رمضان في سماء السجون.. طعم آخر مذاقه حلاوة الإيمان واللمة وقت الإفطار

الأحد 07 أغسطس 2011

الاعلام الحربي- غزة:

 

همم تمتطي صهوة القمم وتدوس على الآهات وأنين الأوجاع, بفقرات يصنعونها تنير عليهم الظلمة وتخدر آلام القلوب المشتعلة بالشوق, فتجد قلوب نابضة مغذية بالإيمان لن تستسلم للواقع بل تربط الجراح وتعيش بركة رمضان.

 

هو كالريح تماماً...فكما تهب نسماته ونفحاته على البلدان ليبشرهم بقدوم خيراته, تجده أيضاً يهب على السجون حاملاً معه نور الإيمان ورحيق السعادة الذي يمكن أن تقرؤه لو اطلعت على حال الأسرى خلف القضبان, حيث رائحته تضفي أريحية في الوجدان والمشاعر والحنين رغم نار القلوب المكتوية شوقاً للأهل والأحباب.

 

في السطور التالية سننقل أيام من رمضان خلف القضبان:

 

فرحة رمضان

ما أن يتم إعلان بدء شهر رمضان تسمع التكبيرات والتهليلات داخل السجن, وترى الأجساد تتعانق وكأنها روح واحدة, فتعم الفرحة وتسود البهجة المكان, لقد دخل رمضان إلى السجن وأتى بالبركة معه متخطيا الأسلاك.

 

هكذا هي صورة الفرحة باستقبال رمضان خلف القضبان, ينتزعونها من أشداق العذاب ويصنعون السعادة من أقسى الظروف, فتتبدل الآهات بالتكبيرات والتهليلات, بينما العناق والتهاني يسيطران على شعور الوحدة والفقدان الذي يصيب قلب الأسير, وخاصة هؤلاء الذي يقضون أول رمضان خلف القضبان فيكون الطعم غريباً بالنسبة لهم.

 

الجميع بدأ في تنفيذ الخطة التي وضعها قبل حلول الشهر, كل منهم رسم الشهر وصورته قبل قدومه, حيث طلب الحاجيات والأغراض اللازمة له من ذويه في الزيارة الأخيرة, وبحسب مركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان فإنه لا يتم السماح بالدخول إلا لبعض الأغراض وليست كلها, فيحتفظ بها الأسرى لعلهم يصنعوا أجواء رمضان بلمته وأكلاته داخل السجن.

يستغل الأسرى هذا الشهر الفضيل عبر عملية تخطيط للعبادة في هذا الشهر بشكل كبير ودقيق ويلغون جميع أنشطتهم الرياضية، والمساقات التي يدرسونها، والأنشطة الترفيهية, فيحولون أيام شهر رمضان إلى شهر للطاعات بحيث تتوقف نشاطاتهم العادية وتحول إلى نشاطات عبادية.

 

تجد في السجن خلية نحل متكاملة تتقاسم أدوارها وتصنع السعادة كما تصنع الملكات العسل تماماً ولكن الأسرى يصنعون السعادة من مرارة السجن, على خلاف النحلات التي تصنع العسل من رحيق الزهور, ينظمون أوقاتهم ويحرصون على أن تتضمن كل ما يتعلق بالحياة في رمضان, فيشتمون رائحة رمضان رغم القيد, ويحولون عتمة السجن إلى سماء رمضان النيرة بهلاله, فتبتهج السجون بالسعادة وهذا ما يميز شهر رمضان عن كل الشهور بالنسبة لهم, حيث يجمع الأسرى على أن لشهر رمضان طعم خاص يقوي أرواحهم ويدعم صمودهم ويضفي لمشاعرهم مذاق لذيذ من الابتهاج والراحة.

 

وللعبادة والتقرب إلى الله حظ واسع من أوقات الأسرى فيتسابقون في ختم تلاوة القرآن الكريم, وتفسير معانيه وتكثر صلاة قيام الليل, ويخصصون أوقات لجسات الاستغفار ناهيك عن صلاة التراويح التي يعشقها الأسرى, والتي تحول السجن إلى مسجد يجمعهم ويوحدهم تعلوه تلاوة القرآن الكريم بأجمل الأصوات لاسيما أن في السجن شعلات تذخر بنغمة صوت خاشع ومتميز في تلاوة القرآن, فتعم الروحانية أجواء السجن.

 

يصف مركز أحرار أيام رمضان بمسلسل ترى في حلقاته عالم آخر داخل السجن يصنع رحمة رمضان وكرمه وروحانيته محاولاً أن يبدل بعد الأهل والأحباب وصيحات الحزن والذكريات بمشاعر يسودها التأقلم والإنسجام فتظهر السعادة ذات الطعم المميز عن كل شهر في داخل السجن.

 

يوم من رمضان

منذ الصباح الباكر ينتشر الأسرى في ساحة القسم أو الغرفة أو الخيمة التي يقبعون بها, كل يحمل مصحفه وينشغل في تلاوته والجلوس مع الله حيث هو شهر القرآن, إلى أن يقترب وقت الظهيرة فيؤدون صلاة الظهر جماعة ومن ثم يعم الهدوء والسكون ليبدأ وقت الراحة الجسدية, فهنا تجد من ينام وهناك من يتابع الأخبار والبرامج عبر الفضائيات, وآخر يقرأ كتاب وثالث يخصصها للتسبيح فيبقون هكذا حتى وقت صلاة العصر.

