حرمه الاحتلال وداع والده.. الأسير القائد "أنس جرادات".. صمود في وجه السجان وإرادة مستمدة من عبق الإيمان

الخميس 21 يوليو 2011

الإعلام الحربي- غزة:

 

لم يكن لأحد أن يشعر بشعور الأسير القائد انس غالب جرادات أحد ابرز قادة سرايا القدس بوفاة والده 63 عاما، فهذا الشعور لن يتجرعه سوى من ذاق ويلات الفرقة وعدم القدرة على وداع الحبيب وهو على فراش الموت، ولكن رغم قسوة هذا الشعور وعظمة فانه قوبل بصبر واحتساب وتسليم تام بحكم الله تعالى، ليشكل ذلك محطة جديدة من محطات التحدي بين الأسرى وسجانيهم الذين ينتظرون مثل هذه اللحظة في حياة الأسير لاحتساء نخب الانتصار الموهوم...

 

"وما أن ترامى إلى مسامع الأسير المجاهد القائد انس نبأ ارتحال والده المربي الفاضل الى جوار ربه بعد رحلة من المرض حتى بدا بحمد الله والثناء عليه وطلب الصبر منه والدعاء لولده بالمغفرة والرحمة، فيما التف عشرات الأسرى حول رفيق دربهم لمواساته وإنما لاستلهام معاني الصمود والصبر على الابتلاء منه".. هذا تحدث "خالد" شقيق الأسير انس عقب عودته من زيارة انس في سجنه باليوم التالي لوفاة والدهم.

 

وأكد خالد أن أنس تغلب على السجان الصهيوني؛ "فهو حفظ كتاب الله -عز وجل- داخل الأسر، وتمكن في العزل الانفرادي من أن يتغلب على معاناته بتدبر آيات القرآن الكريم، ولم يذرف الدمع في وجه جلاديه حتى في أشد اللحظات قسوة عليه".

 

وروى خالد تفاصيل الزيارة بقوله: "أبلغته في الدقائق العشرة الأخيرة من الزيارة، وكان بجانبه الأسير ورفيق دربه المجاهد سعيد الطوباسي من قادة سرايا القدس، فأخذ يردد عبارات الحمد والثناء على الله عز وجل محاولا التخفيف عني ومواساتي قبل أن أواصل الحديث عن اللحظات الأخيرة في حياة والدنا التي كانت تؤكد حسن الخاتمة بإذن الله خاصة وأنه كان يتلفظ بالشهادتين ويوصينا بالصلاة والحفاظ على خيار المقاومة". وأوضح خالد أن ما سبق زاد من صبر "أنس" واحتسابه، وطلب منه نقل سلامه لذويه ودعوتهم للتحلي بالصبر ومداومة تلاوة القرآن الكريم والدعاء لوالده.

 

في بيت العزاء

أما في بيت العزاء المقام في السيلة الحارثية قضاء جنين -شمال الضفة الغربية المحتلة- فقد توافد المعزون بوفاة غالب حسن جرادات ٦٣ عاما ونسائم السيرة العطرة للفقيد ونجله المغيب خلف زنازين العدو الصهيوني تعبق المكان، وألسنة المعزين تلهج بالدعاء بالرحمة للفقيد والصبر والمن بالفرج للأسير المجاهد.

صبر واحتساب

أما زوج الفقيد "أم براء" فأوضحت أن رفيق دربها الذي انتقل إلى جوار ربه الإثنين ( ١٨ - ٧- ٢٠١١ ) أوصاها بأن تبلغ "أنس" السلام، وأنه راض تماما وشامخ الرأس بصنيعه في بني يهود".

 

وعن آخر عهد زوجها بالحياة الدنيا قالت "أم البراء" ل"الاستقلال":ولسانها يلهج بذكر الله والصلاة على رسوله الكريم: "كان أبو البراء يردد الشهادتين ويسبح ويهلل، وقد صلى في تلك الليلة المغرب والعشاء جمعا من شدة الإعياء، وكان يصلي على رسول الله ونحسبه من أهل الجنة ولا نزكي على الله أحدا".

 

وتشير أم البراء إلى أن زوجها كان ممنوعا من الزيارة في الآونة الأخيرة، "فمنع من التصريح لزيارة أنس، وكما أنه كان يصعب عليه في السنوات السابقة من زيارته بانتظام لسبب مرضه في القلب، فقد كان في كل زيارة يعاني كما الآلاف من عائلات الأسرى في رحلتهم لمشاهدة أبنائهم من خلف زجاج وليتحدثوا معهم عبر هاتف".

 

وتضيف والدة الأسير أنس أن الفراق صعب ومؤلم،" ولكن الفقيد ترك السيرة الطيبة وترك لهم مآثر عدة، فترك لأولاده مآثر ابنه أنس الذي نشمخ به جميعا، فهو الذي علمنا معاني الدين والإيمان والصلاة والصوم ووصيته أن نتمسك بالدين وبتقوى الله عز وجل".

 

ذكرى مؤلمة

وفي البيت وبين أيدي العائلة صورة تجمع أنس مع والده وهي الصورة المؤلمة بكل ما فيها، وهي الصورة الوحيدة التي التقطت عندما أصبح عمر والده ٦١ سنة، وهو العمر

 

المسموح به من جهة الاحتلال ليعانق الوالد ولده الأسير، حيث سمح له حينها أن يجلس معه وجها لوجه دون فاصل زجاجي لمدة عشر دقائق فقط.

 

وتستذكر والدة أنس يوم أن حكم الاحتلال الصهيوني على ابنها بالسجن المؤبد، فقال له قاضي المحكمة الصهيونية آنذاك: "أنس جرادات لن نحكم عليك بالإعدام، نريد أن نميتك نفسيا، فروحك ستموت لحظة بعد لحظة (...) الحكم عليك ٣٥ مؤبدا بالإضافة إلى ٣٥ سنة بالإضافة إلى ٣٥ ساعة"، فما كان من أنس المجاهد إلا أن رد عليه مبتسما شامخا صامدا: "الحكم حكم الله وهذا حكمكم، فأين حكمكم من حكم الله؟".

 

ومن الجدير ذكره أن أنس ( ٢٨ عاما) أحد ابرز قادة سرايا القدس - الجناح العسكري لحركة الجهاد الاسلامي- في جنين واعتقل بتاريخ ١١ / ٥/ ٢٠٠٣ م بعد رحلة طويلة من الجهاد والملاحقة، كما يعتبر خليفة للشهيد القائد إياد صوالحة حيث اشتركا معا في الوقوف خلف العديد من العمليات الاستشهادية التي هزت عمق الكيان الصهيوني مخلفة عشرات القتلى والجرحى الصهاينة.

 

وقد نعت حركة الجهاد الإسلامي وسرايا القدس وعدد من المؤسسات التي تعنى بالأسرى والد الأسير أنس، مشددين على أن الاحتلال مهما تجبر فلن يفلح في كسر إرادة الأسير وذويه.

 

ويشار هنا إلى أن الأسرى في سجون العدو الصهيوني قد تقاسموا الحزن خلال أقل من أسبوعين فقط مع رفاقهم في الأسر بوفاة آبائهم، حيث غيب الموت مؤخرا والد الأسير من حركة الجهاد الإسلامي خالد مطاوع الجعيدي دون أن يتمكن من رؤيته منذ نحو خمس سنوات لسبب حرمان الاحتلال لذوي أسرى القطاع من الزيارة لدواع أمنية.