الأسرى المرضى.. أصوات تئن وأجساد تتألم

الثلاثاء 07 يونيو 2011

الإعلام الحربي – غزة:

 

شكل قرار مصلحة السجون الصهيونية بإغلاق بعض الملفات الطبية لأسرى مرضى تصريحًا صريحًا وواضحًا بإعدامهم، فمنهم من شلت أطرافهم وتعطلت وظائف أعضائهم سواء كان من الرصاص الصهيوني الذي اخترق أجسادهم أو من خلال تجارب العلاج غير الناجحة التي تتبعها مصلحة السجون معهم.

 

في مستشفى سجن الرملة، تارة نحكي عن تلك الحرية المسلوبة التي تحولهم عن العالم وأخرى نذكر بها مرارة الحياة التي تريدهم ورودًا ذابلة, وثالثة عن عذاب السجان الذي يتلذذ في سماع آهاتهم. بالإضافة إلى الكثير الكثير من الحكايات التي لا تعد ولا تحصى.

 

نجد فئة تلون فلسطين بدمائها الحمراء, تلك الدماء التي تنزف من شدة ألم المرض من أجل أن تصنع المجد لوطنها, هؤلاء الأصحاء الذين سرق السجن قوتهم وصحتهم وحولهم إلى مرضى يتألمون, وأموات كانوا بالأصل فرسانًا أبطالًا.

 

مرضوا داخل السجن

مليئة الحكايات التي تقشعر لها الأبدان حينما تسمع ظلم بشرية بهذه الصورة البشعة التي لن ترضاها كافة الديانات على حدٍّ سواء, داخل القضبان الحديدية التي سلبت حرية ما يقارب 6000 أسير, ولعل أقسى تلك الحكايات هي آهات الوجع المؤلم التي ينادي بها الأسرى، مطالبين بحقهم في العلاج أو تخفيف الآلام على الأقل, عدا عن الإعاقات التي تسببها عذابات السجان للكثير منهم.

 

قصة مرض ثالث أقدم أسير فلسطيني عميد الأسرى أكرم منصور تحكي نموذجًا لتجاهل السجن لحالته الصعبة، حيث يصارع مرض السرطان منذ عدة سنوات إلى جانب مجموعة من الأمراض جرّاء تعرضه للضرب والتعذيب في زنازين التحقيق التي مكث فيها أكثر من ثمانية أشهر, وأصيب في ثقب بأذنه جراء الضرب وإصابة أخرى في يده اليمنى، وتساقط في الأسنان، وأمراض جلدية، وضغط في الدم، وورم في الدماغ، غيبه عن الوعي لساعات قاربت المائة.

 

ويروي منصور لمركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان، أصناف العذاب التي تعرض لها في سنوات سجنه، معتبرًا أن الأيام والأعوام التي قضاها في الأسر أكثر من سنوات عمره خارجه، ولكل يوم ودقيقة حكاية وصورة، يقول "هناك محطات من الذكريات المؤلمة التي ستبقى ترافقني للأبد وخاصة خلال فترة التحقيق".

 

سلسلة من حكايات التعذيب الغريبة التي لا تزال تلتصق في ذاكرة الأسير والتي لها علاقة بمرضه, يتحدث عن ذلك متسائلاً:" كيف أنسى عندما قام السجان في سجن الجلمة في إحدى أيام التحقيق المريرة بسكب وجبة طعام على الأرض وواصل ضربي لإرغامي على تناولها، وفي مرة أخرى سكبوا علي دلو البول وأعادوني للزنزانة، وعندما حضر الضباط وتقدمت بشكوى أخرجت من الزنزانة وأرغمت على التعري أنا وباقي الأسرى ورشونا بالماء".

 

مكفوفون خلف القضبان

وفي مشهد آخر أكثر ألمًا انتقيناه من داخل السجن قد تعجز الأقلام عن وصف مدى المعاناة التي يقاومها أسير سلب منه الاحتلال نور عينيه ليصبح كفيفًا عاجزًا عن الرؤية.

 

الأسير المقدسي علاء الدين أحمد رضا البازيان ابن حارة السعدية في القدس القديمة، وأحد أقدم أسرى محافظة القدس والمعتقل منذ تاريخ 20/4/1986، والمحكوم مدى الحياة, والذي حدثنا عن معاناته من داخل السجن, فعادت ذاكرته إلى الوراء تتذكر عام 1986 وهو موعد اعتقاله حينما كان جريجًا مصابًا في العينين والبطن والرأس والقدم وكان فاقدًا للوعي، ونقل لمستشفى هداسا عين كارم ومن ثم فقد بصره, يقول "أثناء مكوثي في المستشفى تعرضت لمضايقات شديدة من قبل المخابرات الإسرائيلية, وقد تنقلت في العديد من السجون حيث كنت سجين المحبسين، مقيد الحركة في سجني ومقيد الحركة في فقداني البصر، لا أتمتع بالفورة ولا أرى حتى السجانين أو القضبان".

 

تجتمع الآلام في حياة الأسير البازيان؛ حيث يعاني الحرمان والقضبان، والأصعب من هذا غياب نور البصر الذي عوضه نور القلب, يروي جزءًا يسيرًا من معاناته داخل السجن "أحتاج إلى أسير آخر لأتمكن من الحركة من أجل الذهاب إلى المرحاض ومن أجل تناول الطعام أو حتى الكتب يقرأها الأسرى لأجلي, فشؤون حياتي جلها تعتمد على الأسرى الآخرين مما يبقي الجرح عميقًا في داخلي, لقد عانيت في الأسر كثيرًا وتعجز الكلمات عن سرد المعاناة التي عشتها خلف القضبان وفي تلك الزنزانة المظلمة ليلاً نهارًا".

 

فقدوا عقولهم

وفي باطن السجون داخل زنازين العزل الانفرادي، قصص قد لا يتخيلها العقل تحكي معاناة من أصيبوا بأمراض عصبية ونفسية بسبب عزلهم عن عالم الأحياء؛ فالأسير فايز الخور نموذج من هؤلاء حيث يعاني من مرض نفسي خطير؛ نتيجة للظروف القاسية التي تعرَّض لها خلال سنوات اعتقاله الطويلة، وخاصة أنه أمضى أكثر من 7 سنوات في العزل الانفرادي.

 

لم تعرف أسرته في غزة في أي سجن يوجد وما هي ظروفه، خاصة وأنه يعاني من ظروف نفسية صعبة, يقول شقيقه "توجهنا إلى الصليب الأحمر أكثر من مرة للاطلاع على وضعه الصحي والتدخل لإنهاء معاناته، رغم أن شقيقهم فايز لا يستطيع أن يتعرف على أحد". لكن دون جدوى.!!