بيت المقدس أولا وأخيرا ..بقلم سيف دعنا

الإثنين 04 يوليو 2011

بقلم/ سيف دعنا

من التاريخ

من الفولكلور

 

في سياق الصورة الكبيرة للتاريخ العربي الذي صنعه أجدادنا على مر التاريخ, وسياق المستقبل العربي القادم كما تبشر به الثورات الشعبية المجيدة، لن يكون الكيان الصهيوني أكثر من مجرد حاشية في كتاب تاريخ الشعوب العربية الذي تصنعه ثوراتهم الشعبية.

 

ليس فقط لأن شبح فلسطين يسكن كل الثورات العربية, بل أيضا لأن معركة العرب الفاصلة والنهائية في سبيل حريتهم هذه المرة, مثل كل المعارك الفاصلة في تاريخهم وتاريخ المنطقة الطويل, ستكون حتماً في فلسطين, تماماً مثلما كانت معركة حطين التي أسست لنهاية الغزو الأوروبي الصليبي، وعين جالوت التي قضت نهائيا على الزحف المغولي.

 

ومن يعرف قليلا من تاريخ المنطقة العربية الطويل الذي يعيد الفلكلور الفلسطيني إنتاجه وتشكيله بشكل عبقري ليشكل رافدا لا ينقطع لإذكاء شعلة المقاومة, سيدرك أنه في سياق التحديات الهائلة التي واجهها العرب في تاريخهم الطويل وانتصروا عليها سيبدو الكيان الصهيوني والانتصار عليه مجرد حدث عارض في سلسلة من المخاطر الكبرى التي تغلبت عليها الأُمة.

 

ومن يعرف شيئا عن ثقافة الفلسطينيين وفلكلورهم الذي طبعته التحديات الكبرى في تاريخهم سيدرك أن عُمْر مقاومة الفلسطينيين والعرب سيكون حتما أطول من عُمْر الكيان الصهيوني.

من التاريخ .

 

لم يكتب لعز الدين ابن الأثير الجزري (550-630 هجري/1160-1233 ميلادي) الذي أرَّخ لأَهم التحديات التي واجهت العرب والمسلمين في تاريخهم الطويل (الغزو الصليبي والزحف المغولي) وشهد تحرير القدس (الذي "فتحت له أبواب السماء، وتبلجت بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقرت به عينًا الأنبياء والمرسلون"، كما جاء في خطبة الجمعة الثانية بعد التحرير) والأقصى على يد الناصر صلاح الدين, أن يشهد موقعة عين جالوت ويرى نهاية الحملة المغولية التي قضت على مركز الخلافة العباسية في بغداد تتحطم في فلسطين.

 

لكن مؤلفه المرجعي "الكامل في التاريخ" مليء بالإضاءات حول خطورة وهمجية وعنف هذا الغزو الذي وصفه "بالحادثة العظمى والمصيبة الكبرى" وأَعرَض عن التأريخ لها لسنين كما يقول "استعظاماً لها، كارهاً لذكرها".

 

ووصفها بـ"الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمَّت الخلائق وخصَّت المسلمين، فلو قال قائل إن العالم منذ خَلق الله تعالى آدم وإلى الآن، لم يبتلوا بمثلها. لكان صادقا." (الكامل في التاريخ, المجلد العاشر, ص: 399).

 

فحين خرجت قوات جنكيز خان من مدينة هراة, نجا من الموت فقط أقل من أربعين شخصا تمكنوا من الاختباء. هذا كل ما تبقى من أكثر من مائة ألف من سكان المدينة الجميلة التي تحولت لخراب كما وصفها توماس آرنولد (توماس آرنولد: الدعوة الإسلامية).

 

وفي بخارى, حوّل المغول الأماكن المقدسة فيها إلى إسطبلات لخيولهم, مزقوا القرآن الكريم, وأسروا القليل ممن لم يقتل من أهل المدينة التي حولوها إلى رماد.

 

ولم يختلف مصير سمرقند, وبلخ, وأطرار, وجند, والطالقان, وغزنة وغيرها من مدن آسيا الوسطى التي كانت منارات للعلوم ومراكز للحضارة العربية الإسلامية , هذه فقط كانت بداية الحملة المغولية التي أرَّخ لها المؤرخ النبيل وأصابته بالصدمة الهائلة. فـ"التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا يدانيها".

 

كل هذا ولم يشهد ابن الأثير القسم الأعظم من الدمار الذي حملته الغزوة المغولية التي "سارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح". فرغم قوله "ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم"، توفي ابن الأثير الذي أرَّخ لقيادة جنكيز خان قبل عهد المنطقة بحفيده هولاكو وقبل سقوط ودمار بغداد وحلب ودمشق والتجهيز لغزو مصر بحوالي ثمانية وعشرين عاما.

 

ولو قرأ ابن الأثير ما كتب ابن كثير من بعده في "البداية والنهاية" في وصف الهمجية المغولية لتأكد من دقة وصفه وحسن قراءته للهجوم الهمجي في حينه والذي دفعه لوصف تأريخه الحولي لما بعد سنة 517 هجرية بـ"نعي للإسلام والمسلمين".

