عن قادتهم والناطقين باسمهم، بين التفاوض العقيم والمقاومة المكلفة التي كانوا آباءها وما زالوا من اسيادها.
والا ما الذي يجبر حفيد منيب المصري احد اكبر اثرياء فلسطين، على الذهاب الى مارون الراس وهزّ الشريط الشائك ليتلقى رصاصة شبه قاتلة ما زال يعاني من آثارها في المستشفى؟ على الاقل في عصر المقاومة تمكن الفلسطينيون في لبنان من الوصول الى الشريط الشائك في مارون الراس وكادوا يطأون أرضهم على نهر من الدم. صحيح انهم خسروا أحد عشر شهيدا واكثر من مئة جريح، لكن الفلسطينيين توقفوا من زمان عن التعداد. هم يعرفون ان المقاومة مكلفة، لكنها تشعرهم بأنهم ما زالوا احياء كراما، وبأن الأمل لم ينقطع بعد. لماذا المقاومة في فلسطين؟ سؤال وجيه، ولكن السؤال الاكثر وجاهة: لماذا المفاوضات بعد عشرين عاما من الوهم؟ ولماذا المقاومة في لبنان؟ سؤال وجيه ايضا، ولكن هل يعتقدن احد ان الاستقرار على حدود لبنان منذ التحرير هو منّة من الكيان الصهيوني؟