 

لكن ما يميز أوقاتهم هو الشوط الكبير الذي يقطعه الأسرى في ختم القرآن الكريم فتجد الكثير منهم يختمون القرآن أكثر من أربع مرات, وذلك بسبب استغلال الوقت وبسبب التخطيط المطبق.

 

"مركز النور" هو الاسم الأشهر لمراكز تحفيظ القرآن داخل سجون الاحتلال، تحدث عنه سابقاً فؤاد الخفش قبيل اعتقاله, قائلاً :" حرص الأسرى على حفظ القرآن جعلهم يضعون أسس صحيحة لذلك وهو ما تمثل بإنشاء مراكز تعارف بين الأسرى"

 

يوضح أن دورات تحفيظ القرآن تستمر على مدار العام، إلا أنه مع بداية شهر رمضان تطلق برامج خاصه ومتميزة للحفظ ابتداء من عدد من الأجزاء وصولاً إلى حفظ القرآن كاملاً وتسميعه أمام لجنة محكمة.

 

تعد فترة ما بعد صلاة العصر بالنسبة للأسرى حلقة نشاط يجتمعون بها للذكر والدعاء, فتكون هناك في ذلك الوقت جلسة إيمانية جماعية ونفوس مطمئنة ووجوه مبتسمة, بينما يقوم  زملائهم المسئولون عن الطبخ بإعداد وجبة الفطور التي تجمعهم وكأنهم عائلة واحدة, محاولين الكتم على الذكريات الأليمة التي تعيدهم إلى الماضي فيتذكرون الأهل والأبناء في ذلك الوقت, أو أن يسرح خيالهم إلى عالم من خارج السجن كل يتساءل عن أهله ماذا أكلوا اليوم وماذا فعلوا وكيف يقضون رمضان.

 

آن موعد المغرب وتم توزيع التمر والماء فيدعون خالقهم ورأس دعائهم هم طلب الفرج وفك الأسر, ويتناولون التمر ويحتسون الشوربة المعدة لهم, ثم يسارعون إلى الصف على سجادات الصلاة ليؤدون صلاة المغرب جماعة ثم يعودون للبدء في الإفطار فرحين رغم يسر الطعام وبساطته, حيث حلاوة رمضان تشعرهم وكأنهم في جنان.

 

من عالم التنكيل والحرمان يحاول الأسرى صناعة أفضل الطعام حسب ما يتوفر لديهم, ويقومون بإعداد الحلوى يومياً ولكنها لا تشبه الحلوى المتداولة بيننا, بل هي حلوى السجن والتي تتمثل بالخبز القديم – البايت- وما توفر من فواكه أو تمر ولبن .

 

كما ويحاولون عمل المقتطفات الفنية التي تصنع السرور هناك وراء الأسلاك وداخل الجدران,  فيعدون المسابقات والمسرحيات الترفيهية لإدخال الفرح لقلوب إخوانهم، ولا يبخل هؤلاء الذين يملكون الصوت بإدخال الفرح لقلوب إخوانهم بالنشيد والغناء وإقامة الأمسيات والسهرات الترفيهية.

 

ومن أكثر ما يميز رمضان خلف القضبان هو صلاة التراويح التي تغيظ السجان حيث يصطفون ويؤمهم أحد أصحاب الأصوات الرائعة من زملائهم, وتتوسطها الدروس والمواعظ بالإضافة إلى المسابقات الدينية الهادفة، وبعد الصلاة يترك كُلٌ حسب قدرته سواء بقيام الليل أو قراءة القرآن أو الكتب أو مشاهدة التلفاز, أو حتى المسامرة.

نبعت من تربة الجوع

ولكن تلك السعادة التي يصنعها الأسرى في سجون الاحتلال نبعت من تربة الجوع وكتم الآلام التي يكابدون ويلاتها أمام السجان الذي يتلذذ بآهاتهم, والذي يأبى أن يعكر فرحتهم في تلك المناسبة الربانية حيث تكثر التصعيدات والإجراءات القمعية بحقهم دون مراعاة لحرمة هذا الشهر أو أي اعتبارات إنسانية ودينية.

 

ومن السجون من تشتكي من قلة الطعام المقدم لهم والذي لا يصلح أصلا للبشر حيث يشعرون بالجوع الحقيقي, منهم من يشترون الطعام من حسابه الخاص من الكنتين وبأسعار باهظة ، ومن لا يملك المال يبقى جائعاً محروماً من الطعام.

 

وتفتقر موائد إفطار الأسرى من الأساسيات أمام سوء الطعام المقدم لهم وعدم كفاية الأموال لشراء ما يلزمهم, فكما أفاد الأسرى لمركز أحرار:" يشتاقون لرؤة الدجاج والشوربة الساخنة".

 

وأن إدارة السجن تفرض في كثير من الأحيان عقوبات بدفع غرامات مالية تصل الى 800 شيقل على الأسير لأي سبب كان ويتم اقتطاعها من حسابه الخاص، رغم أن عقوبات فرض غرامات على الأسرى تعتبر غير قانونية ولم تحصل في اي سجن آخر في العالم.

 

ويؤكد أـن إدارة السجون ملزمة بتوفير الطعام الجيد والمتنوع للأسرى إلى جانب احترام مشاعرهم الدينية بحسب القوانين الدولية.

 

هكذا هي أيام رمضان المختبئة خلف القضبان, وهكذا صنعت الفرحة لأنهم أسود فلسطين الذين نسجوا من ظلمة السجن أروع الحكايات التي قد تتخطى حكايات ألف ليلة وليلة بمضامينها وعناوينها التي دمجت الحزن والفرح معاً وصنعت السعادة من واقع ميئوس منه.