 

ففي بغداد التي أحالها المغول لخراب, اختلف الناس في عدد من قتل, كما روى ابن كثير. "فقيل: ثمانمائة ألف. وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف. وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس" (البداية والنهاية, الجزء السابع عشر, ص: 361).

 

أربعون يوما من القتل الهمجي حلت ببغداد ولما "نودي ببغداد بالأمان, خرج من كان تحت الأرض بالمطامير والقنى والمغاير كأنهم الموتى إذا نبشوا من القبور, وقد أنكر بعضهم بعضا, فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه, وأخذهم الوباء الشديد, فتفانوا ولحقوا بمن سلف من القتلى, واجتمعوا في البلى تحت الثرى" (المصدر السابق، ص: 362-363).

 

ماذا كان سيكتب ابن الأثير لو قرأ ما أرَّخ ابن كثير للدمار الذي حل بالعراق والشام. فلما "انقضى أمد الأمر المقدور, وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها, ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس, والقتلى في الطرقات كأنها التلول, وقد سقط عليهم المطر, فتغيرت صورهم, وأنتنت البلد من جيفهم, وتغير الهواء, فحصل بسببه الوباء, حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام, فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح, فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون". (المصدر السابق، ص: 362).

 

من الفولكلور

هكذا فقط يمكن فهم الأهمية التاريخية العظيمة لمعركة عين جالوت التي لم تنقذ العرب والمسلمين فقط, بل أنقذت الحضارة الإنسانية كلها , وهو أيضا ما يوجب استصغار قدر الكيان الصهيوني واستعظام تقريعها.

 

وهكذا فقط يمكن فهم الإجلال الكبير والتقدير العظيم الذي يوليه مؤرخو هذه المرحلة وما بعدها لقائد المعركة الملك المظفر سيف الدين قطز (الذي خَصَّهُ تعالى برؤية الرسول الكريم في الحلم مبشرا إياه بملك مصر والنصر على التتار, كما روى ابن كثير في المصدر السابق، ص: 413).

 

ليس بعيدا من موقعي معركتي حطين واليرموك اللتين لهما أهمية كبرى في تاريخ العرب والمسلمين، وقريبا من بيسان وقعت معركة عين جالوت العظيمة في العشر الأخيرة من رمضان عام 658 هجري.

 

هناك, حيث سقط سيف الدين قطز عن فرسه القتيلة وظل يقاتل ثابتا على قدميه, يمكن لمن يغمض عينيه وينصت جيدا, كما يقول الفولكلور الفلسطيني, أن يسمع صدى صرخة الملك المظفر "اللهم انصر عبدك قطز" لا يزال يتردد بين الجبال المحيطة بالسهل. وعلى بعد كيلومترات قليلة شمالا, حيث وقعت معركة حطين الفاصلة, يمكن أيضا لمن يغمض عينيه وينصت جيدا أن يسمع ما كان يجول في ذهن صلاح الدين في أوج معركة حطين: "بيت المقدس أولاً وأخيراً".

 

وقليلا إلى الجنوب من مكان الموقعتين العظيمتين حيث مدينة القدس يمكن لم يفلت العنان لحواسه أن يشتم عبق "ماء الورد الفاخر" الذي غسلت به الصخرة الشريفة لتطهيرها بعد تحريرها في السابع والعشرين من رجب سنة 583 هجرية.

 

ليس بيت المقدس وأكنافه كأي مكان آخر على وجه الأرض. فليس للتاريخ هناك معنى فقط. هناك يحدث التاريخ ويبقى حاضرا طالما كان الصراع مع الصهيونية حاضرا, ويمكن لمن يزور القدس أن يراه ويعيشه مهما كان هذا التاريخ بعيدا.

 

ربما يكون هذا أحد أسرار الصمود الفلسطيني الذي لم يقهر رغم كل الدمار والتشريد الذي حل بهم على أيدي العصابات الصهيونية. فإلى الجنوب من مكان موقعتي عين جالوت العظيمة وحطين حيث لا يزال صدى صوتي الملك المظفر والملك الناصر يترددان بين الجبال حدثت أيضا الجلجلة الأولى في التاريخ.

 

فالفولكلور الشعبي الفلسطيني يذكر أن امتحان النبي أيوب, رمز الصبر الهائل ودلالة المعاناة الطويلة، حدث في قرية الجورة الفلسطينية (حوالي عشرين كيلومترا شمال شرق مدينة غزة). دلالات القصة وعلاقتها بتاريخ وواقع الفلسطيني عميقة جدا، وهي التي ألهمت مجموعة محمود درويش الرائعة "حالة حصار" في أوج الحصار الصهيوني أثناء انتفاضة الأقصى (انظر مقدمة ترجمة منير العكش لحالة حصار إلى الإنجليزية). فهنا, يقول درويش: "نفعلُ ما يفعل الصاعدون إلى الله: ننسى الأَلمْ"، وهنا "نفعل ما يفعل السجناء, وما يفعل العاطلون عن العمل: نربي الأمل".

ب أجله.